«ميزة هذا الفكر أن يكون مناضلاً أو لا يكون» ـــ مهدي عامل


في الذكرى الـ ٩٤ لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني، طرح أمينه العام مهمة إعادة بناء الحزب، بحيث يكون حزباً سياسياً فاعلاً. لكن القيادة الحالية لم تُحدد مضمون إعادة البناء هذه واستراتيجيتها، فتركت الباب مشرَّعاً لاجتهادات مختلفة. نعتقد أن من المجدي تنظيم القيادة لعملية نقاش في مضمون إعادة بناء الحزب، حيال استراتيجيته ومهماته المرحلية، وما علاقة الحزب بالمبادئ الفكرية-السياسية التي أسس لها المؤتمر الثاني، الذي يُجمع أعضاء الحزب على إرثه التاريخي.
في هذا السياق، وعبر سلسلة من المقالات التي نُشرت في صحيفة «الأخبار»، قدّم د. غسان ديبة، وهو مسؤول التثقيف المركزي في الحزب، مجموعة من الطروحات الفكرية-السياسية المتعلقة باستراتيجية الحزب وهويته وطبيعة القوى المحركة لعملية تغيير النظام الطائفي السياسي في لبنان، كما تتعلق بتاريخ جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية وبمضمونها التاريخي.
من جهتنا، نود في هذه المقالة أن نناقش بعضاً من هذه الطروحات بنحو مقتضب جداً، لكونها تتضمن أفكاراً لم يشهدها تاريخ حزبنا، ولا نقول لم تشهدها الحركة الشيوعية العالمية في تاريخها أو الحركة الاشتراكية-الديمقراطية.
في مقالته «الصين بعد 40 عاماً من الإصلاحات: من «الاشتراكية» إلى «الرأسمالية» إلى «الاشتراكية»» («الأخبار» في 24 -09 -2018) والمنشورة على صفحة الحزب، يرى الدكتور غسان ديبة أن «المادية التاريخية حلّت مكان الصراع الطبقي». كيف ذلك؟ فالصراع الطبقي، كما هو معلوم، مكوّن أساسي من مكوّنات المادية التاريخية، فكيف يمكن المادية التاريخية أن تحلّ مكان مكوّن أساسي متضمّن فيها؟ لكن دون الخوض في شكل هذا القول المبهم، لا بد من أن نلفت النظر إلى أن ما يسعى إليه هذا القول، وبنحو غير مُعلن، سلخ الصراع الطبقي ومفهومه عن المادية التاريخية، بحيث يصبح الصراع الطبقي خارجها أو مرتبطاً بها، مع إعطائه دوراً ثانوياً أو أقل من ثانوي في تفسير حركة المجتمعات الطبقية. إذاً، ما هي هذه المادية التاريخية التي حلّت مكان الصراع الطبقي؟
يفسرها الكاتب كالآتي: «ما فعلته إصلاحات (دينغ) أنها أعادت الاعتبار إلى النظرية الماركسية التي أساسها أن تطوّر القوى المُنتجة هو محرّك التاريخ، وليس الصراع الطبقي. يقول جيرالد كوهين، وهو صاحب كتاب «نظرية التاريخ لدى كارل ماركس» إن القول، كما يفعل بعض الماركسيين، بأن الصراع الطبقي هو محرّك التاريخ، لهو تخلٍّ عن المادية التاريخية». إذاً، إن الماركسية، حسب ديبة، ترى أن القوى المنتجة محرّكة التاريخ، لكن ديبة لا يقول إن التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج هو محرّك التاريخ، وهذا القول الأخير الاقتصادوي يمكننا مناقشته بطريقة أخرى لو قاله. لكن صاحب المقالة لا يعير انتباهاً لعلاقات الإنتاج (علاقات الملكية، التوزيع... إلخ)، فيصل حسب منطقه إلى إخراج الصراع الطبقي كمحرك لتاريخ المجتمعات الطبقية من المادية التاريخية. هذه هي مادية غسان ديبة وجيرالد كوهين الذي يستشهد به، قوى منتجة مستقلة عن علاقات الإنتاج، في تجاهل لوضع علاقات الإنتاج أو في إعطاء علاقات الإنتاج دوراً ثانوياً، وبالتالي تجاهل للصراع الطبقي بوصفه محركاً للتاريخ أو إعطاء الصراع الطبقي دوراً ثانوياً في تاريخ المجتمعات الطبقية.

