لأسباب حزبية لم يَشمل التفكيكُ الفرنسي الماركسيةَ والأدبيات المتعلقة بها؛ معظمهم أعضاء سابقون في الحزب الشيوعي الفرنسي، رَغبوا في تفادي الماركسية وتناول أطرافها لا نقدها مباشرة (كنقد محورية العلم بدل الخوض في نقاش ما إذا كانت الماركسية علماً، أو مفهوم الأيديولوجيا)، ما جعل علاقة ما بعد الحداثة بالماركسية مثار أطروحات متناقضة (قد تُفسَّر في سياق ديغولي للبقاء خارج معسكرَي الحرب الباردة). هكذا طاول التفكيك معظم بداهات الحداثة، من حقوق الإنسان إلى العلوم الإنسانية ومركزية العقل وغيرها؛ لكن لضمان عدم الاحتكاك المباشر بالماركسية، بقي النص الاقتصادي في شكل عام خارج حلقة التفكيك (أشمل من «الدريدية»)، وكذلك دراسة تحولات عبارة «الرأسمالية» (ليس تحولات الرأسمالية، بل تحولات العبارة التي فَقدت خواصها الدلالية تحت وطأة الاستخدام والاستثمار لتصبح كينونة ترانسندية، هي شرطُ فعالية الدول الأخرى بعد اجتيازها لحظة ما بعد الحداثة من دون تفكيك)، وأنظمة الثمين والبخس، والأهم الحفر لإيجاد رأس المال المسكَت «silenced capital».

على رغم أن فوكو بالذات لم يعزه سؤال الاقتصاد (الحديث نسبياً مقارنة بسؤال الثروة)، لكنه اكتفى بتناوله ابستيمولوجياً في المراحل الأولى (البنيوية) من كتاباته (ولادة الإنسان موضوع العلوم الإنسانية) والتركيز على دولة الرعاية/ الضبط في المراحل المتأخرة (ما أكسبه تهمة النيوليبرالية)؛ كان فوكو ولا شكّ الأقدر بين أقرانه على تناول الاقتصاد تفكيكاً.
أما النص المالي (financial) فقد بقي كلياً خارج إدراك ما بعد الحداثة. هذه القطيعة مع النصَين الاقتصادي والمالي لم نجدها في النزاع المنهجي (Methodenstreit) أواخر القرن التاسع عشر بين ألمانيا (ممثلة بالمدرسة التاريخية للاقتصاد؛ ماكس فيبر الذي كَتَب حول البورصة ناقداً العداء لها) والنمسا (ما عُرِف بالمدرسة النمسوية في الاقتصاد) وحتى التجريب المالي (من عملات بديلة ومحلية) الذي نَتج منها لاحقاً في ألمانيا من خلال سيلفيو جيزيل وعملته (Wara)، والنمسا من خلال تجربة مدينة فورغل؛ والأهم هو الـ«Chartalism» التي أعادت النظر في مفهوم العملات، معتبرةً إياها نتاج سلطة مركزية وليست تطويراً أو بديلاً عن المقايضة؛ أخيراً قام ديفيد غرايبر بإيجاد تفسير أنثروبولوجي لذلك.
إشكالية «الفاينانس» باعتبارها رديفاً للاقتصاد وحتى عبئاً عليه (أو مرحلة تأتي بعد ركود التجارة، بروديل)، وإنْ بدأت ملامحها نظرياً مع الفيزيوقراطيين الفرنسيين في معرض افتراقهم عن المركنتيلية، إلا أنها تُوِّجَت بعبارة ماركس «رأس المال الوهمي» (fictitious capital) في وصف رأس المال البنكي. ثنائية الاقتصاد الحقيقي مقابل رأس المال الوهمي قد تكون الأغنى للتفكيك من بين المقولات الأخرى؛ «الوهمي» هو الذي مهّد لولادة «الافتراضي» (virtual) والانحياز ضده، واعتبار بول كروغمان وروبرت غوردون أن قطاع الداتا على رغم كل الوعود لم يُضِف شيئاً للاقتصاد «الحقيقي» (لاحقاً فإن القطاع المصرفي الذي اتُّهم بالوهمية، سيَتّهم البتكوين بأنها وهمية بدورها، ما يُشير إلى إعادة تموضع الحقيقي والوهمي، والافتراضي وما بعده). كما في اللغة حيث البحث عن المعنى الحقيقي يبدو مطلباً مشروعاً في البداية لكنه يَنتهي بتشظّي نظام الدلالة كاملاً، فإن السعي نحو اقتصاد حقيقي ليس أقل إشكالية.
وإذا كان الرأي الشائع بأن التفسير الاقتصادي هو كمال التفسير المادي (القول الشعبي بأن كل شيء يعود إلى الاقتصاد)، فإن ما بقي مغموراً هو التفسير المالي الذي يَحكم الفضاء الإنكليزي؛ المالي لا يَعني الاقتصادي (في شكل خاص في الأقسام الجامعية الأميركية): فكّ السياسة عن السوق (de-politicizing the market) (وهو تقليد إنكليزي مقابل فكّ الألمان للسياسة عن الفلسفة)، ثم فكّ الاقتصاد عن السوق (de-economizing the market)؛ برجوازية الداتا (أو «platform capitalism») وُلدت متآلفة مع البرجوازية البنكية في هذه الممارسات، وستُضيف إليها منظوراً تأويلياً جديداً («mathematical modelling» والـ«game theory»، كما في الدراسة التي تَنزع السياسي وحتى الاقتصادي عن تفسير سلوك الـ«hipsters»).
عقوداً قبل النيوليبرالية، بدأت الولايات المتحدة بالتدريج تكريس أولوية الدولار الأميركي على الصناعة الأميركية في فرض سلطتها عالمياً، ومع نظام برتون وودز ستَرفض مقترح كينز بإنشاء عملة مشتركة (البانكور)، مصرة على اعتماد نظام الذهب إلى جانب الدولار. في الولايات المتحدة إجراءاتٌ مالية تُعيد مستويات البطالة إلى معدلاتها الطبيعية، تعاقِب الخصوم السياسيين وتَحتوي الحكومات (الاتحاد الأوروبي بالمقابل بدأ بمحادثات حول الصلب والفحم الحجري وانتهى بتقسيم القطاعات بين دوله)؛ التخطيط بالمال مقابل التخطيط بالاقتصاد هو الذي أَوصلنا إلى عالم تتخذ فيه البنوك المركزية القرارات الاقتصادية في شكل متزايد، يسمّيها محمد العريان «The Only Game in Town».
طبعاً سيَشكو الشيوعيون من عدم قدرتهم على تنظيم نقابات في نظام قوامه البنوك شبيهة بتلك في النظام الصناعي، ذلك أن ديناميات الاستغلال في النظام المالي مختلفة عما هي الحال في النظام الصناعي، وحتى مساعيهم لفهم ديناميات نظام مصارفي (financialized) رقمي - ما بعد فوردي استجدّ مع السبعينات بقيت أسيرة المماثلة مع النظام الصناعي الذي وَصفه ماركس للقرن التاسع عشر. التراكم في القطاع المصرفي ليس نتاج استغلال عمالة موظفي المصرف، بل نتاج العلاقة الجذرية مع الداتا وتحليلها، هو اقتصاد معرفة يقوم على استغلال أولئك الذين لا يَملكون داتا كافية أو سرعة الوصول إليها أو برمجيات (software) لتحليلها بشكل جيد؛ لكن الأهم في البنكية المستجدة هو أن ركيزتها ليست الاستهلاك المتنامي لتحقيق الفائض بل الاستبدال المتنامي للعمالة البشرية بالبرمجيات وتدوير منتجات الحقبة الصناعية من خلال وسائط الداتا تتزايد فعاليتها (مقالة للفاينانشال تايمز تَعتبر أن ماركس كان ليفضّل أن يوظّف في بنك، على اعتبار أن الموظفين يأخذون نسبة جيدة من إنتاج المصرف على حساب المساهمين؛ الأمر نفسه سيَنطبق لاحقاً على رياضيي الداتا ورواتبهم المرتفعة؛ لا يَخفى أن نيويورك وكاليفورنيا هما الأكثر «يسارية» في الولايات المتحدة). هل تصنيع السيارات هو اقتصاد حقيقي؟ بدل أن نبرهن أن القطاع المصرفي يُضيف إلى الاقتصاد الحقيقي، علينا أن نعود خطوة إلى الوراء لنتأكد مما إذا كانت الصناعات تَقوم فعلاً بذلك (كما حاجج الفيزيوقراطيون).
