الإسلام كباقي الأديان، رسالة من الله للإنسان، يحوي كما غيره منظومة عقيدية وأخلاقية، في غاياتها النهائية تهدف إلى بناء الإنسان والحياة. وعندما يكون الدين رسالة، لا بد لها من أن تتساوق مع لغة العصر وتتفاعل مع المرحلة بما يبرز أصالتها وتماشيها مع متطلبات الزمن، ويؤكد مرونتها وحيوتها ويتناسب مع كونها لغة الوحي التي تبني إنساناً جديراً بالوجود ومُخاطباً من المطلق وهو الله تعالى.

من هنا لا بد أن تنفتح هذه الرسالة بما تحوي على كل إنتاجات الفكر والوعي البشري ومساهمتهما وتجاربهما العملية النافعة كي يكون الاقتناع بالدين مرتكزاً على وعي ناضج وتكون حركة الشعور الديني متحركة على أساس النضج الخطابي الديني الذي يحرك الكوامن في مواكبته لحركة التغيير والإصلاح، بعيداً عن الجمود والموات. وإن لم يكن هناك من خطاب متوازن، فذلك يعني وجود خلل ما في الشخصية في تواصلها عبر الزمن، مع ما تحمل من تراث يعبّر عن هويتها. هذا الخلل الذي نجده اليوم في واقعنا الصاخب بالأزمات والمشاكل على أنواعها، في ظل سيطرة خطاب اجتراري تبريري وذرائعي بعيداً عن توصيف الداء ووضع الاصبع على الجرح والعمل على المداواة الفعلية، خطابٌ غرائزي يبرز قساوة العنجهية وحب الأنا وحجم الاعتداد بالنفس. الحركة الإسلامية ليست بدعاً من الحركات، بل هي حركة للحياة. فإذا كان الدين عنصرَ معين ومرشداً للناس على مرّ الزمن، فلا بد من تحلّي من ينطقون باسمه بالحكمة في اختيار الطريقة والأسلوب التي بها تقارب اللغة الدينية وأزمات الواقع ومشاكله وتقدم الحلول من قلب التحدي وفق روح التشريع المفتوح على القراءات المتجددة، ولكنها قد تتحول في بعض الأحيان إلى عائق وعبء على مسيرة الاسلام عندما تلغي وجودها الفعلي عبر إلغاء دورها في التعبير الأصيل عن الحقيقة الحيوية للإسلام التي تضع قبل كل شيء نصب أعينها السعي وفق الظروف وضمن الإمكانات في حسن توجيه الإنسان وربطه بعنوان رسالته وقيمها ليجيد التصرف مع محيطه، لا أن تتحول الحركة الإسلامية إلى مجرد شعارات وعناوين فارغة همّها كيف تثير الغرائز المذهبية وكيف تحرك العصبيات خدمة لتكتيكات مرحلية على حساب المصلحة العامة في إيجاد مجتمع إنساني متصالح مع نفسه، كي نصل إلى مرحلة التعارف الذي يؤكد الرابط الحقيقي والعنوان الجامع لكل تنوعات البشر ومشاربهم.
فمن يقوم على رعاية الحركة الإسلامية، لا بد له من التنبه لأيّ خطوة، لأن الهدف الأساس هو إقامة العدل ونشره. فالعصبيات وإثارة الغرائز وقصور الفهم والتوظيف الخاطئ للمفاهيم وسيطرة لغة الذاتيات والمصالح تفقد أيّ حركة دينية أو غيرها مصداقيتها بين الناس وتذوي مع الوقت، لذا فإن الأحزاب والحركات الإسلامية في لبنان والمنطقة والعالم مدعوة إلى مراجعة أوضاعها التنظيمية على الأرض وتصحيح أخطاء البعض ممن يعربشون على الدماء والمنجزات، كذلك مراجعة خطابها اليومي والدعوي وتعاملها مع المواقف بمرونة وانفتاح كي تكون معينة للواقع على حل أزماته لا المساهمة في جهل البعض وقصوره وأهوائه في تراجعه وتكريس جموده وقوقعته، فتلك مسؤولية عظيمة أمام الله والتاريخ، خاصة الذين يتعنونون بعناوين دينية واسلامية ويطرحون أنفسهم كمخلصين ووعاظ للأمة.