ما هي هذه المادية التاريخية التي حلّت مكان الصراع الطبقي؟


ما هي هذه القوى المنتجة المحركة للتاريخ التي حلّت مكان الصراع الطبقي؟ في مقالة أخرى لديبة بعنوان «غوغل والرأسمالية والاشتراكية» («الأخبار» في 15-10-2018)، المنشورة على صفحة الحزب أيضاً، يرى الكاتب أن ماركس كان «حتمياً تكنولوجياً بالدرجة الأولى». هذا القول غير صحيح، فماركس كان حتمياً تاريخياً بالدرجة الأولى. أما استبدال «الحتمية التاريخية» بـ «الحتمية التكنولوجية»، فيعني أن التكنولوجيا هي المحدِّدة لتطوّر التاريخ. حينها تحتلّ الثورة التكنولوجية مكان الثورة الاجتماعية ودورها.
على أساس فهمه الحتمي التكنولوجي لماركس، يصل الكاتب في مقالته «ماركس في وادي السيليكون: همسات حول نهاية الرأسمالية» («الأخبار» في 3-8-2017)، إلى استنتاج حول تطور التكنولوجيا والعلوم، مفاده «هنا تنتهي الرأسمالية وتلتقي حفّار قبرها التكنولوجيا كيفما ذهبت ...». هكذا، وبإعلانه ماركس حتمياً تكنولوجياً بالدرجة الأولى، يصل صاحب الأسطر تلك إلى انقلاب على استنتاج ماركس نفسه حول الدور التاريخي للطبقة العاملة كحفارة قبر الرأسمالية، ناقلاً هذا الدور الثوري إلى التكنولوجيا. فالصراع إذاً، ليس صراعاً بين الطبقات، بل بين التكنولوجيا ورأس المال.
بصورة عامة، نرى أن التكنولوجيا والعلوم التي يتكلّم عنها ديبة، تكنولوجيا ومعارف علمية منتجة من قبل البشر. وهي منتجة من قبل البشر ضمن حقل علاقات معينة فيما بينهم، هي علاقات الإنتاج الرأسمالية. لذلك، إن المسألة التي تنطرح في ظل التقدم العلمي-التكنولوجي في النظام الرأسمالي، هي ما طبيعة العمل الذي يُنتج هذه التكنولوجيا وما هو التناقض المستجد بين هذا العمل ورأس المال في هذا الحقل من إنتاج التكنولوجيا والمعارف العلمية، إذا كان ماركس قد درس بصورة رئيسية، وليس بالمطلق، التناقض بين العمل الميكانيكي ورأس المال، فإن الثورة العلمية التكنولوجية في ظل المجتمع الرأسمالي تطرح علينا مسألة كيفية الارتقاء وتطوير فكرنا الماركسي لفهم التناقض بين العمل الإبداعي المأجور ورأس المال. وهذه مسألة لا نجد هذه المقالة المكان المناسب لمعالجتها.
وهنا تجدر الإشارة إلى النتيجة السياسية المباشرة لإخراج الصراع الطبقي من المادية التاريخية أو لجعله عاملاً ثانوياً في حركة المجتمعات الطبقية التي تسودها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. إذ إن هذا الطرح يؤدي إلى الإبقاء على سيطرة المُلكية الـ(برجوازية، إقطاعية... إلخ)، فيبرر سيطرة هذه الطبقة. إنها نظرة إصلاحية يمينية، لا حركة ثورية بنظرات إصلاحية.
هل نحن نبالغ في هذا الاستنتاج الأخير؟ سنرى النتائج السياسية واضحة في مقالة أخرى لديبة تحت عنوان «الاقتصاد السياسي للمجتمع المدني» («الأخبار» في 20 - 08 - 2018). لكن قبل الانتقال إلى هذا الأمر الأخير، لا بدّ من أن نلقي الضوء على جانب آخر لتصوّر الكاتب عن القوى المنتجة كمحرك للتاريخ، وهو جانب يتعلق بالمنهج الذي يفكر فيه الكاتب. هل هو منهج دياليكتيكي أم منهج ميتافيزيقي؟ انطلاقاً من المنهج الدياليكتيكي، إن محرك التاريخ عبارة عن حركة تناقض، دون تناقض لا محرّك للتاريخ. وهذا التناقض يفترض على الأقل وجود طرفين يقوم التناقض بينهما. إن القول إن القوى المنتجة هي محرك التاريخ دون إعطاء الاعتبار لعلاقات الإنتاج، يعني أن الكاتب ينظر إلى القوى المنتجة بنحو مُستقلّ عن علاقات الإنتاج. إنه يفكّك الوحدة التناقضية بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، ويعلن طرفاً واحداً من أطراف التناقض محركاً. حينها لا يكون محرك التاريخ حركة تناقض، وهذا الأمر ما هو إلا انقلاب على المنهج الدياليكتيكي حيث جوهره حسب لينين قانون «وحدة وصراع الأضداد». المادية التاريخية دون الصراع الطبقي هي مادية ميتافيزيقية.

(في الجزء الثاني من هذه المقالة سنعرض وننتقد بعض التبعات السياسية لهذه الطروحات)