نقصد بالفكرة المثاليّة ما يلي: «أن يأتي أحدهم بمخطّط لا يمكن أن يتحقّق لحلّ مشكلة ما». المثاليّة في هذا المقال، هي إذاً ما لا يمكن تحقيقه على صعيد الواقع، وتتمّ المناداة والتبشير به من خلال الخطابات الفكريّة والروحيّة ــــ السياسيّة. مثال على ذلك، أنّ المثاليّة المسيحيّة المارونية، التي تحلم بلبنان ماروني أفضل تبشّر بالعمق بأيديولوجية نصية تتجاهل الواقع المؤلم لتنادي بسماء خيالية مع مارون وأصدقائه في العالم الآخر. وعليه، فإنّ كلّ الخطابات المنطلقة منها، والتي تحاول أن تغيّر الواقع، ستكون عقيمة لأنّ أساسها ليس في هذا العالم بل في العالم الآخر. الماروني يعيش تناقضاً مرعباً، فهو من جهة يعلم أنّ كلّ الأشياء والخيرات والموارد فانية، ومن جهة أخرى يحتاج إلى هذه الموارد كي يعيش. من قلب هذا الانفصام، تولد السياسة المارونية التي لم تتعلّم يوماً مواجهة تناقضاتها. فنراها حيناً تعد الإنسان الكائن اللبناني بغدٍ أفضل، ولكنّها في الوقت عينه فاسدة حتّى العظم في استهلاك واستغلال هذه الموارد.

ينتج عن هذا التناقض الروحي، انفصام في الخطاب السياسي، فنرى السياسي الماروني يبشّر بأفكار غريبة وتصوّرات بعيدة جداً عن الواقع، ويستميت في المدافعة عنها بشكل مأسوي؛ ذلك أنّ المثاليّة الدينيّة قد حجبت رؤيته الواقعية، فلم يعد قادراً إلّا على الممارسة البراغماتية، التي تحاول أن تربح الشعبي والديني والسياسي في الوقت عينه. وعليه، لا يستطيع السياسي الماروني أن يقف على أرضيّة مستقلّة عن انتمائه الطائفي، لأنّ قوّته السياسيّة وزخمه الشعبوي، يقومان على انصياع الخراف التي شدّها التماسك الاجتماعي الطائفي. فهو يضمن لهؤلاء المساكين ما يكفي من الخيرات والرشوات ليبقوا ضمن حظيرته، فالاستقلالية الفكرية والمعنوية خطيرة، وجرأة في النفس لا يقدر عليها الكثيرون، بينما التبعيّة على أنواعها تضمن للفرد شعوراً، وإن كان مزيّفاً، بالانتماء والحماية ضمن المخاطر المجهولة.
فعندما ينادي البطريرك بعظاته، لتقديم مساعدات ماليّة إلى الفقراء والعائلات الأشدّ فقراً، إنّما هو يعطي وفقاً لتحليلنا، ربع الربع من الموارد التي يمتلكها من أجل ضمان بقاء المساكين التعساء تحت إمرته. ولكنّه في الواقع، لا ينقذ إلّا سلطته المعنويّة التي تلفظ أنفاسها الأخيرة، فنراه يدعو الجميع للبقاء في هذا البلد، مع أنّ الهجرة قد تكون حلّاً أفضل للبعض. لكنّ الراعي لا يرعى إلّا مصلحته، ولا تهمّه المصلحة الحقيقيّة لهؤلاء المساكين. إذ برزمةٍ من المال والمساعدات، يستطيع أن يشتري ضمائرهم بعدما خدّرها بخطابه الديني المثالي. ينتج عن ذلك، أنّ هذه الخطّة الإنقاذية ما هي إلّا محاولة لتأبيد النظام الطائفي المهترئ ودرء خطر الانهيار عنه. إلامَ يستند البطريرك وكلّ المحيطين به؟ على الوهم الروحي الذي زرعوه في وعي النفوس التائهة، والتي لم تتعلّم التفكير النقدي المستقل.