هذا وقد كان الخطاب الاسلامي ولا يزال مثار أخذ ورد وكلام حول وضعه ومستقبله وخصائصه، وقد تعرض العلماء المعاصرون لذلك، ومن أبرزهم المرجع السيد محمد حسين فضل الله الذي أشار إلى إشكالات هذا الخطاب وما يتعلق بالحركات الإسلامية، داعياً إلى إعادة قراءة هذا الخطاب. فالقراءة الواعية تتطلب إنساناً واعياً لحدود ذاته ومواصفات بيئته، يملك إحساساً بالمسؤولية ومراجعة للحال وعودة إلى الذات للانطلاق من جديد بروحية مختلفة تبتغي التصحيح والنهوض والتغيير المطلوب المتناغم مع دعوة الله المفتوحة لعباده بأن يغيّروا ما بأنفسهم إلى ما يليق بها. من هنا لا بد من إعادة قراءة الخطاب الإسلامي وتحديث آلياته كي يصبح عنصر دفع وحركة نحو الآخر لا عنصر انكفاء على الذات وتأطيرها بأطر ضيقة. فالإسلام كرسالة يحتاج إلى الشمس المشرقة لا الاختباء في كهوف الظلمات. ترى كم من ظلمات نعيشها اليوم عبر كثير من النفوس النفعية والوصولية؟!
يوضح المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله الأساس الذي يقوم عليه الاسلام لنحدد بعدها مدى قرب أو بعد الحركة الاسلامية عن محاكاة الرسالة وتطبيقها بوعي وجدارة: «ثمة حقيقة حيوية في الاسلام هي أنه رسالة الله إلى الإنسان الذي أراد للرسول أن يجعل منها نوراً يخرجه من كهوف الظلمات إلى ساحة الشمس المشرقة الواسعة وهدى ينقذه من الضياع وذكرى ليتذكر حقائق الحياة والغيب والإنسان والدنيا والآخرة ونافذة على العقل والفكر من أجل وعي الذات والله والحياة».
ثم يأتي التعارف كقاعدة إسلامية وإنسانية عامة تؤكد أهمية التنوع في دفع دفة الحياة، لا استغلال هذا التنوع في تكريس الفواصل والحواجز بين البشر أو استغلالهم تبعاً للجنس والعرق واللغة والدين، وهو ما يشكّل تحدياً ليس للدين فحسب بل للبشر عموماً، لأنه يمنعهم من الإصغاء إلى فطرتهم في التواصل والحوار وصولاً إلى تعارف بنّاء يجعل من الناس كتلة موحدة متوحدة بالله تسير على خط الهدى وتنتفع من طاقاتها وإبداعاتها المتنوعة عبر تغلبها الفعلي على كل أنانية وجهل وتخلف، وترتقي إلى مستوى أن تكون قديرة بفهم سنن الله والسير بمقتضياتها، لا أن تستغل القوة في سبيل العنجهية وتكريس مبدأ أنا أو لا أحد، كما يحصل اليوم مع كثيرين من رجال دين وسياسة.
يقول السيد فضل الله تعليقاً على الآية القرآنية: (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) وهذه قاعدة إسلامية في النظرة العامة إلى الناس على اختلاف ألوانهم وقومياتهم وخصوصياتهم العائلية والجغرافية، فهي في الوقت الذي تؤكد فيه جانب التنوع في الخصوصيات العرقية واللغوية والنسبية والجغرافية ونحوها، فإنها لا تمنح أي نوع قيمة خاصة ترسم الفواصل بين الإنسان والآخرين، وتقوده إلى استعدائهم أو محاولة السيطرة عليهم بأي عنوان عرقي أو قومي. فما دام الدين كذلك، فإن أفعال البعض المرتكبة باسم الإسلام والتي تستعدي هذا التنوع وتجعل منه مطية لطموحاتها أو تنفيذاً لأجندات معلنة وخفية لا تندرج سوى في المخططات الهادفة إلى تطويع الناس لحساب من يملك القوة والسطوة في الظاهر، نقول في الظاهر لأن منطق الحق والزمان يقولان بأن هذه اللعبة الخبيثة من البعض ستصيبهم بنارها، فهي خطة شيطانية متلونة بشعارات دينية فضفاضة.
