في أعقاب الحرب الداخلية الخارجية في لبنان، شكلت شراكة المناصفة في إدارة الدولة مساومة دعمتها دول مقررة إقليمياً في مؤتمر عُقد في الطائف في السعودية لإنهاء الحرب وفقاً لمبدأ تحاصص السلطة بين زعماء الطوائف ممن أداروا الحرب.

وظلت إدارة المجتمع والاقتصاد اللبنانيين في ظل مثل هذه المناصفة ـــ المساومة رهينة ظروف المواجهات بين الدول الوصيّة. مواجهات تنعكس على التوافق في الحكومات وعلى معدل النمو وما يتخللها من ضمور لأسواق العمل وتزايد العجوزات التجارية والمالية. فتنعكس هذه التدهورات بالتالي على الفئات الوسطى، لا سيما المسيحية منها: فيُحرم شبابها من تثمير مزايا في التعليم والإدارة والأسواق توافرت لهم بفعل تراكم اهتمام مميّز للكنيسة والتعليم الخاص باللغات الأجنبية والتوكيلات التجارية والإدارة المصرفية، بما يُسهّل على ما لا يقل عن ثلث الكفاءات الشبابية الهجرة.
وهكذا انتهت أزمات الحكم السياسية الاجتماعية المتفاقمة والسيادية منها بخاصة، خلال الحرب في ظل الزعامات الطائفية والحرب، إلى توافقات في مؤتمر الطائف على ما اعتبر إصلاحاً سياسياً للنظام يُبلور الإصلاح الطائفي للحكم ضمنته الوصايتين السعودية والسورية. وجاء هذا «الإصلاح » لينقل البلاد من حكم كتل نيابية يرجحُ فيها، إجمالاً، نفوذ الزعامات المسيحية ومعها حضور نخب متعددة الطوائف متفاوتة المؤهلات في الوزارات. نخب يميل من بينها كثير من المسلمين إلى موالاة زعيم مسيحي يُقدرون تعاطفه معهم على موالاة زعيم من مذهبهم. وحصل الانتقال بعد اتفاق الطائف إلى حكم تفرض فيه المناصفة تحاصص الزعامات شبه الحصري لخدمات الوزارات يُوزعها مفاتيحها داخل مناطق أكثرياتها المذهبية فتُذكر باللامركزية في الولايات العثمانية.
وهكذا تكون المركنتيلية المسيحية الأكثر تركزاً في التوكيلات التجارية والأسواق قد وجدت في المناصفة في الحكم والإدارة العامة المُطيّفة صيغة ملاءمة لإقرار أولويات مصالحها في التوجهات الاقتصادية والمالية والنقدية للبرلمان والوزارات. وتكون النخب المسيحية الأكثر تطوراً في التعليم وفي الإدارة العامة قد أشركت زعامات الطوائف الأخرى المتحالفة معها في ترجيح مصالحها وتوزيع خدماتها. وهذا ما أدى ويؤدى إلى تعويق البناء التدريجي المتوازن للدولة وحماية بناء الاقتصاد الوطني المتكامل قطاعياً ومناطقياً.
لقد تراكمت النتائج السياسية المتناقضة لمبدأ المناصفة في تمثيل الطوائف الذي تباهى في تجاوز معيار أحجامها الديموغرافية تجاوز لم يُؤدّ إلى دولة القانون والاندماج الوطني، وهذه سيرورة يستعصي تحققها في دول المستعمرات المستقلة بعد الحرب العالمية الثانية مهما اجتهدت حكوماتها في الاقتباس من الدساتير والتشريعات الليبرالية في ظل التبعيات السياسية والثقافية لحكامها ونخبها. وهي تبعيات انتهت إلى شرعنة تقاسم الدولة الضعيفة إلى دويلات طائفية ومذهبية لا تملك القدرة على إقامة حكم يقوم على أكثرية تُحاسبها معارضة. فنجد أنفسنا والحال هذه:
- أمام تيارات تهجس بتوجهات سياسية دينية متطرفة وتعبئات متكايدة ترتهن بحكم ولاءاتها الطائفية العابرة للحدود لدعم سياسي ومالي من دول عربية وإقليمية. تعطل سلطات الدولة على أداء الإدارات العامة فتشرع في إفساد الإنفاق العام وهدره.
