حسناً يفعل جاك قبانجي عندما يكتب (في مقالته المنشورة في «الأخبار»، 16 نيسان 2021) ويحرك النقاش حول «ضعف اليسار والحركة الشعبية وأزمة النظام... التحالف الاجتماعي هو المخرج؟»، وحول ما جال عليه وشخّصه من أشكال تفاقم أزمة النظام اللبناني وما يراه من حلول ضرورية تُمكِّن من «الخروج » من الأزمة. حلول يرى أنها قادرة على «الاستجابة لمصالح أوسع فئات الشعب اللبناني...».

وقد غلب على ما كتب إيمانه بقابلية الفئات الشعبية من دون أن يُميز بين مستويات وعيها وأشكال تعاملها مع ما أُتيح لها من فرص في ظل النظام اللبناني، علماً أن الفئات الأفقر منها يتزايد تكيفها، ولو اضطراراً، مع مستغليها وأولياء نعمها وحكامها. ويتزايد تقبلها لأقدارها كلما سهُل على ولاة أمورها في بيئاتها ربط انفراج ضائقات عيشها بموالاة زعماء طوائفها القادرين على إشاعة الوعود بالانفراج عبر التلويح بخدمات الإدارات الحكومية التي تحتاج إليها.
ولا يُخفي قبانجي ضيقه، من توسع قدرات ولاة أمور المعوزين وزعمائهم على تعطيل قدرات الفئات الشعبية المظلومة على الاختراق في «مواجهة الاصطفافات الصلبة» خاصة بعد تكرار هجراته التي تناقص خبراته «لأهوائها وهوياتها»، ولتزايد اختلافاتها عما يرسمه اليوم في طرحه النقدي الذي «يتلمّس (من خلاله) ارتسام أفق صريح لوجهة نفاذها من هذا النظام المنهار وصولاً إلى نظام مدني ديمقراطي يُحققه أوسع تكتل شعبي...» يُمكّنها من تجاوز انقساماتها.

أدريان غروزتسكي (بولونيا)

وفات قبانجي أن لهذا النظام مراجع دوليين وإقليميين حدّدوا له منذ مئة سنة مراجع دعم لمقدّسي طوائفه وتوافقات زعمائها. مراجع يتغيرون في بلادهم ولا تتغير أدوارهم في ترميم قواعد النظام الطائفية السياسية وتجديدها كلما هزلت أدواره الوسيطية والخدماتية في المشرق، وذلك عبر مؤتمرات تنظمها دول «شقيقة» غنية (في الطائف ــ السعودية عام 1989 وفي الدوحة ــ القطرية عام 2008). مؤتمرات يُدعى لانعقادها البرلمانيون اللبنانيون الموزعون غالباً على كتل لا مصلحة لغالبيتها في التشريع الديمقراطي الذي يعطل فرص نهبها للحكم في لبنان والانتقال من «النظام المنهار وصولاً إلى نظام مدني ديمقراطي يحققه أوسع تكتل شعبي...» كما يتمنى قبانجي، إلا إذا كانت تراوده فكرة ثورة شعبية لطالما تمنيناها سوية؟ فهو متفائل بقدرة «القوى الشعبية بمكوّناتها النقابية والمهنية والطالبيّة والنسائية» على مواجهة الاستقطاب الطوائفي والمذهبي والمناطقي الذي يقود إلى انفجار «يصبح هو الحدث» بدل تضييع الوقت في «تحديد المسؤوليات وإكراه المنظومة على تسديد الحساب ليصبح إنقاذ البلد أمام من يتوقون إلى وطن ونظام سياسي مدني موحد، نظام يُصبح الوصول إليه بمتناول كل من يملك المؤهل الضروري للتكوين المهني...». هكذا يُؤمن قبانجي بقدرة القوى الشعبية الكامنة لدى متعلميها ومهنييها على المواجهة وتحديد المسؤوليات وعلى محاسبة زعماء الطوائف ومحاكمة من لم يقدر القضاء على محاسبتهم واسترجاع الأموال المنهوبة والعمل على إعادة تكوين مؤسسات «النظام اللاديمقراطي الفاسد».
لقد استمر تقديرنا المشترك عقوداً مع قبانجي بأن التغيير الديمقراطي في مثل هذا النظام الذي تشكل منذ مئة عام عبر توافق الجنرال غورو الفرنسي والبطريرك الماروني ومباركة البابا، لا يقوم في ظل زعامات لثماني عشرة طائفة تُسندُ من الخارج لتحكم البلاد بكتل لزعمائها تُشرِّع لتعويق تقدمها الاجتماعي ـــ الاقتصادي وانتقال اقتصادها من الريعية التي أوصلت البلاد اليوم إلى الإفلاس:
وقد استفاد أصحاب النظام الاقتصادي السياسي من محدودية أحجام الطوائف الثماني عشرة التي تراوح أحجام الناخبين المسجلين في دوائر النفوس للطوائف الأربع الأكبر منها، بين 150 ألفاً و500 ألف ناخب، تراوح نسب التزامهم بالتصويت في الانتخابات بين ربع ونصف الناخبين المقيمين ممن تبقى منهم في البلاد بفعل الهجرات. وفي ظل مثل هذه الكتل البرلمانية التي تضمن محدودية أصوات مواليها بفعل الهيمنات المتوارثة لزعماء طوائفهم المدعومين من مراجعهم في الخارج العربي والدولي، ولا تتوقف الريعية المتراجعة لاقتصادات وزاراتها التوافقية منذ الستينيات عن دفع العائلات والشباب فيها للهجرات.
كما استفاد أصحاب النظام من يأس معارضات الفئات الشعبية من توقع التغيير ولا سيما منهم الفئات التي جرّبت نضالاتها الحزبية والنقابية ومنها خاصة اليسارية الأكثر استهدافاً وبذلاً في معارضاتها، ولكنها ظلت رهينة قيادات وطروحات تقليدية للتغيير يراهن الحكام على صعوبة فهمها لدى عوامها ويقتصر استقطابها الظرفي المؤقت غالباً على أوساط الطلاب. ولطالما عانى ويُعاني اليساريون من تهيُّب وحذر من يُسميهم قبانجي بالفئات الشعبية من راديكالية الطروحات اليسارية التي لطالما جرّبت استقطاب المتضررين من تخلف ريعية وظلم رأس المال والبطالة. وظلّت تتواجه مع «كثافة إيديولوجية تُبقي الطائفة في مركز الجاذبية الأهم سياسياً في المدى المنظور؟».
ويتمخّض، برأي قبانجي، عن الأزمة الاقتصادية ـــ المالية و«حدود تأثيرها في إعادة تشكيل الوعي الجماهيري» نتيجتان:
إعراض الشعب (عموم الشعب؟) عن «التجاوب مع الجو التعبوي الطائفي من جهة والتفكك التدريجي للنظام من جهة...» دونما انتباه إلى أن النظام هو في حكم القوى الاقتصادية المُحصنة طوائفياً تُديره زعامات كتله البرلمانية المعنية بالتعبئة الطائفية لحماية تجدُّده.
وفي أعقاب تساؤلاته الخارقة :
حول ما إذا كانت أزمات النظام «تُحيل إلى تبلور أوضح لإمكانية الاستجابة لتجربة مدنية واجتماعية مواطنية» يمثلها ما يُسميه «التحالف الإجتماعي؟».
