يدلل تصدّي أهالي خان الأحمر للمحاولات الإسرائيلية العديدة للاستيلاء على أراضي القرية على إصرار إسرائيل على تنفيذ مشروعها الرامي إلى ضم المنطقة (ج) في الضفة الغربية وتفريغها من سكانها. أمام تلك المحاولات الاستعمارية، يصمد أهالي الخان والمتضامنون معهم في نضال ومقاومة عنيدة تتحدى الجهود الإسرائيلية الاحتلالية الرامية إلى تهجيرهم.

يواجه الفلسطينيون منذ عقودٍ طويلة الاحتلال الإسرائيلي ومشاريعه الاستعمارية الاستيطانية التي تهدف إلى إعادة ترتيب الحيز المكاني وإعادة توزيع السكان الأصليين في إطار عملية إعادة هيكلة مقصودة وعنيفة، تمهِّد لإنشاء مجتمعٍ جديد بتنظيم اجتماعي ومكاني جديد.
يعمل الاحتلال على الاستيلاء على أراضي السكان الأصليين على هذا النحو وتسخيرها لمنفعة المستوطنين ببناء المستوطنات، والضم بحكم القانون، والطرد، وإنكار الحقوق في الأرض. وهذا أمرٌ شائعٌ في المشاريع الاستعمارية الاستيطانية حول العالم. وما يجري في فلسطين من استيلاء على الأراضي على جانبي الخط الأخضر جزء أساسي في ما يُسمى النكبة المستمرة. ولطالما دأب الفلسطينيون على مواجهة النكبة المستمرة بالانخراط في ما اصطلحَ بعض الكُتاب على تسميته المقاومة المكانية، وهي ممارسات تؤكد الوجود الفلسطيني واستمراره على الأرض، وتتحدى الاستعمار الإسرائيلي. ويعكف الفلسطينيون على زيادة مقاومتهم بعد أن أعطى الرئيسُ الأميركي، دونالد ترامب، وإدارته الضوءَ الأخضر لإسرائيل لضم المزيد من الأراضي وبناء المزيد من المستوطنات، ولا سيما باعترافه أخيراً بالقدس عاصمة لإسرائيل.
استخدمت إسرائيل في السنوات الأولى بُعيد عام 1948 آلياتٍ مختلفةً للاستيلاء على الأراضي، بما في ذلك التدابير التشريعية التي كان أبرزها قانون أملاك الغائبين لسنة 1950، ولاحقاً قانون استملاك الأراضي لسنة 1953. خوّلت هذه القوانين إسرائيل انتزاع الأراضي وملكيتها من اللاجئين، مستخدمةً غيابهم عن البلاد بعد 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 حجةً لسلب أراضيهم. وطُبِّقت هذه التشريعات أيضاً على الأشخاص الذين نزحوا داخل حدود الدولة الوليدة. وبدلاً من الاعتراف بأولئك الفلسطينيين كنازحين، صنفتهم إسرائيل تحت مسمى «الغائبين الحاضرين»، وما برحت تبرر منذئذ استيلاءها على الأراضي الفلسطينية بأنه لخدمة المصلحة العامة والمحافظة على الطابع اليهودي للدولة.
طبقت الحكومات الإسرائيلية منذ احتلال الضفة الغربية في 1967 آلياتٍ «قانونيةً» وأوامرَ عسكريةً لتسهيل استعمارها للأراضي الفلسطينية، منها مصادرةُ الأراضي بذريعة الأمن، وهي الحجة التي تستخدمها لتقويض اتفاقية جنيف، وتسمح لدول الاحتلال بمصادرة الأراضي مؤقتاً لأسباب أمنية. استولت إسرائيل باتباع هذا المسار على أراضٍ، وبنت ما لا يقل عن 42 مستوطنة، بما فيها الطرق الالتفافية التي تربطها بالمستوطنات عبر «الخط الأخضر». ومن الأساليب الملتوية الأخرى التي تستخدمها إسرائيل القانونُ العثماني وقانون الانتداب الإنكليزي الذي يسمح للدولة بمصادرة الأرض «لغرض عام»، رغم أن المناطق المستولى عليها كانت تُستخدم في الرعي لقرون. وقد أمعنت إسرائيلُ أيضاً في مصادرة الأراضي الفلسطينية بفضل تطبيق اتفاقات أوسلو في أوائل التسعينيات، حيث قسَّمت الاتفاقاتُ الضفةَ إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج). وتشكِّل المنطقة (ج) 61% من مساحة الضفة، وتخضع لسيطرة عسكرية إسرائيلية كاملة، بما فيها السيطرة على الشؤون الأمنية والمدنية. أدرَجت اتفاقات أوسلو المنطقةَ (ج) تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ومنحت إسرائيلَ بذلك الصلاحية في رفض طلبات التخطيط والبناء الفلسطينية لاعتبارات أمنية. وفي حين تُلبي السياسة الإسرائيلية في المنطقة (ج) احتياجات 325000 مستوطن إسرائيلي لجهة تنظيم البناء وتطوير البنية التحتية ورصد الميزانيات لخدمة المستوطنات، تضع قيوداً وعوائق أمام توفير سياسات مماثلة للمجتمعات الفلسطينية، بل تعمل على تمزيق تلك المجتمعات وتشتيتها.
تمكَّنت إسرائيل بفضل بناء الجدار الفاصل في 2002 من الاستيلاء على أراضٍ أكثر في الضفة بغرض فصل الضفة عن إسرائيل بذريعة تحقيق «الأمن» الإسرائيلي. مهَّد جدار الفصل هذا الطريق لضم العديد من المستوطنات، بل خطَّت إسرائيل مسار الجدار داخل الضفة وليس على طول «الخط الأخضر»، وبشكل استولت فيه فعلياً على الأراضي الفلسطينية. وتشهد الأرض الفلسطينية اليوم تسارعاً رهيباً في مصادرة الأراضي، إذ عكفت الحكومة الإسرائيلية على استغلال تجاهل الإدارة الأميركية الصارخ للقانون الدولي والإجماع بشأن القدس لتُسارع إلى تنفيذ مشروع قانون القدس الكبرى والتلاعب بالحدود للاستحواذ على أراض أكثر وحشر الفلسطينيين في الوقت ذاته في أضيق حيزٍ ممكن، والسيطرة على الرواية بشأن القدس، بحيث تغدو المدينة بأكملها من دون منازعة جزءاً من إسرائيل في الخطاب الدولي السائد.
يستخدم الفلسطينيون أساليبَ عديدةً لمقاومة السرقة الإسرائيلية للأرض. ومن أجل وقف التوغل الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية ودعم المقاومة المكانية الفلسطينية، بذلت العديد من الجهود لتعزيز المقاومة المكانية الشعبية، ومنها التحركات والحملات التي استقطبت دعم الناشطين الدوليين لتحدي الجهود المستمرة لمصادرة الأرض الفلسطينية وتأكيد ملكيةَ الفلسطينيين لها في قرية باب الشمس التي أسّسها نحو 250 ناشطاً فلسطينياً، وعين عجلة في وادي الأردن، والعراقيب وسوسيا في النقب، وقرية أقرث في الجليل، وخان الأحمر، وأخيراً قرية الولجة جنوب القدس. وقد سلَّطت هذه التحركات الضوء على الوجود الفلسطيني في منطقة القدس، وأبرزت مثالاً للصمود في وجه آلة الهدم والمصادرة الإسرائيلية. تسعى مثل تلك المبادرات إلى تأكيد الوجود الفلسطيني المادي على الأرض، وتتحدى بالدعم الشعبي الهيمنةَ الإسرائيلية على الحيز المكاني. وهذا الأمر يتطلب استمرار الفلسطينيين بالانخراط في الأنشطة والفعاليات الشعبية والعمل على الربط بين الكفاحات المحلية والدعوةَ إلى التنسيق عبر جانبي «الخط الأخضر». وهذا سوف يسلط الضوء على مشروع الاستيطان الإسرائيلي الأكبر، وسيتحدى أيضاً التعريف الإسرائيلي للكيان الفلسطيني والإنسان الفلسطيني.
هناك حاجة اليوم إلى توظيف كل ما يتسنى توظيفه من آليات دولية لمنع المزيد من عمليات الاستيلاء والضم، ومن ضمنها دعم الشكاوى المرفوعة إلى المحكمة الجنائية الدولية بخصوص ارتكاب جرائم حرب، كالشكوى التي رفعتها منظمات المجتمع المدني الفلسطينية في 2017، والمطالبة بإجراء تحقيق رسمي موسَّع في الانتهاكات الإسرائيلية، كالذي دعت إليه منظمة «هيومن رايتس ووتش» في 2016، وأيضاً سنّ العقوبات وإنفاذها، وهي آلية استُخدمت ضد روسيا على خلفية ضمّها شبه جزيرة القرم، وإعداد قضايا تطالب باستعادة الأراضي والممتلكات. ولا بد من بذل الجهود لتحدي السرقات الإسرائيلية للممتلكات والأراضي بأثر رجعي حتى عام 1948. وينبغي أن يضطلع الفلسطينيون بجهدٍ جماعي لإجراء البحث حول مطالباتهم وصياغتها. ثمة ثروة من الوثائق المتوافرة التي تدعم تلك المطالبات، ومنها مثلاً ملفات لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة والخاصة بفلسطين، وسجلات «الأونروا»، وسجلات إسرائيل الرسمية، والشهادات الشفوية. يستطيع الفلسطينيون وحلفاؤهم، بهذه الجهود الهادفة والمنظَّمة، أن يوقفوا الاستيلاء الإسرائيلي المستمر بلا هوادة على الأراضي الفلسطينية، وأن يضمنوا وجود سياسات تراعي الحقوق الفلسطينية كما نص عليها القانون الدولي.
(يستند هذا المقال إلى ورقة نشرت على موقع «الشبكة، شبكة السياسات الفلسطينية»)
* زميلة لـ«الشبكة» في فلسطين