إلامَ يستند البطريرك وكلّ المحيطين به؟ على الوهم الروحي الذي زرعوه في وعي النفوس التائهة والتي لم تتعلّم التفكير النقدي المستقل


ما ينطبق على الماروني، ينطبق على سائر الطوائف، فكلّها خاضعة في بنيتها لهذا الانفصام الأنتروبولوجي، كونها تنتمي إلى مستنقع المثاليّة. وهذا البلد المصبوغ بالطائفية في كلّ أنسجته، بحاجة إلى تحرير روحيّ أصيل من الخبرة الروحيّة الدينيّة التقليديّة. نحن بحاجة إلى فصل تامّ وكليّ بين الديني والسياسي، وسحب سلطة الأمور الشخصيّة من أيدي وحوش الطائفيّة. نحن بحاجة، أوّلاً، إلى الثورة الحقيقية ضدّ سلطة رجال الدين في الوعي المعرفي والثقافي، فليس النص الديني من يقرّر كيف ولماذا نعيش. وليس الخطاب اللّاهوتي أو الكلامي من يضفي المعنى على حياتنا ويعالج إشكاليّاتنا الأنطولوجيّة. هذا التحرّر الأولي الضيّق يقودنا إلى التحرّر الأعم على مستوى الدولة، فلا حزب الله ولا حزب شربل أو مارون، بإمكانهم أن يقودونا نحو الدولة، والتاريخ خير دليل. نرى أنّ الفصل التام بين الأهداف الدينيّة والسياسيّة هو بداية الحل.
هذا من الناحية الدينيّة السياسية، أمّا لجهة السياسة الدينيّة، فالأمر مقلوب، إذ نرى السياسي الطائفي يحتمي بعباءة الطائفيّة، عندما يحتاج إلى الغطاء الروحي لتبرير أفعاله، وهو يعلن بكلّ وقاحة أنّ همّه أبناء طائفته. فكم هو بعيد هذا الخطاب من بناء الدولة! وكم من وعد ووعد سمعنا من هؤلاء الخنازير الذين لا يشبعون؟ هذا لا ينفي المساعدات التي نعترف بها، إنّما كما ذكرنا هي نسبة لا تُذكر من أجل ضمان سيطرتهم على عقول المساكين الضعفاء. إنّ ممثّلي الأحزاب السياسية ينادون أيضاً بمثاليّة طائفيّة، وهي أشبه بمعادلة تحوّل الشعب فيها إلى حمل شهي، يتنافس الجميع لأكل لحمه. فلينزل كلّ من رئيس الجمهورية والبطريرك وزملائهما إلى السوبرماركات، من دون ضجّة كاميرات دعائيّة، وليروا النظام الذي أنتجوه أو بالأحرى ساهموا باستمراره. فقبل أن يساعدوا بقليل من المال، والمبادرات الزراعية، والمناداة العلنية إلى محاربة الفساد الخارجي، فليحاربوا أولًا الفساد الكامن فيهم.
يقودني الوضع الاقتصادي الحالي إلى استنتاجات حزينة. فوجدان اللبناني مجروحٌ في العمق، وهو ضعيف إلى درجة يستحقّ فيها الشفقة لا الانتقاد، إذ بعدما أسلم جسده لرجال الدين وأحزابهم، أصبح عاجزاً عن القيام بثورة حقيقيّة، فهو متعب لدرجة الانهيار المادي، ومفصوم لدرجة الانهيار الروحي، إذ إنه أفلس وليس لديه أي كلمة روحيّة يقولها لذاته وللآخرين.
فعندما ألقي نظرةً على الأبواق الإعلاميّة وروحيّة الخطابات السياسيّة، قبل الانتخابات وبعدها، وفي ظلّ الأزمات، لا يسعني إلّا أن أستنتج أن لبنان ـــــ قطعة الوهم ـــــ هو بلد إقطاعي طائفيّ بامتياز. وهذا ما يفسّر الموقف الأوّلي لكلام البطريرك حول استثمار أراضي الكنيسة للزراعة. فهم، أي رجال الدين ورجال السياسة، مَن يملكون زمام الأمور ويستحوِذون على الموارد، هم الذين يقفون على ظهر الشعب المسكين فيأخذون كلّ نتاجه المادّي، من خلال سحق كلّ محاولات نتاجه الروحي.
علينا، إذاً، أن نرفض كلّ مساعداتهم، وكلّ رشاواهم، ونهبّ لثورة حقيقيّة نستأصل من خلالها كلّ ذرّة طائفيّة في مختلف مؤسّسات الدولة. الحلّ لن يكون بالانتخابات، لأنّنا لسنا على مستوى الدولة أساساً، بل علينا أن نضع كلّ إمكاناتنا لثورة جذريّة تبيد كلّ الأوهام التي ينادون بها. فهل من المثاليّة أن نطالب الأفراد بالوعي؟ أيمكن الانتقال إلى لبنان الدولة؟ ولكن كيف لذلك أن يحصل من دون مسيرة وعيٍ شخصيّة يقوم بها كلّ لبنانيّ؟ فبمقابل تجّار الوهم نحن بحاجة إلى بنّائي الواقع.

* أكاديمي لبناني