وربطاً بما تقدم، فقد ظلمت الحركة الإسلامية في صحوتها مرتين ولا تزال؛ مرة من قبل من يدّعي الانتماء إليها ولكنه لم يتابع مسيرتها بوعي، وبالتالي لا يؤثر في حركة الواقع كما يجب، ومرة أخرى من قبل تيار آخر يرى فيها مجرد صحوة تريد في الحقيقة إعادة الوضع إلى زمن الرجعية والتخلف. فالحركة الإسلامية تحتاج إلى جيل يعيش الصحوة فعلاً ويرى في صحوته انطلاقة إنسانية تدفع نحو الأصالة في خط الحرية، والمصيبة أن تتوقف مسيرة أجيال الصحوة وتبدأ هي الأخرى بالانغماس في الدنيا وملوثاتها، فهل من منتبه لما هو الحال؟ وحول هذه النقطة: «لا يزال العالم كله يعيش هاجس الصحوة الاسلامية الجديدة بين تيار يرى فيها انطلاقة إنسانية روحية جديدة تدفع الإنسان إلى الأصالة الروحية في خط الحرية الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تعمق إنسانيته وتؤكد حريته وتفتح الحياة كلها لثورة عميقة ممتدة في رحاب الله، وبين تيار يرى فيها عودة إلى الخلف والرجعية والتعصب وحركة إرهابية تعمل على تهديم الحضارة والرجوع إلى عهد البداوة وذلك من خلال فكرة الحكم الديني المطلق الذي لا يسمح بأي لون من ألوان الحرية الإنسانية».
إن السيد فضل الله يلفت إلى واقع مأسوي قد علقت به الصحوة الإسلامية، وحاول البعض أن يخنقها عبر التجنيات والمؤامرات وبأنها جاءت كي تعكر جو الحرية، مع أن الإسلام هو دين الحرية فلا عبودية حقيقية ولا طاعة حقيقية ولا فعل بشري حقيقي في القاموس الإلهي من دون تحرر وحرية أمام سطوة الذات من الداخل وأمام ضغوطات الخارج.

ما يحصل باسم الدين هو هجران هموم الواقع والانجراف نحو عوالم وهمية


وبقدر ما تكون الصحوة الإسلامية حالة واعية وراسخة ونابعة من عمق إيماني ورسالي هادف بقدر ما تصبح المصطلحات التي ربما يخاف منها البعض (إسلاميون – جماعات مسلمة... أو غير ذلك) مجرد كلمات عادية لا ينسحب الذهن معها إلى ما يحاول البعض وصمه بالإسلام من عناوين الإرهاب والتطرف والعنف، فهي تقدم النموذج الحي المريح الذي لا يقدر أمامه الآخر إلا الاحترام والتقدير والتفاعل.
حتى لو سلمنا بوجود صحوة إسلامية متوازنة في وقت من الأوقات فاليوم نجد تراجعاً في الفهم والتطبيق وسذاجه ربما ينفذ البعض ليستغلها في تحقيق مشاريعه ومآربه، فبات تسييس الدين وتديين السياسة أمراً مختلطاً لا يمكن ضبط حركتهما إذ أصبحنا الجهة التي تحدد انتماء الفرد وحتى سلامة علاقته بالله وكأنه حساب إلهي يجري بأيدي البشر باسم الله حيث تجري المبايعات والصفقات باسمه كسيف مسلط على رقاب خلقه، بالتالي غابت الصحوة الإسلامية الفاعلة المطلوب منها أن تكون حالة حركية تهز العقل والعاطفة والواقع في انطلاقة الإسلام في الحياة كرسالة تستوعب كل تطلعات الإنسان في الإيمان والحرية والعدالة كي لا يستغرق الإنسان في الغيب وينسج واقعه على أساسه اللامحدود والمشوش وعندها تغيب عملية التكامل الانساني لجهة بناء الاجتماع الإنساني فيما المطلوب إحياء قيم الاجتماع الإنساني على قاعدة البر والتقوى في تحمل الفرد والجماعة لمسؤولياتهم. هذه التقوى التي تنسحب على كل مشاعرنا ومواقفنا وسلوكياتنا بحيث تفرض الإخلاص في التوجه والعمل وتضبط النفس في أدق تعاملاتها وحركتها وفعلها. فصحوة الإسلام تقتضي صحوة الضمير عند المسلم وتدفعه كي ينطلق بهمة عالية نحو تعقل تصرفاته والتفكير بأسلمها ونفعها ونحو مشاعره بأن يهذبها بحيث يكون إنسان الرسالة في دعوته وأوضاعه ويخلق من فهمه الواعي لرسالته كل الأجواء التي يتنفس فيها معاني الإيمان والعدالة بشكل يترك الأثر العملي النافع الذي يحق الحق ويدفع كل مظهر من مظاهر الاعوجاج ويضمن قوة الثبات على خط الاستقامة التي أرادها الإسلام أن تحتضن كل أشكال الحياة.
ما يحصل وباسم الدين اليوم هو هجران هموم الواقع والانجراف نحو عوالم وهمية يصطنعها البعض لأنفسهم ويعطونها ما يتلبسها من نص شرعي لإضفاء القدسية عليها وهذا زيادة في الجهل. ويعطي السيد فضل الله التوصيف الملائم لحقيقة الصحوة وما يجب أن تكون عليه: «ليست الصحوة الإسلامية تعبيراً عن حالة شعورية تعيش في إحساس الإنسان المسلم بأنه يعيش حالة يقظة بعد نوم طويل أو بعد سكرة مطبقة بل هي تعبير عن حالة حركية تهز العقل والعاطفة والواقع في انطلاقة الإسلام في الحياة كرسالة تستوعب كل تطلعات الإنسان في الإيمان والحرية والعدالة ليبتعد عن الهامش الذي يقف به خارج نطاق الواقع فيدخل في العمق ويتحرك في الامتداد ليصل إلى التكامل الفكري والعملي».
وعندما تنغلق التنظيمات التي تعتبر نفسها إسلامية على عصبيتها الحزبية أو الجهوية، وبالتالي تصبح منفصلة عن القضايا الجوهرية للأمة، تصبح هذه التنظيمات غريبة على الأمة وتسيء إليها وتعيش بالتالي على جهالة البعض منها وتحاول أن تستحضر وتحشد كل الشعارات والعناوين لتأكيد روحها وحيويتها ولكنها في الواقع ميتة لأنها لا تعبّر عن تطلعات الأمة الحقيقية ولا عن أصالة رسالتها ولا على ما تبتغيه من علاجات وحلول لمشاكلها.
إن الانغلاق ضد مقتضى الفطرة والحرية وجه من وجوه الكفر العملي. عندما تجعل المرء يتغذى على الأنا المريضة وينشد لحسابات من أجل إشباع نفسه ولو كان ذلك مخالفاً لإرادة الله، فالرسالة هي فوق كل اعتبار جهوي وعائلي وحزبي حيث الانتماء يصبح للمطلق وهو الله الذي يريدنا أن نكون متعالين عن كل قيود تشل حركتنا وفكرنا وتحرمنا من الانطلاق في فضاء الإنسانية العام المفتوح على الوجود كله.
«إن إبعاد أنفسنا عن التأطر بالعصبيات المختلفة لهو حياة لنا ونقطة انطلاق هامة ومفتاحية لولوج عالم الله الحر واستحقاق الانتساب إلى الإسلام بجدارة، فالعصبية المقيتة موت تجعلنا نوهم أنفسنا أحياناً بأننا أقوياء ونبدأ بتزيين الباطل على أنه حق وهذا غاية الدمار ومقدمة الفناء الذاتي ونكون بالتالي مصداقاً لقوله تعالى (صم بكم عمي فهم لا يعقلون) البقرة :171، فما هو يا ترى وضع من يدعي صحوة ورسالية أمام نفسه وأمام الله، وهو عملياً من الذين لا يعقلون لا نهجاً ولا فكراً ولا طريق حياة؟!».
وربما كان من الضروري أن نلفت الأنظار إلى ضرورة العمل على إبعاد التنظيمات الإسلامية عن العصبية الحزبية المنغلقة في الدائرة الصغيرة التي تؤكد فيها الانفصال عن الجماهير الواسعة للأمة في الساحات الأخرى أو المجالات الأخرى. لذا من أهم ما يجب أن يتصف به الأسلوب الإسلامي «الحكمة» التي تضع الأمور في مواضعها السليمة التي تلامس قضايا الواقع المعاصرة بكل شفافية ووضوح خاصة في المسألة السياسية التي تحفظ للواقع سلامته وللمجتمع كينونته وأصالته بحيث ينطلق هذا الخطاب من فهم دقيق وعميق لكل جوانب المسائل ويجترح لها الحلول الناجعة التي تصوب الذهنية وتخاطبها بلغتها وانطلاقاً من قلب همومها وطموحاتها وبما يلبي حاجاتها ويدغدغ أمانيها وآمالها، عكس ذلك يعني خطاباً مستهلكاً فارغاً يصبح مع الوقت أسلوب قتل لروح الناس ومساهم في تلبيد أجوائهم وتسميم وعيهم ومحاصرته ودوسه مما يحدث نقمة وضيقاً ورفضاً عند الناس، خصوصاً إذا كان هذا الأسلوب محسوباً على الرسالة كمقدس له نكهته الخاصة لدى الناس وله مكانته في قلوبهم ومشاعرهم وعقولهم.
فالصحوة الإسلامية لن يكتب لها النجاح ما لم تتحلَ بحس المعاصرة التي تنفتح بالذهنية على روحية الرسالة ومفاهيمها التي تحتوش الحياة بكل قلقها، فالخطاب الإسلامي هو المتفهم لحقيقة المشاكل ولتاريخ المجتمع ولهمومه ولتطلعات أناسه التي يطمحون لها بحيث يعمل هذا الخطاب على تكريس الصحوة وغرسها كمنهج حياة وليس كآلية ظرفية تخمد ثم تعود للفوران.
ويوجّه المرجع الراحل إلى مسألة المعاصرة في الخطاب وأهميتها في صوغ شخصية رسالية تقتحم الحياة بكل تحدياتها تعصرن مفرداتها القادرة على الولوج إلى صميم مشاكل الواقع وهمومه محاولة المعالجة وتهدئة القلق فيه: «وهكذا نطلّ على الأسلوب بالمعنى العام الذي قد تختزنه كلمة الحكمة، ولكنه قد يحتاج إلى بعض التفاصيل، فنحن بحاجة إلى أن يكون للخطاب الإسلامي في ذهن الذي يطلقه، إلى جانب القيمة الفكرية والسلامة الفكرية ـ حسّ المعاصرة ـ الحسّ السياسي الذي يجعله يلتقط المسألة السياسية في الواقع، ليخضعها للمسألة السياسية في الإسلام، في عملية امتصاص قد لا يستطيع الفكر أن يحتويها، ولكن يمكن للقلب أن يحتويها، ليعبّر عنها بطريقة فكرية أو عاطفية».
وهكذا، نجد أنه لا بدّ من حسّ اجتماعيّ، بحيث يعيش الإنسان من خلاله في مجتمعه، وهو يتمثّل في شخصيته الإحساس بمجتمعه بالمستوى الّذي يستطيع أن يتفهّم خلجات المجتمع ونبضاته وإيحاءاته، حتى في الجوانب الحميمة من علاقاته، لكي يتمكّن من خلال هذا الحسّ الاجتماعيّ، أن يملك الكلمات التي تمثّل الخطاب الإسلاميّ ـ الاجتماعي، وليدخل إلى عمق الشخصية الاجتماعية بشكل ميسّر، لا يثير أية مشاكل مما يمكن أن يثيره الناس الذين يطلقون الكلمة من خلال التجريد، بعيداً من الواقع الذي تتحرك فيه.
وهكذا، قد نلاحظ في هذا المجال، أنّ الإنسان الذي يوجّه الخطاب السياسي، يمتلك حسّ المعاصرة، بحيث يفهم عصره من حيث تطلّعاته وخطوطه وأوضاعه العامّة على كلّ المستويات، لأنّ الإنسان الذي لا يفهم عصره لا يستطيع أن يفهم لغة الناس الذين يخاطبهم، فالمعاصرة لغة، واللغة ليست مجرّد حالة صوتية بل هي حالة ذهنية.
وعلى هذا الأساس، لا بدّ للخطاب الإسلامي السياسي من أن يملك حسّ المعاصرة، ليستطيع الإنسان أن يخاطب عصره من خلال ذوق العصر وفهم العصر وإحساس العصر، ولا أقول أن يسقط الإنسان أمام تأثيرات مفاهيم العصر، ولكن أن يتحرك من خلال وعيه لذهنية العصر التي تمثّل نقاط الضعف والقوّة في شخصية العصر كله، وهذا هو الذي نستوحيه من قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}. فإننا نفهم أنّ على الإنسان أن يتحدّث في خطابه الإسلامي بالطريقة التي يستطيع أن يحوّل فيها أعداءه إلى أصدقاء. ومن الطبيعيّ أنّ ذلك يفرض الكثير من الدقّة في الفكر والإحساس والأسلوب واللغة والحركة وإطلالة الشخصيّة التي تتحرك في واقع الناس، من أجل أن تجتذب ما لا يستطيع أن يجتذبه الكلام.
بعدما تقدم علينا أن نفكر كمسلمين وبحجم الإسلام في رسالته لا كسنّة ولا كشيعة منغلقين على مذهبيتهم الضيقة ولا كحزبيين منغلقين على تحزبهم الأعمى، فعندما نفكر بحجم الإسلام ونتوحد حول قضايانا الكبرى ونتناسى بعض الخلافات التاريخية التي لا ثمار لها اليوم سوى بقاء حالة التشرذم والتنازع نستطيع أن نخرج من المذهبية والحزبية الضيقة إلى فضاء الأمة في حفظ مصالحها ووجودها، واستحقاق الانتساب إلى كلمة الله المتجسدة في رسالاته، وعكس ذلك يعني الاستغراق في الغفلة والوقوع في الخطيئة الكبرى التي تحرف الإنسان عن طبيعته الأصيلة وتضعه في مكان آخر يتصف بالتصحر والموات وهو ما يخالف إرادة الله في أن يكون كدح الإنسان نحوه متصفاً بالحيوية ويضج بالحياة التي تبعث على العزة والكرامة.
نقطة أخرى هامة ألا وهي ضرورة العمل على مشروع نماء الإنسان من النواحي كافة كي نرفع من مستوى وعيه وحضوره ويكون أكثر فهماً لما يحصل ويحدث من حوله. فالنماء الإنساني من القضايا الهامة التي هي مظهر بارز من مظاهر حاكمية الإنسان على ذاته والوجود من حوله وهذا مما لا بد للحركات والأحزاب على أنواعها وعيه بدقة ومسؤولية إذ علينا جميعاً العمل من أجلها تخفيفاً لمآسي الواقع التي لا تنتهي، إذ هو عملية مستمرة لمحاسبة الذات وتصحيح الخلل والنهوض من أجل التجديد المستمر والفاعل في كل مناحي الحياة والخروج من ظلمات النفس وجهالاتها وقيودها ومحدوديتها وأنانياتها المريضة والقاسية. إن النماء تتحدد درجته ومستواه من خلال الأساليب والذهنيات التي وصل إليها الإنسان وبها يعبِّر عن درجة تطوره وترقيه في مقاربة قضايا وجوده وحجم تمثله لمفاهيم رسالته وقيمها التي تخاطبه وتستثير كوامنه كل آن. وللأسف فإن هذا العصر الذي تختلط فيه القيم مع المصلحة ومع هذا الصخب والفوضى في الفهم والتفاعل فإن الأمة في مسيرتها ووجودها في خطر كبير وما الانقسامات والتشرذم حتى بين أبناء المجتمع الواحد إلا مثل حي لكل ذلك النفاق والتكاذب والزيف والخداع.
* أكاديمي وحوزوي