لبنان ضحية، إنه ضحية التناقض المتواصل ما بين الجغرافيا والتاريخ. جغرافيته ضحية تاريخه، يا للمفارقة.

من غير المستغرَب أن يقع هذا التناقض، فيستعر حيناً، ويهدأ حيناً، إذ أن الجغرافيا من صنع الله، فيما التاريخ من صنع البشر. والجسر الذي يُوصل ما بين لبنان الله ولبنان البشر أراده هؤلاء في العصر الحديث بمداميك دينية، ثم طائفية، ثم مذهبية، فصاروا يُمارسون التحايل على الدين حتى أسقطوه صريعاً ضحية ألاعيب مصالحهم، وانتقلوا إلى الطوائف ليستخدموها في اشتباكهم المتواصل مع دينهم، ثم انتقلوا إلى المذاهب، وهي في الأساس مصدر غنى فكري وثقافي وروحاني، فحولوها إلى متاريس جرى اختبارها في جولات رهيبة من الدمار والدماء والدموع إلى أن جعلوا منها معتقلاتٍ بكل ما للكلمة من معنى.
وقوى الاستعمار التي تُواكب المتغيرات هذه، من الأساس وحتى يومنا هذا، لم تتأخّر لحظة في الاهتمام عن كثب بهذه الحقائق، فتتفاعل معها بحرارة مصطنعة، بما يخدم مصالحها بطبيعة الحال، بحيث أن ولادة «لبنان الكبير» قبل قرنٍ من الزمن أتت ولادة «قيصرية» دموية، مأساوية لأنها قامت على سلخ أجزاء مكوّنة لدورة حياة وعمران كلٍّ من دمشق وحمص وإلصاقها بدورة حياة الجبل وبيروت والساحل، وذلك بقصد توفير ظروف الحياة للكيان الوليد. فكبرت الإشكالية الملازمة للكيان، وكان من الممكن وقوع كارثة فظيعة لو لم يتم تدارك الأمر لحظة أن رسم جورج كليمنصو، رئيس حكومة فرنسا قبل مئة عام، خطاً يحدد جغرافية الكيان شمل مدينة... دمشق.
نعم، إن كليمنصو أدخل، بشخطة قلم، «عاصمة الأمويين» في جسد «لبنان الكبير»، فسارعه أعضاء الوفد اللبناني قائلين: لكنك أدخلت دمشق في لبنان يا حضرة الرئيس! فاستغرب الزعيم الفرنسي ردة فعل اللبنانيين وقال: لمَ لا؟ فلتكن دمشق معكم... فشكروه واعتذروا عن قبول هذه «الهدية» فنزل كليمنصو عند رغبتهم وإن بشيء من الاستغراب. قالوا له، يا حضرة الرئيس، إن هذا الجود الفائض من قِبلكم يتناقض مع الفلسفة الكامنة خلف تعزيز مكانة لبنان، بقلبه الجبل، ووظيفته المرسومة من قِبل «الأم الحنون»... فهدأ روعه. وكان ما كان، فحصل اللقاء الشهير في مطلع أيلول 1920 برئاسة الجنرال غورو.

لبنان الكبير بات على حافة الزوال لأن البطن الذي أولد وحش الفساد يزداد خصوبة


تُرى هل يشكّل إعلان غورو ملحقاً للإرادة السماوية؟ لمَ لا؟ فلتكن تجربة جميلة، وعلَّ «العائلات الروحية» تنتهز الفرصة لتسهم، ولكن بصدق هذه المرة، في ولادة «الشخصية اللبنانية»، فتُطلق دورة حياة وعمران تسمح بترقي إنسانها.
لكن المشكلة تكمن في أن «الشخصية اللبنانية» لم تكن هي المرغوبة عند العديد من زعماء «العائلات الروحية»، إذ سارع بعضهم إلى عرض أجزاء من جغرافية «لبنان الكبير» للبيع في سوق المشاريع الاستعمارية لقاء مبالغ زهيدة من المال. لقد حدث ذلك بالفعل عندما اقتنصوا فرصة مشروع نقل يهود ألمانيا من بلادهم وتوطينهم في الجنوب اللبناني ما بين صيدا وصور عام 1938 على أمل أن يتم سلخ الجنوب، بعد 10 سنين، أي في عام 1948، وضمّه إلى الكيان الإسرائيلي المنوي إقامته عبر اغتصاب فلسطين. لقد أرادوا استغلال هذه الفرصة بتأييدهم لهذا المشروع ولكن، لسخرية القدر، إن الذي أنقذ الكيان اللبناني يومها كان اسمه الكونت دومارتيل، المفوض السامي الفرنسي الذي غضب غضباً شديداً على رئيسي الدولة والحكومة، إميل إده وخير الدين الأحدب، حين جاءاه مطالبين بعدم إعاقة تنفيذ هذا المشروع المدعوم من الوكالة اليهودية» وأيضاً، المدعوم سراً من رئيس حكومة فرنسا ليون بلوم، الزعيم الاشتراكي والناشط البارز في الوكالة اليهودية – فرع فرنسا.
هذا الإتجار بأراضي الكيان اللبناني سابق للزمن اللعين، زمن شركة سوليدير، بقدر ما يؤكد ما جاء به المفكر والمؤرخ المرموق جورج قرم حين تحدث عن «الجمهورية اللبنانية العقارية» وذلك في معرض تنديده بالنهب الكبير الحاصل لأرض الوطن وخيراته.
إنهما عيّنتان عن الإشكال الكبير الملازم لـ«لبنان الكبير»، ما بين الجغرافيا والتاريخ، وما يفعله البشر في الجسر الذي يُوصل الاثنين بعضهما ببعض... جسر الدين والطائفية والمذهبية في زمن التزوير الكبير الذي يُدمّر المجتمع اللبناني لصالح المعتقلات المذهبية.
إنها عناوين آن الأوان لأن ينكب الباحثون عليها إذ تُشكل ضرورةً حيويةً لبقاء الكيان اللبناني على قيد الحياة. فالإتجار السياسي بالدين والطوائف والمعتقلات المذهبية، ذات المردود المالي الضخم الذي يُملئ خزائن الطُغمة السياسية المالية، هو مظلة الفساد الكبير المتمثل بنظام التمييز العنصري Apartheid. ومن العار إنسانياً، وأخلاقياً، الاستمرار في تقديس نظام «التعايش» هذا وتصويره كقدر محتوم لا يجوز للأجيال الشابة الانعتاق منه. إنه نظام العبودية المقنّعة.
هل هذه وظيفة «لبنان الكبير» الذي لم يتقدم سنتيمتراً واحداً في معارج الترقي والحضارة منذ مئة عام؟!
لبنان الكبير بات على حافة الزوال لأن البطن الذي أولد وحش الفساد يزداد خصوبة. فإما أن تقضي الأجيال الجديدة على وحش الفساد، بتحررها من المعتقلات المذهبية، وإلا سيبقى طوق العبودية في رقابها، وعليها أن تختار إذ لا توجد منطقة وسطى ما بين العبودية والحرية.
*افتتاحية العدد الجديد من مجلة «تحولات»