يستعيد خصوم الدكتور سمير جعجع صفحات غير ناصعة من تاريخه من أجل الحؤول دون بلوغه سدة الرئاسة الأولى. في المقابل، يعترف أنصاره، ضمناً، بارتكاباته أثناء الحرب الأهلية، لكنهم يتساءلون: هل هو وحده من فعل ذلك. وماذا عن الآخرين؟ ولماذا لا يُمنع هؤلاء من تبوء مواقع اساسية في الدولة والمجتمع؟

يقتضي الإنصاف ألّا يُحاسب شخص واحد أو طرف واحد على ما ارتكبه في مرحلة الحرب. والإنصاف نفسه يفرض الاعتراف بأن اقتراف الارتكابات، صغيرها وكبيرها، قد شمل الجميع وإن بدرجات متفاوتة. وبديهي أن نضيف، ايضاً، أن الفيصل في ذلك، وخصوصاً عندما تضع الحرب أوزارها ليس ميزان القوى الذي يجعل، تقليدياً، الضعيف هو وحده من يدفع الثمن، حتى لو كان الطرف المنتصر هو الاكثر ارتكاباً وأخطاءً.

في الحالة اللبنانية موضوع الجدل، صدر عفو عام عن جرائم الحرب. كان ذلك جزءاً من التسوية التي أنهت الصراع المسلح وجعلت المنخرطين فيه شركاء أساسيين في التسوية المذكورة. جعلتهم تحديداً، شركاء في الحكم والحكومات اللذين قاما بعد «تسوية الطائف»، باشراف سوري مباشر، وبموافقة عربية شبه شاملة.
استفاد «الحكيم» من الأمرين معاً: الحصول على العفو العام والمشاركة في سلطة ما بعد «الطائف»! لكنه لم يكتف بذلك ابداً. كان يريد المزيد والمزيد.
بل كان يضمر عكس ما يعلن. هو، في الحقيقة، قد وافق تكتيكياً على تسوية «الطائف» من أجل التخلص من غريمه في «حرب الإلغاء» العماد ميشال عون، ومن اجل تكريس الاعتراف به مرجعاً وشريكاً سياسياً في الخريطة السياسية اللبنانية. استند الى هذين، أي العفو والشراكة، ليستأنف مشروعه الفئوي في الظروف الجديدة، ورغم كل ما حصل، بل بالاستناد الى كل ما حصل.
ومشروعه الفئوي هو، أولاً، التفرد بالتمثيل المسيحي على غرار ما فعله رئيسه الشيخ بشير الجميل تحت شعار «توحيد بندقية المقاومة اللبنانية»، وبالوسائل نفسها، أي بوسائل القوة والقتل والاغتيالات... وهو، ثانياً، حاول الارتداد على تسوية «الطائف» وموجباتها وخصوصاً في ما يتعلق بالمشاركة في القرار وفي المؤسسات، وفي ما يتعلق بإعادة توحيد وبناء الدولة وبهوية لبنان وعلاقاته العربية.
رفض «الحكيم»، لهذا الغرض، أن يشارك، شخصياً، في الحكومة التي تألفت آنذاك برئاسة عمر كرامي وانتدب عنه ممثلاً (روجيه ديب) لم يلبث أن سحبه بعد وقت قصير! هو احتفظ، كذلك، بتنظيمه الميليشياوي والامني وباشر نشاطات خطيرة، كان من بينها اغتيال منافس، قد يصبح مزعجاً، هو داني شمعون رئيس «حزب الوطني الاحرار» عبر مجزرة ذكرت بمجزرة اغتيال طوني سليمان فرنجية وعائلته! حافظ جعجع أيضاً على واقع وذهنية «الكانتون» واحتمالات اندلاع العنف واستعادة الجبهات والمتاريس وخطوط التماس...
باختصار، لم يفعل جعجع، كما فعل الآخرون لجهة الانخراط في التسوية وطي صفحة الماضي وخسائره ومآسيه.
لقد واصل هذا الماضي: مناوراً ومخادعاً ومجازفاً وقاتلاً... حتى تعاظم خطره وكُشف أمره واعتُقل، ليحصل بعد اكثر من عقد من الزمن، على عفو جديد، خاص به، لم يكن ليحتاجه لو انه خرج فعلاً من الحرب الاهلية ومن الانغلاق ومن ارتباطاته الخارجية واخطرها ارتباطه بالعدو الصهيوني...
لم يكن هذا شأن قادة الميليشيات الآخرين. ولم يكن هذا شأن سياسيين، انتقلوا من موقع الى موقع نقيض: من اليسار الى اليمين او العكس، ولو بصيغ «لبنانية» مطرزة بالالوان الطائفية والمذهبية الرائجة! من هؤلاء الذين تبدلت مواقفهم، هنا وهناك، لم يواجه أي واحد منهم اعتراضات او فيتوات على غرار ما يحصل لجعجع حالياً.
السبب بسيط: هؤلاء قد غادروا مناخات الحرب والعنف والاقتتال والتحضير لجولات جديدة من ذلك!
قارن جعجع نفسه بالشيوعيين والقوميين... فاته (لو صحّت المقارنة أصلاً) ان بعض هؤلاء قد اعاد تقييم تجربته في الحرب كلياً أو جزئياً، علناً أو ضمناً، وانهما كانا من ضحايا الحرب ايضاً... ثم ان هذين الطرفين، تحديداً، أو خصوصاً، قد عوّضا باتخاذ احد ابرز واخطر القرارات في التاريخ اللبناني والعربي: انشاء جبهة مقاومة ضد العدو الغازي المحتل، ما أسهم في التحرير وفتح ثغرة في جدار عدوانه ما زالت تتسع وتكبر حتى اليوم (خصوصاً عام 2006) حتى باتت تعدّ خطراً على الجدار نفسه.
ويحاجج بعض انصار جعجع الجدد بأنه، بعد خروجه من السجن، قد ثابر على سلمية تحركه ومواقفه. ليس الامر كذلك تماماً. مشروع جعجع السياسي و«الرئاسي» يتمحور حول نزع سلاح المقاومة. هو يلح على ذلك بمعزل عن الصراع الدائر مع العدو الاسرائيلي المحتل وعن دور هذا السلاح في ردع ذلك العدو واستعادة ما بقي محتلاً من الارض، وأيضاً بمعزل عن الإنجازات السابقة في التحرير، ما يحمل شبهة التناغم مع العدو الصهيوني.
سيحاول جعجع، من خلال موقع الرئاسة ايضاً، أن يسخّر السلطة أو بعضها لخدمة هذا المشروع، بعيداً عن الحوار (الذي قاطعه) وعن موجبات التفاهم بين الاطراف، ما يحمل شبهة الدعوة مجدداً إلى الحرب الاهلية!
لا يخوض جعجع حرباً وطنية كما يدعي. إنه يخوض حرباً أهلية باردة قد تصبح ساخنة إذا تمكن من توفير الوسائل الضرورية لها: الدعم والتدخل الخارجي، التسلح، استخدام السلطة، الاستعداد والتدريب وبناء الميليشيا الضرورية، إثارة العصبيات الطائفية والمذهبية والانقسامات الفئوية...
أخطر ما في برنامج جعجع أنه قد يكرر اليوم ما حصل في الأمس من احتراب ومآس ومخاطر!
إن رفض ترئيس جعجع يعود إذاً الى الحاضر قبل الماضي. لأجل ذلك وسواه، لا يجوز ان يصبح رئيساً لجمهورية لبنان. ولأجل ذلك أيضاً، أخطأ اولئك الذين أيدوه، ولو على سبيل المناورة!
لا يعني ذلك ابداً ان الآخرين، من خصومه وسواهم، يقومون بكل واجباتهم الوطنية! بعض ما يتهدد لبنان قائم، أساساً، في صيغة نظامه الطائفي المذهبي الذي شتت اللبنانين إلى شراذم لا تستطيع أن تبني وطناً سيداً مستقلاً موحداً عربياً ديمقراطياً... يليق بتضحيات وتجارب أبنائه الرائدة والمنتصرة في حقول المقاومة والتحرير والتعلق بالحرية والديمقراطية. هذا وسواه من الآفات والارتكابات والمخاطر تقع مسؤوليتها الأساسية، بهذا الشكل أو ذاك، على عاتق كل الطاقم السياسي الحاكم!
* كاتب وسياسي لبناني