وهل يؤدي « إطباق الأزمة المعيشية والبطالة» إلى بروز تيارات أميل للجذرية تخرج من الاصطفافات الطائفية؟
أم أن كثافة اللحظة الإيديولوجية ستُبقي الطائفة في مركز الجاذبية؟
يستدرك قبانجي معوقات بناء «التحالف الاجتماعي» بسبب «عدم توفر طرح أميل ما يكون إلى التكامل برنامجياً يحلل أزمة النظام العامة». ورغم أنه ظل يرى في جديد تركيبة هذا التحالف الاجتماعي (الموعود؟) من القوى الشعبية المكونة من نقابات ومهن ومجموعات طالبية ونسائية وكل من «يعتاش من أجره ومهنته ووظيفته ومزرعته (أم مزارعيه؟) وأصحاب الحاجات الخاصة والمعطلين عن العمل»، مع العلم بأن مثل هذه الجماعات المتزايدة الإفقار تضطر للتأطر في قواعد أحزاب الطوائف ومقدسيها وأن أسباب تطيّفها الأولى تعود، في رأينا، أولاً إلى الراديكالية المُغالية في طروحات اليسار التي دفعت روّاداً منهم يساريين وآخرين ميسورين من طائفيين وغير طائفيين لتشكيل ما يزيد عن 35 منظمة «مدنية» متحزّبة وغير متحزّبة (نقلاً عن تحقيق رلى إبراهيم في «الأخبار»، 22 نيسان 2021) تقيم علاقات مع داعمين لها لبنانيين ومع دول خليجية وأجنبية (كما يصنفون بعضهم) في الوقت الذي توجه فيه الباقون منهم إلى نقابات زعماء طوائفهم القادرين على وعدهم بخدمات في إدارات الدولة وتوظيف نخب محدودة منهم يمثلون حصصاً لطوائفهم أو يميلون إلى الهجرة.
وأمام تساؤلنا المشترك مع قبانجي «عن عدة التحالف الاجتماعي الذي يُمكّن من الاختراق واستعادة حالة جماهيرية فاعلة وحازمة»، ومن منطلق اعتمادنا في مقاربة سوسيولوجية للتغير في لبنان توقفنا ملياً أمام ما يتمنى تحققه قبانجي مما يُسميه «التحالف الاجتماعي» الكفيل بتحول وتمكين الفئات الشعبية من تجاوز معوقات خلاصها. ولاحظنا أنه قد غلّب مقاربته الشبابية للتغيير على مقاربتنا للتغيُّر الأقل تحريكاً للشباب، لأن التحليل عبر هذه المقاربة يقوم على معاينة الأوضاع على الأرض حيث توجد الدولة لأن الدولة، وإن تشكلت من خارجها في لبنان، فإنها تبقى «خير سلطان معترف به يحشد وراءه إجماعاً اجتماعياً، إنه إجماع ممنوح لهيئة تتولى تعريف المصلحة العامة وتحديدها (بيار بورديو : «عن الدولة» دروس في الكوليج دو فرانس ( 1989 - 1992) ترجمة نصير مروة، منشورات المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، بيروت ، ص. 154) إضافة الى التحكم بتوزيعها في لبنان. وفي تقديرنا بأن أفضل جهد تحليلي يمكن أن يُوفّر للفئات الشعبية هو الذي يوصلُها الى الوعي الواقعي لفهم أولويات وصعوبات اختراق جدار مختلف أشكال الاصطفافات «الانغلاقية» في المجتمع. وأن الجهد من خلال سوسيولوجيا التغيّر هو الذي يخرق ظواهر الحراكات المرئية للجماعات ويصل إلى ما يحرك بواطن ميولها الأهلية من معتقدات وتديُّن. وهذا هو الخرق الأول والأصعب الذي يحدد إمكانات تقدم وعي الفئات الشعبية لتُقبل على التدرج إلــى«التحالف الاجتماعي» الديمقراطي الذي يقصده قبانجي.
إن الخطاب الأقرب إلى قلوب الفئات الشعبية غالباً ما لا يكون التحليل المفصّل لصعوبات «الاختراق في مواجهة الاصطفافات الصلبة الطائفية الهوى والهوية بالأخص». ومع ذلك يحلو لقبانجي أن يـرى بأن «الأزمة الاقتصادية ــ المالية وحدود تأثيرها في إعادة تشكيل الوعي الجماهيري حتى الآن... » أبرزت «إعراض الشعب (كل الشعب؟) عن التجاوب مع الجو التعبوي الطائفي في المناطق اللبنانية عموماً»، واذا كان هذا قد صحّ جزئياً إلا أن الجو التعبوي لا يُحركه ويتحرك به داخل الطوائف إجمالاً أكثر من الفئات الشعبية المعوزة والفئات الممثلة لزعاماتها في إدارة الدولة.
قبانجي مناضل متفائل ينتظر من ناشطي «الإنتفاضات» برنامجاً اصلاحيّاً يشرك فئات المجتمع في تحالف هادف وحاسم، لكن هذا يتوقّف على طبيعة البرنامج الذي يطرحه «التحالف»!