بنيوياً، قسم «الفاينانس» الأكاديمي أقرب إلى قسم علوم الكومبيوتر منه إلى قسم الاقتصاد؛ وإذا كان التصوّر الشائع يَعتقد أن «البتكوين» هو التقاء «الفاينانس» وعلوم الكومبيوتر، فإن الأصح القول إن «البتكوين» هي نقطة افتراق وصدام بين قسمَين تطورا سوياً (القاطرة الرئيسية للبتكوين اليوم هم خريجو علوم الكومبيوتر وليس «الفاينانس» ولا الأناركيين؛ وحتى المعجم المشكّل حول «البتكوين» هو في الأغلب مستمدّ من مبرمجي الكومبيوتر: بداية التسعينات بدأت وول ستريت تَستقطب العقول الرياضية من قسم الكومبيوتر الأكاديمي، والآن هناك تقارير عن انسحاب هؤلاء للاتجار بالعملات الرقمية).
هذان القسمان «الرمزيان» تأسّسا في الجزيرة الإنكليزية على قاعدة فرعٍ من رياضيات الاحتمالات، «actuarial math»، التي تطوّرت في شكل كبير نتيجة قطاع التأمين على الحياة الذي كان لمئة عام مزدهراً في المملكة المتحدة (منذ أواخر القرن السابع عشر) ممنوعاً في القارة (على اعتبار أنه «مراهنة على الحياة»). لم يكن التأمين البحري ليدفع الرياضيات الاكتوارية إلى هذا المستوى، وعليها ابتُنيت علوم الكومبيوتر: احتمالات بايس، الجبر البولياني وتشارلز بابج وصولاً إلى تورينغ. أدّى ازدهار التأمين على الحياة أواخر القرن الثامن عشر إلى جعل قسم الرياضيات القسم المركزي في الجامعات البريطانية في حين بقي قسم الفليلولوجيا القسم المركزي في جامعات القارة لقرن إضافي. لا علوم الكومبيوتر ولا الابتكارات المالية كانت لها أرضية في ألمانيا أو فرنسا (على رغم أن الأخيرة امتلكت الكثير من الإمكانات، من معارض مدينة شامبانيا إلى احتمالات باسكل ودي فيرما، إلا أنها كما يصفها بروديل «أرض الفرص الضائعة»).

بدل أن يركّز السوفيات بعد هنغاريا على علوم الكومبيوتر أَلغوا برامجهم ذات الصلة


لا مجال هنا لشرح القصور التاريخي لألمانيا في مجال الاقتصاد و«الفاينانس»، من رابطة الهانزا في الشمال حول البلطيق، الفقيرة نسبة إلى الحلقة الجنوبية التي سيطرت عليها المدن الإيطالية، وصولاً إلى ألمانيا فرنر سومبارت «الروح البطولية مقابل الروح التجارية الإنكليزية»؛ كان تجار الهانزا يَعتقدون أن الابتكارات المالية الإيطالية هي حيلة لسرقة أموالهم. التاريخ الرسمي للابتكارات المالية (canonical) هو مسار يبدأ من مصر المملوكية إلى الشمال الإيطالي إلى أمستردام فلندن من دون المرور بألمانيا وفرنسا. ألمانيا كان لها إطارها الرياضي الخاص، ما يمكن تسميته «اللاعقلانية العلمية»، من تصوُّر الأعداد السالبة (تصف هيلين بايكور كم كان صعباً على الإنكليز استيعاب فكرة العدد السالب)، ناهيك عن الجذر التربيعي للعدد السالب، إلى نظرية المجموعات «set theory»، إلى هندسة ريمان ومتعلقها من الأعداد الخيالية «imaginary numbers» التي اعتمد عليها آينشتاين، وصولاً إلى غرائب ميكانيكا الكم التي يَعتبر بول فورمان أنها لم تكن لتوجد من دون سياق برليني محدد. ملاحظة هنا أنه حين نتحدث عن القاري «Continental»، علينا أن نُشير باختصار إلى استثنائية الحالة النمسوية، ما يمكن تسميته «الممر الإنكليزي-النمسوي» (Anglo-Austrian corridor) في الفلسفة والاقتصاد. المناطقة الألمان كان عليهم أن يتوجهوا إلى النمسا ليؤسّسوا حلقة فيينا، وفريغي لم يكن ليُعرَف لولا برتراند راسل، تماماً كما أن مصرفيي الجنوب البافاري مارسوا المهنة من خلال إمبراطورية الهابسبورغ ومناجم الفضة والنحاس فيها.
لطالما أُخذنا بعمق الفلسفة القارية مقابل سطحية الفلسفة الإنكليزية التحليلية. لكنها مقاربة خاطئة، ذلك أن ما كان يَحصل في الفلسفة القارية كان هو نفسه يحصل في الاقتصاد و«الفاينانس» الإنكليزي: (لدواعي الاختصار) الفلسفة القارية يجب أن تُقارَن في كل مرحلة بما يوازيها في «الفاينانس» الإنكليزي وليس في الفلسفة التحليلية.
التأويل من خلال قطاع الداتا (بدل التأويل بالاقتصاد ومنافسه التأويل بـ«الفاينانس») يشكّل أرضية منهجية مختلفة لفهم الأحداث الراهنة، كالتوتر الذي أتى بدونالد ترامب رئيساً: برجوازية الصناعة وعمالها (بيض الشرق الأميركي «rust belt») في مواجهة كلّ من البرجوازية البنكية (نيويورك وثقافتها) والأهم البرجوازية الناشئة في «السيليكون فالي» (برجوازية الداتا)، اللتَين دعمتا كلينتون. البرجوازية الصناعية التي اعتَقدت بدايةً أن النيوليبرالية ستخفّف عنها أعباء العمالة المتطلبة اكتَشفتْ أن الرابح الأكبر كان القطاع المصرفي، وأن «السيليكون فالي» تهدِّد التصنيع من خلال اقتصاد المشاركة (sharing economy) المنشبك مع خطاب التدوير البيئي (والـ«anti-consumerism»)، كما تهدِّد العمالة البشرية (replacement). شركات كـ«أوبر» تَجني أرباحها من خلال تفكيك بنية الاستهلاك المفرط السابق (الذي كان أساسياً في تحفيز النمو)، ولم يكن ذلك ممكناً في دولة تسودها ثقافة النقل العام. منذ عقد تقريباً تَفتخر «السيليكون فالي» بعرقلة هذه الصناعة وتلك (disrupting industry X). آخَر البرجوازية ليست البروليتاريا، بل انشقاق داخلي، برجوازية فرعية تَنمو لتهمّش البرجوازية الصناعية مستخدمةً نتاجها في ذلك، ودافعةً البروليتاريا بدورها إلى الاختفاء.
من هذا المنطلق يُفهَم الربيع العربي على أنه نتيجة تمكين قطاع الداتا بدل الصناعة في الإدارة الأميركية، يوصَف بأنه الباب الدوار «revolving door» بين «سيليكون فالي» والبيت الأبيض في عهد أوباما: كانت السياسة المبتناة على الفوردية تريد عالماً من الحكومات الكومبرادورية تَضمن لها موارد رخيصة لصناعاتها وأسواقاً طيّعة لشراء منتجاتها. لكن برجوازية الداتا ترى عالماً مختلفاً: عدا عن أنها تمارس أعمالها في العالم الطرفي من دون «franchising» ومن دون دفع ضرائب، فهي أيضاً تسعى إلى الوصول إلى مواطني العالم الطرفي والداتا الخاصة بهم من دون المرور بجهاز دولتيّ: توفّر فايسبوك وغوغل خدماتها عبر أقمار اصطناعية خاصة بها للمناطق التي لا تتوافر على بُنى تحتية (Free Basics). هكذا فإن الحكومات الكومبرادورية حول العالم بدأت تَفقد شرعيتها العملانية خلال عهد أوباما، وحين بدأت الثورة في تونس لم تكن لهذه البرجوازية المستجدة في البيت الأبيض مصلحة مباشرة في بقاء هذه الحكومات، لا بل سعت إلى تسويق نفسها على أنها المنصة التي بسببها اندلعت الثورات. مع حاجة الشركات المنتجة للذكاء الاصطناعي للمزيد من الداتا وفي الآن معاً تزايد القوانين الضابطة لطرق تجميع الداتا، فإن الدور المستقبلي للدول الطرفية سيكون تزويد المركز بالداتا المجانية لتطوير مشاريع الذكاء الاصطناعي.

■ ■ ■

غياب القراءة التفكيكية للماركسية فرنسياً أدّى إلى بقاء الماركسية (والاقتصاد والمال بشكل عام) مادة ضخمة ومتماسكة بمعزل عن تحولات المحيط، الثابت الوحيد في عالم متغيّر؛ تدريجياً ستَبدو المرجعية الوحيدة الصالحة للتأويل. لا يمكن الاعتماد على التحليلية الإنكليزية لإنجاز تفكيك تاريخاني؛ التفكيك الإنكليزي الوحيد كان الدراسات ما بعد الكولونيالية (طبعاً بتأثير فوكو). لكن هناك إضافة رئيسية: انهيار الاتحاد السوفياتي، الممثل الرسمي للتطبيق الماركسي، جعل الإرث السوفياتي كذلك إرثاً حراً من دون سلطة لتأويله، فالجميع تخلّى عنه وعلى رأسهم، فضلاً عن روسيا الراهنة، اليسار الجديد، النسخة الأميركية عن اليسار المدجّن (الذي سيَقود قطاع الداتا؛ لا مجال هنا لعرض التحولات التي أدّت إلى ظهور «سيليكون فالي»). اليسار الستاليني مقابل اليسار الهوياتي؛ ما بعد الحداثة الفرنسية كانت جزءاً من عملية التطويع هذه.
لدينا الآن نصٌّ ماركسي يبدو مغرياً للجميع، حقول معرفية اقتصادية ومالية غير مفككة، ومضاف إليها إرثٌ سوفياتي ضخم لكنه مهمَل، ومع عدم وجود الاتحاد السوفياتي كمنافِس عملاني، يصبح التسامح الأيديولوجي مع هذا الإرث ممكناً: مع تراجع احتمالات ظهور اقتصاد إسلامي ونظرية إسلامية للاقتصاد في إيران، بدأ الحديث بدلاً عن ذلك عن «الاقتصاد المقاوِم»؛ وهذا تحوّل جذري في عقل التجربة الإسلامية ستكون له الكثير من التبعات. لن يكون أمامك سوى أن تُعجَب بالتجربة السوفياتية، المقاومة الأنجح لما يُسمى الغرب. منذ الثورة البلشفية، استُنزِفَت مؤسسات ثقافية ضخمة لمحاولة إثبات أمر واحد: أن «الغرب» مجرم، وأن شعاراته البراقة هدفها التحكّم بنا واستغلال ثرواتنا (الاتحاد السوفياتي، ثم الصين، كوريا الشمالية، كوبا والآن إيران). هذه الممارسة الثقافية الإشكالية المشتركة ستشكّل جزءاً من المنصة التي تَسمح لتجربة إسلامية كإيران وحزب الله بأن تتواصل مع إرثٍ سوفياتي لم يعد منافساً. لكن كان من شأن هذا الخطاب أن كرّس أسطورة كيان اسمه «الغرب»، وأصبح مقاوموه تردّدات لهذا الكيان المتخيَّل.
إلى جانب الخدر الثقافي غير المفهوم في إيران، فإن حزب الله وبعد خمس سنوات منفتحة على التجريب تلت التحرير، بدأ تحولات أساسية بعد أزمة 2005: مع التخوُّف من التقارير الأجنبية عن محاولة استيعاب الحزب في مؤسسات الدولة كي يصبح جناحه العسكري عبئاً عليه (مقارنة بالجيش الجمهوري الإيرلندي).
من المعروف أن الأجهزة الأمنية، من السي آي أي إلى الموساد وغيرها، هي مواطن عداء للثقافة (anti-intellectualism)، لا بل تَفخر بذلك. وحين يَشكو السيد نصر الله في أحد اللقاءات من غياب العقول الاقتصادية في الحزب، علينا أن نتذكر أننا في نظام تمّ تسليم السياسي والاقتصادي فيه لوحدات أمنية، فيما المثقف تمّ استيعابه في العرفان والأخلاق، وحتى في هذا المجال لم تَصدر نصوص مهمة (دور الحوزة انتهى فعلياً مع انتصار الثورة). وعلى رغم أننا المحاصَرون، فلم نكن نحن مَنْ ابتكر «البتكوين»، بل اكتفينا (حزب الله وإيران) بمحاولات التفافية بسيطة لا بل بدائية على العقوبات بدل أن يكون الضغط مناسبة لإعادة النظر بمفهوم الاقتصاد والمال من أجل إيجاد مقاربات جديدة (لدى إيران رياضيون ذوو مستوى عالمي، وتقول إن لديها «رابع جيش إلكتروني»).
عدم تطوير رؤية تاريخية له نتائج ميدانية عسكرية: على رغم أننا أَهملنا كل الملفات من أجل التركيز على الهدف المركزي، إسرائيل، لم نُنشئ مكتبة إسرائيلية تُعيد صياغة الإسرائيليين. اعتقدنا بداية أن مردّ ذلك خلل إداري، لكن لاحقاً نَكتشف أن الحزب لا يريد دراسة إسرائيل، بل يريد الاستثمار في صلابة العبارة. كيف للحزب حينها أن يَخوض حرباً أمنية وراء الحدود أو داخل إسرائيل؟ لا هو أَنتَج الإسرائيليين نصياً، ولا هو تمكّن من الحفاظ على علاقاته مع المحيط السنّي واليسار في العالم بعد الحرب في سوريا (حتى علاقتنا بالعلويين والموارنة تدهورت)، وهي البيئات التي كان يمكن ضمنها إيجاد عناصر متعاطفة (طبعاً الحزب حريص على عدم الاستثمار الأمني في البيئات الشيعية خارج الشرق الأوسط لأنها هشّة ولا يريد أذيتها).
حين غزا الاتحاد السوفياتي هنغاريا خريف 1956، كانت تلك عملية عسكرية بسيطة. لكن الاتحاد خسر معركته على المدى البعيد: أدّى الغزو إلى تجفيف مواطن التعاطف مع الشيوعية في «الغرب»، كان ذلك ليمرّ من دون نتائج لولا أن الاستخبارات السوفياتية ومنذ ستالين ركّزت على العنصر البشري، أي تجنيد عناصر متعاطفة في الغرب (فوخس رفض تلقّي المال لقاء إعطائه خريطة القنبلة النووية الأميركية للسوفيات، معتبراً ذلك واجبه الأخلاقي)، بينما الأولوية بالنسبة إلى الولايات المتحدة كانت فكّ شيفرات الاتصال السوفياتية (NSA). وفي حين دفع ذلك الأميركيين إلى صرف ميزانيات ضخمة لتطوير تقنيات الكومبيوتر، فإن السوفيات الذين أعطوا العنصر البشري الأولوية في استخباراتهم وَجدوا أنفسهم من دون بيئات تجنيد في الغرب بعد غزو هنغاريا، ولم يعد أمامهم سوى التجنيد بالابتزاز. وبدل أن يركّز السوفيات بعد هنغاريا على علوم الكومبيوتر فقد أَلغوا برامجهم لتطوير الكومبيوتر والتي كانت تنافس الولايات المتحدة (طوّر السوفيات الكومبيوتر الثلاثي «ternary»، الصفر والواحد والواحد السلبي، وهو يوفّر مساحة وطاقة، وكان لديهم رياضيّو احتمالات ومعلوماتية أساسيين، أندريه كولموغوروف وسيرغي لبديف وآخرون).
يتحدث تري بنكارد عن اللحظة التي قَدِمتْ فيها السفن الإنكليزية إلى كونيغزبرغ المحطة البروسية البعيدة على البلطيق لشحن الأخشاب، وهناك حصل التقاطع بين الفلسفة الألمانية المشبعة بالثيولوجيا والتصوف الشعري من جهة وقيم التنوير الإنكليزي والإسكتلندي من جهة أخرى، منتجاً بذلك إيمانويل كانط. بمعنى أنه يمكن فهم التحولات على أنها التقاء مؤسسات: عناصر من إرثٍ ما مع عناصر من إرث آخر انفكّ عن سلطته الأولى. في ظل انعدام الرؤية التاريخية والسياسية (وبالتالي الاقتصادية) لدى حزب الله (وإيران) جَلبت جريدةُ «الأخبار» الإرثَ السوفياتي المهمَل، المنسلخ عن أي سلطة تأويلية، إلى الحزب ومعه عناصر من الاقتصاد الماركسي. لا نتحدّث هنا عن يسار مؤيد لحزب الله، فهناك يسار (بمعظمه هوياتي) مؤيد للسعودية وآخر لقطر (وآخر لإسرائيل أو يَعمل في قناة الحرة)، بل عن تقاطع فرضته ضغوطات؛ رأينا كيف هرع حزب الله في اللحظات الأخيرة قبيل الانتخابات لصياغة خطاب سياسي- اقتصادي.
في هذا السياق بالتحديد بات لجريدة الأخبار أثرٌ بالغ في وعي حزب الله المستجدّ. لا بل أن جريدة «الأخبار» شَكّلت منصة لمثقفي الحزب غير الروحيين الذين كانوا يَشعرون بالهامشية ضمن التنظيم، فانحصر مجال المثقف العرفاني داخل التنظيم، ما يعزّز انفصال فضائَي (داخل/خارج) التنظيم. يسار جريدة «الأخبار» المشبعون بالتأثير السوفياتي لا يَكتبون على طريقة العديد من اليساريين الذين يَمدحون الحزب في تفصيل المقاومة ثم يتحيّنون الفرص للهجوم على فكره وخياراته السياسية. أَشعَرَ ذلك الحزب بالارتياح ما جعل دخول الجريدة إلى وعيه ممكناً وبالتالي ملأ فراغ الرؤية السياسية الاقتصادية بأخرى انسلخت عن سلطتها التأويلية (بالمناسبة، كان يمكن للحزب السوري القومي الاجتماعي ملء هذا الفراغ لكنه بدوره في أزمة أفق، إضافة إلى أن الإرث السوفياتي واليساري أغنى بكثير). يُحال إلى الدكتور عبد الحليم فضل الله عدة مرات من خلال مقالات حسام مطر حيناً ثم من خلال محمد زبيب بالاتجاه الآخر، ليشتدّ هذا النسيج المستجدّ فتُصاغ رؤية حزب الله للوضع الاقتصادي الداخلي من خلال منصة الأخبار.
لا بل إن «الأخبار» هي منصة للمتطرفين في دعوة الحزب إلى تغيير جذري في لبنان يكون أكثر عنفاً من تجربتَي الاتحاد السوفياتي والصين، وهو ما يروق لتنظيم أمني الطابع. أي أن التأثّر بالماركسية لم يأتِ على خلفية ثنائية (راديكالي/ معتدل) التقليدية التي كانت تُثير حفيظة الكثيرين في حزب الله. ما نحن باتجاهه الآن هو تصادم راديكاليتَين داخل الحزب: واحدة تغذّيها حرب سوريا محافظة جداً وتَدعو إلى استعادة لـ«نقاء الثمانينات»، وأخرى تغذّيها استعادة التجربة السوفياتية كما تقدّمها بشكل رومانسي جريدة الأخبار.
المشكلة أن هذَين التيارَين يحتفيان بالراديكالية، والمأمول أن يُنتِج صدامُهما حيويةً نصّية بدل أن يكون احتراباً استنزافياً.
من المؤسف أن مَنْ أعرفهم يَدرسون اجتماعيات واقتصاديات مؤسسة القرض الحسن (الإنجاز «المسكَت») هم زملاء «غربيون» وليسوا من بيئة الضاحية (ليست هناك دراسات عن دور صناديق القرض الحسن في تمويل الثورة الإيرانية 1979، بل نَكتفي بالتأويل التقليدي حول البازار). قد يبدأ تفعيل النقاش التاريخي وتثمير الصدام بين الراديكاليتَين من استحقاق له الأولوية: مراجعة الحرب السورية بعد أن انتهت فصولها الكبرى، لاحتواء ليس فقط محاولة الالتفاف الروسية بل أيضاً تفكيك مفاعيل الحرب التي تُكتَب حالياً (من دون مشاركتنا) لتكون مادة إشكالية مستقبلاً.
■ ■ ■

أردتُ لهذا المقال أن يكون بمثابة بيان ختامي لمشروع استمرّ لما يربو على عشر سنوات، لم أتمكّن خلالها من اختراق خرسانات حزب الله الذهنية والتناحرية الكثيرة (وما نما إلى مسامعي أن أحداً تمكّن من ذلك). أردتُه نوعاً من خريطة طريق لأي محبّ يودّ التعاون مع حزب الله من دون أن يبدأ من الصفر كما بدأنا.
* باحث لبناني