في امتداد نقاش باشرته في مقالَيَّ السابقين ( «الأخبار» في 27/2 و13/3 ) لبلورة صيغ لاحتواء أزمة باتت تهدد الإنسان والكيان والبشر والحجر، أواصل هنا الدعوة للعودة إلى الدستور من أجل تطبيقه، فعلاً، كاملاً، ومن ثمّ، من أجل تطويره وفقاً للحاجات والمستجدات.

لا بأس في كل تناول لمسألة الدستور (خصوصاً إصلاحات «الطائف» المكرّسة بالقانون الدستوري الرقم 18 تاريخ 21/9/1990) من استعادة نصوص ذات صلة، وأبرزها:
- «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية» (مقدمة الدستور فقرة 2).
- «مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يُستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية».
- «إلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، توزع المقاعد النيابية...» (المادة 24).
- «على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين( أي مجلس 1992) اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم، بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها إلى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية.
وفي المرحلة الانتقالية:
أ- تُمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة.
ب- تُلغى قاعدة التمثيل الطائفية ويُعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية والعامة والمختصة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء الفئة الأولى...» (المادة 95).
هذا الاقتباس الحرفي من الدستور يقتصر على بند الإصلاح السياسي. هو، فعلاً، جوهر الإصلاحات، وهو ما استُهدف بالتعطيل من قبل الإدارة السورية، واللبنانية دون تمييز بين موالٍ ومعارض بكل المعاني المتداولة في قاموس أطراف السلطة منذ وقف الحرب الأهلية إلى الآن. لقد بُترت فعلياً إصلاحات الطائف. أدى ذلك إلى اعتماد المؤقت عوضاً عن الدائم، ما أسفر عن تشوّه جعل أيضاً السلطة بعدّة رؤوس، ومجلس الوزراء بعدد الوزراء، والتوافق شرطاً، والفيتو فالتعطيل حيلة المعترض، والدويلات تنمو على حساب الدولة، والانقسام يتعزز على حساب الوحدة، واللبنانيين رعايا طوائف لا مواطنين متساوين، والتبعية للخارج أداة لتعزيز الانقسام وانتهاك السيادة، وللاستقواء أو لرعاية التسويات أو لمنعها...
ببَتر الإصلاحات باتت السلطة والمؤسسات ذات تركيبة هجينة. غابت الموالاة والمعارضة. انتفت المحاسبة كلياً. تكرّست المحاصصة ذات القناع الطائفي واستباحت موارد ومؤسسات الدولة بالنهب والزبائنية والفساد... حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من انهيار ودمار لا يزالان يُنذران بالمزيد من الكوارث وصولاً إلى تهديد وجود لبنان نفسه وتبديد إنجازات شعبه وخصوصاً في حقلَي المقاومة والتعدد الديمقراطي...
لم يكرس «الطائف» الطائفية، كما تجلّت في ممارسات أطراف السلطة. ولا كان هو من أسّس لاعتماد الكوتا الطائفية مقياساً لتوزيع الحصص والنفوذ في المؤسسات السياسية والإدارية. ذلك أمر رعته القوى المنتدبة (فرنسا خصوصاً) واعتمدته القوى الاستعمارية في المنطقة عموماً، وفق مبدأ «فرق تسد». قاعدة 6 و6 مكرر رافقت نشوء الدستور برعاية فرنسية منذ عام 1926، وليس منذ الاستقلال فقط. ما حصل في «الطائف» هو محاولة لتحرير المؤسسات السياسية والإدارية من القيد الطائفي الذي زرعه المستعمر الأجنبي لغماً لزرع انقسام وضعف واستتباع، وأرادته مراكز النفوذ المالي البورجوازي وبقايا الإقطاع المحليين أداة لفرض النفوذ والهيمنة المستمرين. لهذين العاملين الخارجي والداخلي، بشكل رئيسي، تعود مسؤولية تحويل المؤقت إلى دائم، ومن ثم تعزيز وتكريس منظومة التحاصص بكل ما ارتبط بها من استيلاء على موارد الدولة وتقاسمها ونهبها، بعيداً عن كل رقابة ومحاسبة.