كما ويحلو للدكتور قبانجي أن يرى «التفكك التدريجي للنظام والحكم وارتهان قراراته... بتمثيل متحزب أو طائفي» علماً أن هذا الارتهان كان منذ الاستقلال وظل متحصناً بمراجعه العربية والدولية. وستظل مصالح زعماء طوائفه الـ 18 رهينة تلك المراجع الخارجية ومستقوية بميليشياتها «المتمدنة» لا تتغير طالما أمكن لتلك المراجع أن تحمي وترمم توافقات زعماء طوائفه وأن تُبعد عنهم ميول مثقفيه الديمقراطيين للاستجابة لتجربة مدنية واجتماعية، وتتمثل هذه الميول كما يتمنى قبانجي، بـ « التحالف الاجتماعي» المقترن ببروز ما يسميه بـ «تيارات أميل للجذرية» وهنا نتساءل : أَوَليس من الأفضل تخفيف صفة الجذرية والاكتفاء بصيغة الديمقراطية الأكثر اتساعاً للآراء المتفاوتة داخل القوى الشعبية الفاعلة؟ وهنا يعود ويستدرك، حين يتأمل صعوبة تفاؤله في غياب «تكامل برنامجي» لحل ديمقراطي وقانون انتخابي يقوم على النسبية ليقول إن هذا الغياب «سيُصعِّب مهمة التحالف الاجتماعي للتغيير» متذكراً بعض المؤشرات السلبية ومنها «التغيير بصفته قضية مؤجلة» بفعل الاصطفافات الطائفية وقطع الطريق على أي محاولة يسارية أو عقلانية وإصلاحية «لخرق أبراج الطوائف»، علما أن «الوزن الإيديولوجي للتحالف الذي لا يمتاز بالصلابة سيكون عليه (مع تخوف قبانجي) أن يقترح حلولاً لأزمة النظام من باب الإصلاح أي إصلاح يمكن اقتراحه؟». وأن الوزن الطبقي (الاقتصادي والمالي) للقوى المسيطرة سيبقى متوقفاً... على إقناع الطبقات والشرائح الأكثر معاناة (في ظلها)... وهنا يتوقف امام اقتناع القوى التي تُقترح لتنفيذ الإصلاح متسائلاً «فما هي الطريق إلى ذلك؟». أكثر فأكثر يستدرك الكاتب متسائلاً حول «محدودية إدراك وامتناع الأكثر معاناة بطبيعة الحلول المطروحة حول الطريق للنفاذ منها». لكنه يعود ويتجاوز تخوفاته ليراهن على طرح بديل معارض من «زاوية برنامجية بحيث تساعد مجموعة ناشطات وناشطي وممثلي القوى والأحزاب والنقابات غير المرتبطة بالنظام الحالي مع ممثلي المنظمات المدنية والمهنية» علماً أن أمثال هذه القوى الشبابية تتفرع كل فترة لتُظهر الكثير منها حضورها السياسي أو الطائفي وهي قوى تحتاج إلى تأهيل سياسي – تنموي يمكنها من فك روابطها واستقلالاتها عن وجهات نظر المؤسسات اللبنانية والدولية المُنعمة عليها. ولكن قبانجي يظل كما هو دائماً مناضلاً يتفاءل (وينتظر) من ناشطي «الانتفاضات» وناشطاتها، وممثلي القوى المُشار إليها «على إعداد برنامج للإصلاح يوسع فئات المجتمع على المشاركة بتحالف هادف وحاسم ولكن يعود ويستدرك بأن الأمر الأساس يبقى متوقفاً على طبيعة البرنامج المفصّل (وغير المتوقع؟) الذي يمكن للتحالف أن يطرحه»، وعلى القدرة التعبوية (التي لا يتأكد قبانجي من جاهزيتها لذلك) ومع ذلك يتفاءل «بعقد مكثف للندوات المفتوحة (؟) عن طريق الإنترنت والصحافة والمقابلات الإذاعية والمواقع الإلكترونية، بما يمهد الطريق أمام تعاظم قدرات التحالف» أم قبول الانضمام إليه؟

* باحث في علم الاجتماع

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا