كسرت الانتفاضات الشعبية التي انطلقت في عدد من البلدان العربية، ابتداءً من اواخر عام 2010، حالة الجمود والثبات (الستاتيكو) التي ميّزت وحكمت مرحلة ما بعد نكسة عام 1967 (ومن ثم وفاة القائد المصري العربي جمال عبد الناصر عام 1970) والتي امتدت لاربعة عقود كاملة. أما إبقاء الازمة السورية من دون حسم (خلافاً لما حاوله طرفا الصراع والمتورطون فيه)، ومن دون حل (كما كان ينبغي ان يحصل)، فقد دفع المنطقة الى أتون مرحلة جديدة وخطيرة ومفتوحة على احتمالات معظمها أخطر وأكبر، على الاقل في المديين الراهن والمتوسط.


بشكل من الاشكال، أجّج العجز والفشل الدوليان الصراع، وساعدا على إلغاء الضوابط والقواعد والضربات الممنوعة في ممارسات طرفي الأزمة. وبشكل من الاشكال أغريا ايضاً، بحصول تداعيات سريعة ومتنوعة، في عدادها ايقاظ ازمات او مشاكل كانت نائمة (جزئياً على الاقل) بفعل التعسف والقهر والاستبداد والفئويات والفشل، ودائماً برعاية سياسات دول خارجية لم تتوقف مساعيها أبداً من اجل السيطرة على مصائر المنطقة وثرواتها.
ومع ذلك لا نستطيع ان نتجاهل حجم الاثارة في ما حدث ويحدث!
دهشتنا الكبيرة، هي، في جزء منها، ثمرة جهل بالواقع الذي سعينا لتغييره من دون ان نكلف انفسنا عناء السعي لمعرفته، كما يليق بأولئك الذين يحلمون ويحملون قضايا ذات اهداف ونتائج كبيرة وتاريخية ومصيرية وحضارية. اليوم، ربما ينبغي أن ندرك، اكثر من أي وقت سابق، لماذا كانت قوى التغيير التقليدية خارج الانتفاضات: استشرافاً أو مبادرة أو مشاركة...
يحتاج التعامل مع المتغيرات الدراماتيكية الراهنة والمتواصلة، الى متابعة نقدية لا تستثني احداً أو حقلاً. سيكون من قبيل الاجتزاء المُخل اعطاء وصفة جاهزة لتفسير كل ماحدث وما سيحدث. انها، كالعادة، وصفة، على الأرجح، مغرضة، توجهها مصالح وفئويات ضيقة وتتميز، غالباً، او حتى دائماً، بازدواجية المعايير وبتشويه الحقائق وبالخداع والمناورة والانتهازية... لقد لاحظ لينين احد كبار منظري وصناع التغيبر في العصور الحديثة (رغم النكسة المريرة التي لحقت بالتجربة الاشتراكية الاولى التي حملت توقيعه، نتيجة هيمنة النهج الستاليني) أن «الحقيقة دائماً ثورية». كان بذلك يفضح اصحاب المصلحة (من القوى المهيمنة) في التزوير والخداع وحجب حقائق الصراع واسبابه: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية...
لا يكفي في هذا السياق فقط ربط صعود التنظيمات التكفيرية، وصولاً الى اعلان دولة «الخلافة» الاسلامية في اجزاء واسعة (ومفتوحة) من سوريا والعراق، بمساع ونشاط تآمريين يديرهما طرف ضد اخر (من الاطراف المحلية أو الإقليمية)، او تحركهما، في صراعاتها ولحسابها، جهات خارجية. ان ما تظهر معالمه وآثاره ونتائجه وتداعياته، اليوم، هو ثمرة مخاض طويل ومرير ممتد في الماضي ومفتوح على المستقبل. انه محصلة لقرون من السيطرة الاستعمارية ولعقود وعهود من الظلم والتعسف والاستبداد والفشل الذي مارسته السلطات وثابر عليه الحكام في هذه المنطقة من العالم. لقد بُذلت وعود وطُرحت شعارات، منذ عقود، لتحرير مجتمعاتنا من التبعية والتجزئة والتخلف والتعسف. لم يتحقق من ذلك شيء يُعتد به. ان اولئك الذين حملوا شعارات الوحدة وبالغوا في الترويج لها قد مارسوا من السياسات والاخطاء ما جعل تجاربهم نقيضاً فاضحاً وصادماً لأولوياتهم وشعاراتهم. والذين نادوا بأولوية تحرير فلسطين عرضوا بلادهم نفسها للغزو والاحتلال. أما الذين رفعوا شعارات الحرية والاشتراكية والتقدم والديمقراطية، فقد فرضوا على شعوب البلدان التي استولوا على السلطة فيها اشكالاً «مبتكرة» من الاستبداد والاستئثار والاذلال والاكراه، ما حول بعضها الى سجون كبيرة، اين منها سجون الحكام والسلاطين التي، بإسم ازاحتها والتخلص من جورها، قامت الثورات وانطلقت الشعارات وحصلت الانقلابات! ولم نحسن يوماً التعامل مع مسائل الاقليات القومية بما لها من ثقافة وحضارة وتاريخ. انكرنا على هذه الاقليات ابسط حقوقها في المجالات كافة. تعاملنا معها بعنصرية وتجاهل وقمع، وبحروب إبادة وتنكيل وتخوين (وصولاً إلى استخدام أسلحة القتل الشامل المحرمة دولياً)، اقترنت دائماً بالإهمال والحرمان والتهجير والاضطهاد... باختصار، لقد أشهرنا في وجه وجودها وحقوقها ومحاولاتها المشروعة ليكون لها مكان طبيعي تحت الشمس، اسوأ اشكال العنصرية والاتهامات والارتكابات.
لم يحصل ذلك بالامس فقط. انه مستمر الى اليوم. ينجم عن ذلك علاقات لم تكن (ويُخشى ان لا تكون) صحية ابداً بين اكثريات هذه المنطقة واقلياتها. لقد افسح هذا الخلل في التعامل والعلاقات مجالاً رحباً لذوي الأطماع والمصالح، لكي يتدخلوا مستغلين و»منقذين»!
القضية الكردية هي مثال صارخ على ما نقول. ألا يشعر الكرد انهم مدينون بالكثير، بما في ذلك الحماية من البطش، للقوة الاستعمارية نفسها التي غزت بلدهم العراق ودمرت وحدته وحضارته وسيادته واستقراره!؟ ألم يدخل العدو الصهيوني، هو أيضاً ومبكراً، على خط المشكلة الكردية لتأجيجها ولاستخدامها مستغلاً الأخطاء لتعزيز اغتصابه وعدوانه؟
ليست دولة «الخلافة» التي اعلنها ابو بكر البغدادي مسألة من خارج الاحداث والسياق والتاريخ والمعاناة. انها محطة في تشوه واختلال ينبغي البحث جدياً وجذرياً عن اسبابهما في مسار سياسي واقتصادي واجتماعي بكل تفاعلاته وتداعياته التي ادت الى ما نعيشه من فوضى واضطراب واحتراب وانقسام... ما هو مطلوب ليس اقل من بداية صحوة وانتفاضة ينتظمهما مشروع متكامل لاستعادة المبادرة في عملية صنع مصائرنا ودورنا ومستقبلنا وفي الحفاظ على سيادتنا وارضنا واستقرارنا وثرواتنا.
التعامل مع تراثنا وتاريخنا مسألة في غاية الاهمية عندما يتعلق الامر بإدراك جملة المؤثرات الكامنة او الحاضرة في بيئتنا وذاكرتنا ومجمل موروثنا الثقافي والذهني والروحي والحضاري. لقد تعاملنا مع ماضينا، إما بالتقديس، او بالتنكر والتجاهل. في الحالة الاولى انقطعنا عن الحاضر والعصر والحداثة والابتكار والابداع... وفي الحالة الثانية عانينا من الاغتراب والتغريب والغربة والغرابة!
تتقدم إلى الواجهة، الآن، مشاريع وصيغ وممارسات، هي إلى حد بعيد، ردود فعل على تفاقم ظلم الخارج وعجز أو فشل أو استبداد الداخل. كل تعامل مع هذه المشاريع والصيغ والممارسات وفق الأساليب والأنماط القديمة الفاشلة سيؤدي الى مزيد من الخسائر. وهو سيؤدي، بالتأكيد أيضاً، إلى توفير مناخات مناسبة لها، ما سيطيل بقاءها ويفاقم أضرارها ذات الطابع التدميري والكوارثي غير المسبوق.
لقد وصلنا إلى زمن بتنا فيه بالكاد نجد متسعاً لمعرفة عدد شهداء وخسائر العدوان الصهيوني على غزة والقدس وكل الشعب الفلسطيني وحقوقه وقضيته.
إنه بئس المصير. هو ما صنعته أيدينا وأخطاؤنا وليس أي سبب آخر.
متى نتعظ؟ متى ننهض؟!
* كاتب وسياسي لبناني