العجيب أنه رغم الأزمة المدمِّرة الراهنة، ورغم ما لا يستطيع أحد نكرانه من مسؤولية المنظومة التحاصصية عن خراب البلاد والمؤسسات، فإن القوى الأساسية في السلطة لا تزال تتمسك بالمحاصصة الطائفية. ينطبق ذلك على «تيار المستقبل» الذي يتباهى رئيسه بالتمسك بـ»المناصفة» الطائفية حتى النهاية. ينطبق أيضاً على «التيار الوطني الحر» الذي أذاع رئيسه قبل حوالى 10 أيام وثيقة برنامجية تتحدث عن «سقوط النظام بأخلاقياته السياسية وتعطّل آلياته الدستورية وعجزه عن قيادة الدولة والمجتمع»، لكنه يتمسك بـ «أسس الصيغة والميثاق» لبناء «دولة مدنية بكامل مندرجاتها» على أساس «المناصفة الطائفية»!!! يصمت الآخرون من قبيل الرضى عن الأوضاع القائمة. أما حين يلجأ البعض إلى المطالبة بتطبيق الدستور، فمن قبيل المناورة والضغط والتنصل من المسؤولية. كان من الطبيعي، أن يؤدي الإجماع على تعطيل الإصلاح الدستوري إلى خلق انطباع مضلّل بأن الخلل قائم في الدستور نفسه وليس في الممارسة المتعمّدة لتعطيل إصلاحاته ولتشويهه. لكن المستغرب أن تستدرج قوى تغيير عريقة إلى عدم التمييز ما بين الممارسة السائدة المتعارضة مع الموجب الدستوري وبين النص الدستوري نفسه. يصبح الأمر أخطر حين تواصل قوى التحاصص مسارها التشويهي والتدميري وينزلق بعضها نحو سعي مثابر لتعزيز التحاصص وتعميمه، ولشطب النصوص الإصلاحية من الدستور نفسه!
إصلاحات الدستور هي ثمرة نضال الوطنيين اللبنانيين على مدى عقود. كان إقرارها وتطبيقها، ولا يزالان، أحد دروس وشروط عدم تكرار الحروب الأهلية. هي كانت، أيضاً، البند الأول والأساسي في برنامج «الحركة الوطنية» للإصلاح السياسي. لا يصح إطلاقاً أن نُعفي قوى السلطة والتسلط من مسؤولياتها عن مخالفة الدستور وتعطيل المسار الإصلاحي الذي كان، بالإضافة إلى وقف الحرب الأهلية، جوهر تسوية «الطائف». الواقع أنه لو طُبقت تلك الإصلاحات، وأهمها تحرير النظام من المحاصصة، لما كنا وصلنا إلى الكارثة الحالية. لا ينبغي أن تجهل أو تتجاهل قوى التغيير هذه الحقيقة خصوصاً في ظل التوازنات الراهنة المختلّة لغير مصلحتها. هذا الخلل ناجم عن عدم توحدها وعدم تشكلها في تيار فاعل ذي برنامج وإطار وأولويات يناضل لإنقاذ البلاد، من جهة، ولفرض بدائل جذرية، من جهة ثانية. لذلك تُملي ضرورة المساهمة في الإنقاذ ومجمل الواقع الراهن، دعم تسويات ذات أساس دستوري إصلاحي، أساس شكّل ويشكل تعطيله المتمادي عامل إدانة بل عنوان خيانة لطاقم سياسي مستنقع وعاجز ومُستتبع يواصل تدمير لبنان دون رحمة أو رادع.
ذلك ما يمكن أن يشكل أساس لقاء وطني واسع بهدف وضع لبنة أولى في مسار دستوري سياسي إنقاذي. مسار سيؤدي، أيضاً، إلى بناء دولة سيّدة: دولة قانون ومؤسسات وعدالة اجتماعية.

* كاتب وسياسي لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا