يمتدّ العالم الإسلامي على المساحة من الأرض التي انتشر عليها الدين الإسلامي، منذ نشأته في الحجاز من الجزيرة العربية، حتى اليوم، وبذلك يحوي مفهوم العالم الإسلامي بُعداً جغرافياً يختلف عن مفهوم الأمة الإسلامية التي تعني مجموع الذين لبّوا الدعوة المحمدية، على هدي الآيات القرآنية الرسالية. كما أنّ مفهوم العالم الإسلامي يختلف عن مفهوم ديار الإسلام الذي يشير إلى أراضي الدولة الإسلامية التاريخية الواحدة الموحّدة، بينما يتوزّع العالم الإسلامي اليوم على دول عديدة، تتميز الواحدة منها باحتوائها، إلى جانب نسبة وازنة من المسلمين، على أقلّيات دينية غير إسلامية.


موقع وسكّان
يُقدّر عدد المسلمين، اليوم، بمليار وثلاثة أرباع مليار نسمة، الأكثرية الساحقة منهم موزّعة على 75 دولة أعضاء في «منظّمة التعاون الإسلامي»، 49 دولة منها هي على تماسٍ في حدودها السياسية بين بعضها البعض، بحيث تتواصل أراضيها في نطاقٍ جغرافي، يأخذ شكل هلال يمكن أن ندعوه «الهلال الجغرافي الإسلامي»، يمتدّ من السنغال في أفريقيا الغربية حتى كازاخستان في أواسط آسيا، ويغطّي بذلك أجزاء واسعة من القارّتين الأفريقية والآسيوية. تصل مساحة الهلال المذكور إلى حوالى 30 مليون كيلومتر مربّع، وهو يتوسّط القارّات القديمة الثلاث: أفريقيا، آسيا وأوروبا، ما يجعله يتمتّع بموقع استراتيجي شديد الأهمية على قياس الكرة الأرضية برمّتها، ومن ميّزاته أنه:
ــــ أولاً، يُطلّ على البحر المتوسط مركز العالم القديم وحضاراته المتعاقبة على مرّ العصور، الأمر الذي جعل أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، تتحوّل إلى عقدة اتصال تتقاطع فيها العلاقات التي كانت وما زالت قائمة بين سكّان القارّات القديمة الثلاث، والتي تضمّ حالياً أكثر من ثلاثة أرباع سكّان الكرة الأرضية.
ـــــ ثانياً، مشاطأة العديد من البحار: البحر المتوسط، البحر الأحمر، البحر الأسود، بحر العرب... وإطلاله على المحيطات الكبرى: الأطلسي، الهندي والهادي، حيث تنشط فيها مجمل حركة التدفّقات المكوّنة لحجم المبادلات العالمية بين سكان الأرض قاطبة.
ــــــ ثالثاً، إشرافه على المضائق التي تسلكها الملاحة الدولية، وهي مضيق جبل طارق بين أوروبا وأفريقيا، مضيق الدردنيل بين أوروبا وآسيا، مضيقا السويس وباب المندب بين آسيا وأفريقيا، مضيق هرمز بين الجزيرة العربية وآسيا الوسطى، ومضيق ملقا في ماليزيا بين المحيط الهادي والمحيط الهندي. الأمر الذي يجعل الاقتصاد العالمي مضطراً لأن يأخذ في الحسبان حال العالم الإسلامي وتحوّلاته، ولا سيما أنّ أهمية هذه المضائق لا تقتصر على مبادلات السلع الاستهلاكية فحسب، وإنما تكمن أيضاً في كونها تشكّل الممرات الإجبارية للناقلات البحرية العملاقة المحمّلة بالسلع الاستراتيجية العالمية الأساسية المولّدة للطاقة. تنطلق هذه الناقلات من منابع النفط الإسلامية في دول الخليج وإيران وبروناي ونيجيريا والدول النفطية المحيطة ببحر قزوين، وتذهب بها إلى المجالات الصناعية الآسيوية في دول اليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية وسائر دول منظمة الـ«آسيان»، كما إلى أوروبا الغربية وأميركا.
تتوزّع مساحة الهلال الجغرافي الإسلامي، إذاً، على 49 دولة كما أسلفنا، يضاف إليها خمس دول ذات غالبية سكانية إسلامية، تقع إلى الخارج منه، هي الصومال وجزر القمر لجهة الجنوب، ثمّ بنغلادش وأندونيسيا، إلى الشرق منه، فألبانيا إلى الغرب. غير أن الانتشار الإسلامي يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث إنّ للمسلمين تواجداً تاريخياً، إنما بنسب متدنية، في دول أخرى من آسيا وأفريقيا وأوروبا الشرقية. إلى ذلك، وصل الإسلام، أيضاً، في العصر الحديث إلى الجزء الشمالي الشرقي من قارة أميركا الجنوبية، بانتقال مجموعات سكانية أفريقية محدودة إليه، اصطحبها الاستعمار الماضي معه، للعمل في مزارعه، ثمّ لم يطل الأمر حتّى وصل الإسلام، خلال القرن العشرين، إلى دول أوروبا الغربية والشمالية، كما إلى دول الأميركيّتين وأستراليا.
على أنّ النسب المئوية لعدد المسلمين في الدول الإسلامية وغير الإسلامية المشار إليها سابقاً، تكشف عن تفاصيل جغرافيا سكانية تنطوي على مفارقات متعدّدة، فنسبة المسلمين في الصين لا تتجاوز الـ ٣ في المئة من عدد السكان الإجمالي الذي يجاوز المليار وربع المليار، ما يعني أنّ عدد المسلمين في الصين يقارب عدد سكان دول إسلامية كبيرة، مثل الجزائر التي يتجاوز عدد سكانها ٤٠ مليون نسمة، وفي الهند يصل عدد المسلمين إلى أكثر من 100 مليون نسمة، بينما هم يشكّلون أقلية فيها. كذلك، فإنّ دولاً إسلامية أخرى تشهد تفاوتات شديدة بين بعضها البعض، لجهة نسبة المسلمين من مجمل السكان، قياساً على مساحة الدولة. فكازخستان، أكبر الدول الإسلامية من حيث المساحة التي تقارب مليونين و750 كيلومتراً مربّعاً، يبقى عدد سكّانها أقل من عشرين مليون نسمة نصفهم من المسلمين. بالمقابل، لا تتعدى مساحة جزر المالديف في المحيط الهندي 300 كليومتر مربّع، وعدد سكانها حوالى 350 ألف نسمة، جميعهم مسلمون. بينما يصل عدد المسلمين في أندونيسيا إلى حوالى 230 مليون نسمة من مجمل عدد السكان البالغ 275 مليوناً. هذا وينضوي سكان 75 دولة تحوي نِسباً مرتفعة من المسلمين، وأخرى نسباً أقل، في منظمة دولية ذات عضوية دائمة في الأمم المتحدة، هي «منظمة التعاون الإسلامي» المُشار إليها سابقاً، حيث يجتمع ملوكها ورؤساؤها ورؤساء حكوماتها دورياً، للنظر في شؤون المسلمين، ومحاولة دمج الجهود من أجل مصالحهم العامة وإعلاء شأن الإسلام في العالم.

«منظمة التعاون الإسلامي»: الدور المفقود
على أثر الحريق المفتعل والمبيّت، الذي نال من المسجد الأقصى في القدس المحتلّة في 21 آب / أغسطس عام 1969، تداعت بعض الدول الإسلامية، في حينه، وأرسلت ممثلين عنها للاجتماع في جدّة من المملكة السعودية، للبحث في الأخطار التي تتعرّض لها المنشآت الإسلامية، انطلاقاً من الحريق المذكور. وبعد أكثر من شهر، تأسّست في الرباط عاصمة المغرب، حيث عُقد الاجتماع الأول لزعماء العالم الإسلامي، منظّمة تحت اسم «المؤتمر الإسلامي»، (تحوّلت في ما بعد إلى «منظّمة التعاون الإسلامي»)، وقد طُرحت، آنذاك، مبادئ الدفاع عن شرف المسلمين وكرامتهم، المتمثّلة بالقدس والمسجد الأقصى وقبّة الصخرة. في عام 1970، أُعلنت مدينة جدّة مقرّاً مؤقتاً للمنظمة، بانتظار تحرير القدس التي من المفترض أن تصبح المقر الدائم لها.

يمتلئ الهلال الجغرافي الإسلامي ومحيطه المباشر بالحروب والنزاعات العنيفة على مختلف المقاييس


لم يطُل الوقت حتى راحت الدول الإسلامية تلتحق تباعاً بالمنظمة، إنّما قُبلت أيضاً عضوية دول تقلّ فيها نسبة المسلمين إلى ما دون النصف، مثل غابون، كاميرون، موزمبيق، وأوغندا في أفريقيا، وسورينام وغويانا في أميركا الجنوبية. بينما دولتا أريتريا وأثيوبيا بقيتا خارج المنظمة، مع العلم بأنّ المسلمين يشكّلون نسبة وازنة من السكّان فيهما.
وجاء في ميثاق المنظمة ما يلي: «نحن الدول الأعضاء... وإذ نسترشد بالقيم الإسلامية النبيلة المتمثلة بالوحدة والإخاء، وإذ نؤكّد أهمية تعزيز وتقوية أواصر الوحدة والتضامن بين الدول الأعضاء... وإذ نلتزم بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، قرّرنا:
ـــــ الحفاظ على القيم الإسلامية النبيلة
ــــــ السعي من أجل العمل على تعزيز دور الإسلام الرائد في العالم
ــــــ تعزيز وتقوية أواصر الوحدة والتضامن بين الشعوب المسلمة والدول الأعضاء
ــــــ احترام السيادة الوطنية لجميع الدول الأعضاء
ــــــ دعم كفاح الشعب الشعب الفلسطيني الخاضع حالياً للاحتلال الأجنبي، وتمكينه من الحصول على حقوقه غير القابلة للتصرف...».
بعد خمسين عاماً على التأسيس، لم تتمكّن المنظمة من تحقيق أي هدف من الأهداف التي أعلنت عنها، فلا يبدو، أقلّه على المدى المنظور، أن المنظّمة تسعى، أو تفكر بالسعي، إلى تحرير القدس للانتقال بمقرّها الدائم إليها، وعن تعزيز وتقوية أواصر الوحدة والتضامن والإخاء. فحدّث ولا حرج، حيث يمتلأ العالم الإسلامي بالتناقضات الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية المستفحلة، فضلاً عن معاناته من الشحّ المتزايد في الموارد البشرية، على رغم الفوائض في الثروات المنجمية، ولا سيّما الاستراتيجية منها، كالنفط والغاز. ثم إن «منظّمة التعاون الإسلامي» تبدي عجزاً كاملاً إزاء الاستثمار في الموقع الاستراتيجي لعالمها الإسلامي، الذي أشرنا إليه سابقاً، بل على العكس من ذلك، تحوّل العالم الإسلامي إلى محطّ أطماع القوى الإمبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وحلفاؤها المقرّبون.
يُضاف إلى ذلك، أن جميع الدول الإسلامية بقيَت تُصنَّف من عالم الجنوب المتأخّر، وهي بمعظمها تنوء، وإن بدرجات متفاوتة، تحت وطأة عوامل التخلّف، بما فيها استشراء الفقر والأمية، كما أنّها تشهد عوائق كثيرة على طريق النمو الاقتصادي والتنمية البشرية فيها، فضلاً عن أنها تعاني من تحكّم عالم الشمال الاقتصادي والسياسي في مختلف شؤونها. كما تعاني ممّا هو أخطر، أي الخلافات السياسية المستعصية، والنزاعات الدموية في ما بينها وداخل مجتمعاتها، ولا يملك القيّمون على «منظّمة التعاون الإسلامي» إزاء كلّ ذلك، سوى التصاريح الحسنة النية. وهكذا، تبدو غالبية الدول الإسلامية، وكأنّها عرضة للتفكّك الاجتماعي والسياسي، وسط سيلٍ من التوترات الاجتماعية الثقافية والسياسية، ولا سيما تلك المتأتّية من التجاذبات بين التقليد المتأصّل فيها والحداثة الوافدة إليها من العالم المتقدّم.
قد يتبادر إلى الذهن، أنّ الدول الإسلامية الغنية، أي النفطية والغازية، من الممكن أن لا تصنّف من عالم الجنوب، لكنّها في الواقع هي في صميمه، ذلك أنه من المعايير التي تندرج بموجبها هذه الدولة، أو تلك، في عدّاد دول الجنوب، تتوزّع على ما هو كمّي من جهة، وعلى ما هو نوعي من جهة ثانية. ومن المعايير الكمية، امتلاك القدرات الإنتاجية الاقتصادية والتصديرية المتنوّعة، ومن المعايير النوعية، الديمقراطية وممارساتها، الحريات وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة... وعليه، لمّا كانت الدول الغنية الإسلامية لا تزال دون كل ذلك، فهي تبقى من عالم الجنوب، كما تبقى أيضاً على ارتهانها للإملاءات الاقتصادية والسياسية الصادرة من عالم الشمال، والانصياع لها تحت أنظار «منظّمة التعاون الإسلامي».

بين العنف والمظلومية
يمتلئ الهلال الجغرافي الإسلامي، ومحيطه المباشر، بالحروب والنزاعات العنيفة، على مختلف المقاييس. وتبدو فيه فلسطين، بعد استهدافها من الحركة الصهيونية نهاية القرن التاسع عشر، وكأنّها البؤرة المزلزلة التي انطلقت منها المواجهات الدموية المتناسلة في مختلف الاتجاهات، ثم تلتها وتقاطعت معها حروب التحرّر من الاستعمار المباشر، أعقبتها المنازعات السياسية والعسكرية، التي تسببت بها، ولا تزال، أطماع الدول الصناعية المقتدرة، بثروات العالم الإسلامي المنجمية، فضلاً عن سعيِها إلى التحكّم بموقعه الاستراتيجي في الاقتصاد العالمي المشار إليه سابقاً. وقد انتشرت على أراضي دوله، قواعد وفرَق عسكرية أميركية، وأخرى غربية حليفة لها، تمارس جميعها من حين إلى آخر، مهمّات قتالية واسعة. لقد تحوّل العالم الإسلامي من غرب أفريقيا في نيجيريا ومالي ومحيطهما، حتى أواسط آسيا في أفغانستان، مروراً بالعالم العربي، والشرق الأوسط في محيطه القريب والبعيد، إلى مجال جيوبوليتكي تحتدم فيه وعليه، المواجهات والنزاعات بمختلف أشكالها السياسية الاقتصادية والعسكرية، وذلك على مختلف المقاييس الدولية، الإقليمية والمحلية.
غير أنّ ما ينشغل به العالم في الوقت الراهن، وعلى أوسع مدى، هو الاحتجاج العنفي ذو الطابع الديني، الذي يعتمل في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وتعبّر عنه حركات سياسية دينية، معادية بالدرجة الأولى للقوى المهيمنة على العالم، وعلى رأسها الغرب الأطلسي المتمثّل بالولايات المتحدة وأوروبا الغربية، من دون أن توفّر هذه الحركات العنفية قوى الشرق المقابلة للقوى الغربية، لا في الاتحاد الروسي وحسب، وإنما في العمق الآسيوي أيضاً، بحيث بات الاحتجاج الإسلامي العنفي في موقع المجافي للعوالم الثقافية المغايرة له والمحيطة به من مختلف جوانب. وهذا ما ركّز عليه صموئيل هنتنغتون، في أطروحته الشهيرة عن صراع الحضارات، وأبرزَه بشكل جلي على خريطته الخاصة بالحضارات الإنسانية، الموزّعة على الكرة الأرضية في عالمنا الراهن.
يتصدّر، إذن، الغرب الأطلسي، وفي مقدمه الولايات المتحدة، الاستعداء الإسلامي العملياتي، ولقد تمثّل ذلك أفضل ما يمكن أن يتمثّل من حيث الشكل الاستعراضي المغالي في الإرهاب المروّع، في هجوم 11 أيلول / سبتمبر 2001، على برجَي التجارة العالمية في نيويورك، سبقته وتلته عمليات أخرى عديدة، في فرنسا، بلجيكا، إسبانيا، بريطانيا، وبلدان أخرى من أوروبا الغربية. فكان لهذه العمليات أصداء مدوية وتداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية، أكثر من أن تُحصى، تناولتها بالبحث والتمحيص مختلف المحافل الدولية والأوساط الأكاديمية الجامعية والمراكز البحثية. لكنّ الحركات الإسلامية هاجمت، أيضاً، الاتحاد الروسي، لا سيما في الشيشان، وقامت بعمليات تفجير واحتجاز رهائن في أرجاء عديدة من العالم، كما نسفت حركة «طالبان» الإسلامية المتشدّدة، ودمّرت التماثيل البوذية العملاقة المقدّسة في أفغانستان، ولم تُفلح جميع محاولات «الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين»، في ثنيِ الحركة عن القيام بهذه العملية، يُضاف إلى ذلك عمليات إرهابية أخرى في الهند والصين وبلدان أخرى من العالم، كما من العالم الإسلامي... يقوم بها متشدّدون إسلاميون ينشطون من خارج القوانين والأعراف الدولية.
والواقع، أن العنف الإرهابي ما هو إلا ما يطفو على السطح، ممّا تختزنه الشعوب الإسلامية من مرارة ومظلومية جراء ممارسات القوى المهيمنة على العالم ـــــ ولا سيما الغربية منها ـــــ بحقّها، بدءاً من المسألة الفلسطينية وصولاً إلى التحكّم بالثروات النفطية والغازية، مروراً بفرض إرادتها بالقوة في مختلف القضايا الاقتصادية والسياسية والثقافية، الأمر الذي يجعل شعوب العالم الإسلامي تُعادي الغرب الأطلسي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، في حين أنّ غالبية الحكومات في دول العالم الإسلامي، تقيم مع الولايات المتحدة علاقات أقرب إلى أن تكون تبعية، منها إلى علاقات حليفة.
على أنّ الاتساع اللافت للعنف الإرهابي واستهدافاته، يعبّر أيضاً إلى هذه الدرجة أو تلك، عن توتّرٍ في الوجدان الإسلامي، لا نجده عند الآخرين، ما يحدونا إلى التوقّف عند العوالم الثقافية، المختلفة في تعاملها مع الهيمنة الغربية، واستطراداً مع الحداثة المواكبة لها. هذه الحداثة التي طردت بما حملته من العقلانية والعلم، كلّ القوى الخفية من الملائكة والشياطين والجن، من حياة البشر. ففي حين نحا، وينحو العالم الآسيوي الصيني الياباني أو الآسياني والهندي على سبيل المثال، إلى استيعاب المُنتج الحضاري الطليعي من علم وتكنولوجيا، ومجاوزته للسعي إلى مقارعة قوى الشمال المتقدّم على أرضها وفي أسواقها، يصرّ العديد من فاعليات المؤسسات السياسية، الأكاديمية، الإعلامية والفقهية، الواسعة النفوذ في العالم الإسلامي، على انتهاج السلوك المتشنّج إزاء الحداثة، والدعوة إلى الانطواء على الذات والارتداد إلى التراث، بما يدفع إلى تغوّل الشأن الديني وتوغّله في المجال العام معطّلاً بذلك إمكانية التطلّع إلى المستقبل والفعل الحضاري فيه.

* أستاذ جامعي ‬