- أمام نخب تجد نفسها موزعة على مجموعات حراكية محلية بعد عقود الحرب وتطييف الأطر النقابية والطلابية وطغيان الولاءات الطائفية على الطروحات الحزبية وانحسار التيارات القومية واليسارية، فتجد نفسها بعيدة عن إمكانات التخطيط للمعالجات والاختلالات البنيوية التي تفرض على مديات متوسطة وبعيدة توفر شروطاً أساسية يأتي في طليعتها الاستقرار السياسي واستدامة الحكم القوي وليس التعاقب المتسارع للحكومات وتوجهاتها المتكايدة خاصة. وأن معالجات اختلالات وتعوقات اقتصادنا المرتبطة بالتفكك الطائفي للبُنى الاجتماعية والسياسية تحتاج إلى آجال طويلة لا تحتاجها اقتصاديات المجتمعات الناشئة.
ولا بدّ من التذكير بالتجارب الأوروبية التي أُخذت عنها مبادئ ديموقراطية التمثيل مع ما يقترن تبنيها حكماً من نقائص إقدام النواب المنتخبين على تقديم مصالحهم السياسية والخاصة على حساب غالبية ناخبيهم. إلاّ أن ما خفف من نقائص ديموقراطية التمثيل البرلماني في أوروبا الصناعية الليبرالية والاجتماعية وفي فرنسا على سبيل المثال كان في الترسيخ المتدرج لتشريع الحقوق المدنية والسياسية الأساسية في ظل الجمهورية الثانية (حريات التعبير والرأي...) التي بدأ تكريسها منذ الجمهورية الثانية (1848) ولم تتكرس سرية التصويت إلاّ في ظل الجمهورية الثالثة (1870) التي انتظرت في ظلها المرأة حتى عام 1944 لتحصل على حق الانتخاب. وقد مارست التيارات والأحزاب السياسية قرابة قرنين غربلة ترشيحات أعضائها وبرامجهم التي هي برامجها. كل هذا لم يكن كافياً لحماية أخلاقيات التمثيل الديموقراطي من التشويهات وانحرافات النواب ولكن هذا النظام بقي في تحـدي مونتسكيو «النظام الوحيد للسلطة الذي يضع حدوداً لها» وهو الصيغة الوحيدة للتمثيل أو «النظام الأقل سوءاً بين الأنظمة» على حد قول ونستون تشرشل.
ولا يجب نسيان أن البحوث المعاصرة في علم الاجتماع شهدت وتشهد تعارضاً بين مقاربتين في تحليل الظواهر والسلوكيات الاجتماعية:
ففي المقاربة الأولى، تُعطى الأولوية لفعل بنية ونظام المجتمع أو الجماعة في تحديد أفعال وسلوكيات الأفراد التي تعتبر نتاجاً لأواليات اجتماعية تتجاوز خيارات الأفراد. وتُعطي هذه المقاربة من جهة أخرى الأهمية لاعتبار أن البنية ليست مستقلة عن أفعال الأفراد غير الواعين لما يفعلونها فيها.
أما في المقاربة الثانية، فإن ما نراه حراكاً اجتماعياً للشبيبة يعود إلى تراكم لسلوكيات فردية متشابهة يُقدم عليها أفراد نخبويون من ذوي النزعات القيادية. تراكم يعكس لدى كل منهم تخيلاً للخلاص من الحكومات المتحكمة طويلاً بتدني فرص تجاوز تهميشاتهم المزمنة وفرص ارتقائهم الاجتماعي فيلاحظ ظهور الحراكات الشبابية وهم يقومون في ظلها بأدوار الفاعلين المستقلين تحت ضغط حوافز فردية محركه لمشاركات شخصية في الحراك على قدر استطاعاتهم الظرفية ونجاحاتهم في الاستقطاب حولهم وخلفهم. هذا النجاح الذي يقودهم أحياناً كثيرة إلى التثمير في الترشح للانتخابات النيابية كما حصل في الانتخابات اللبنانية (2018) وذلك تحت تسميات غير طائفية مباشرة.
غير أن هذه المقاربة الثانية القائمة ظاهرياً على ربط تفاعلات الأفراد كفاعلين باستقلال ظاهري عن المحددات البنيوية التي تفترضها المقاربة الأولى هي ليست في الواقع إلاّ مكملة لهذه المقاربة.
وهو تعارض بين:
- تفسير أفعال وسلوكيات الأفراد بما تحدده بنية المجتمع أو الجماعة التي يعيشون فيها.
- وتفسير حصول الظاهرة الاجتماعية الكلية بنظام التفاعلات المستقلة الحاصلة بين أفراد المجتمع والجماعة كأفراد فاعلين من دون ربط قيامهم بهذه التفاعلات الفردية بمعطيات بنيوية تفرضها.
وإذا كان الأفراد في المجتمعات الليبرالية المتطورة غير واعين بالضرورة لما يفعلونه في تشكُّل البنية الاجتماعية وآليات فعلها وتأثيرها في خياراتهم الفردية التي تبدو ظاهرياً أنها مستقلة عن هذه البنية، فأي أشكال من الوعي ما قبل الرأسمالي تسود في انتخابات المجتمع اللبناني وقد تحصنت في أقلياته الدينية الضيقة، وبدعم من القوى الاستعمارية والإقليمية التي ترتهن لها لتجديد نظامها وانتخابها. هذا الانتخاب الذي امتدت النقاشات حول تفاصيله في لجنة برلمانية ضيقة مدة سنة اقتصرت عضويتها على ممثلي رؤساء الكتل الطائفية. فابتدعت تقسيمات للدوائر تضمن نجاحات أغلبيات كتلها. كما وابتدعت نظاماً هجيناً للانتخاب يحصر دور نظام النسبية بحماية الأكثريات ويضمن تمثيل العصبيات وإن كان قد ترك، بفعل فرض التصويت للوائح المغلقة ضمن القضاء حصراً، حيزاً لصوت تفضيلي داخل النظام النسبي المهجّن يُعطي أحياناً لمرشح من اللائحة المضادة الأضعف فرصة إنجاح عضو جاء أعلى تفضيلاً من خصمه في اللائحة الأقوى.
يعود ذلك إلى إرباك أو توهم قيادة اللائحة الأقوى بما خُدعت به من مفاتيحها في تقدير ولاءات قواعدها المفترضة وبثنائية الولاءات الزبائنية ـــ السياسية لقطاع كبير من الناخبين. هؤلاء الناخبين ممن تتحكم في خياراتهم ليس ولاءات ترتبط ببرامج تُلائم بالضرورة مصالحهم الاقتصادية المحلية بقدر ما تخضع لعلاقات المكايدة المحلية والتزلف بين وجهاء للعائلات يتولون تحريكهم بدعم موعود من زعماء الزبائنية اللوائح الطائفية. فتأتي الأصوات أحياناً غير مطابقة لتقدير الماكينات الانتخابية والمفاتيح ولتقديرات الاستشاريين والإحصائيين ممن يتيه بعضهم بين تقديرات الناخبين في المناطق والدوائر الانتخابيتين. وقد ورد مثال على هذا التيه الإحصائي أخيراً في عرض لإحصائي وديموغرافي لبنانيين أكاديميين جعل حجم السكان في لبنان يراوح بين 7 ــــ 9 ملايين في الوقت الذي قدره الأكاديمي الآخر بثلاثة ملايين ونصف، وهذا هو الأقرب للواقع (تقديرات واردة على لسان كل من الباحثين في علم الاجتماع السكاني د. أسعد الأتات ود. مصطفى سليمان في ملحق رأس المال الاقتصادي لجريدة الأخبار بتاريخ 14/5/2018).
* أستاذ جامعي