انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي المُبرَم مع إيران في عام 2015 سيترك آثاراً بعيدة المدى على الأمن الدولي، ولكن تأثيره الأكبر سيكون على التفاهمات الإقليمية التي كانت إيران جزءاً منها في المرحلة الأخيرة. أبرَزُ هذه التفاهمات هو اتفاق أستانا الذي وفَّرَ إطاراً ممكناً لتقليص رقعة الحرب السورية بعد ما كانت قد انتشرت قبل التدخُّل الروسي على امتداد مساحة البلاد. الاتفاق أعقَبَ فشَلَ التفاهمات الروسية الأميركية - قبيل نهاية ولاية أوباما- في الوصول إلى حلٍّ كان قد جرى التفاوض عليه مراراً بين وزيري خارجيتي البلدين (سيرغي لافروف وجون كيري)، ولم يفضِ إلى نتيجة بسبب تعذُّر الفصل بين المعارضتين «المعتدلة» و«المتطرِّفة». عدم قدرة الأميركيين على ضبط هذه المسألة استُعيضَ عنه بالمقاربة التركية التي تملك تأثيراً أكبَرَ على المسلَّحين، وتستطيع بفضل العلاقة المتكافئة مع إيران وروسيا تقديمَ مَخْرَج إقليميّ ومُتّفقٍ عليه لأزمة المعارضة المسلحة. مخرجٌ ينهي الاقتتال جزئياً، ويؤمِّن انخراطاً أكبرَ من جانب المجموعات المسلحة في تجميد العمل العسكري، على أن يكون ذلك تمهيداً لمساهمة فاعلة من جانب هؤلاء في التسوية التي يرعاها اتفاق أستانا، وهو ما حصل بالفعل.


بنية أستانا
الاتفاق الذي صاغته الثلاثية الروسية التركية الإيرانية يقوم على بنية معقَّدة، ويتطلَّب مشاركة الأطراف جميعاً في إرسائه، بحيث تكون المساهَمة متناسِبة مع انخراط المجموعات التابعة لكلّ طرف على الأرض. على هذا الأساس وُزِّعت الأدوار عسكرياً وسياسياً بين الأفرقاء الثلاثة، فوفّرت روسيا الغطاء الجوّي للقوّات العاملة على إخراج «داعش» و«النصرة» من التسوية، وتكفّلت إيران في السياق نفسه بتقديم الدعم اللوجستي والعسكري لقوّات النظام وحزب الله على الأرض، على أن تقوم تركيا وفقاً للصيغة المُتَّفق عليها برفع الغطاء عن «النصرة» في كلّ الجبهات المشمولة بالتفاهمات الثلاثية. أفضَت العملية إلى تخفيض المجهود العسكري، وإغلاق الجبهات التي كانت تصعِّب، بسبب اتساعها واستنزافها للجميع، انخراط الأطراف في التسوية، ولكن قبل الانتقال إلى التفاوض على صيغة سياسية «للحلّ» في أستانا كان لا بدَّ من فتح قناة بين النشاطين العسكري والسياسي. تركيا وإيران لا تستطيعان القيام بذلك بسبب انخراطهما الميداني إلى جانب النظام والمعارضة، لذلك تولَّت روسيا القيام بهذه المهمّة عبر مركز المصالحة في «حميميم»، إذ تمّ عبره إنشاء بنية انتقالية للتسوية تقوم على الربط بين انتهاء الأعمال العسكرية ومباشرة تسوية أوضاع المناطق التي خرجت من نطاق القتال. هذه القناة كانت ضرورية ليس فقط لإيجاد مخارج للعمل العسكري المباشر، بل أيضاً لتسهيل التواصل بين الأطراف التي انتهت للتوّ من القتال، حيث كان الروس يتولّون بشكل مباشر إخراج غير الراغبين في التسوية إلى مناطق أخرى، وإبقاء من يريد في الداخل مع ضمانات بعدم التعرُّض له. وهنا لعبت الشرطة العسكرية الروسية دور صمّام الأمان، إلى حين الانتهاء من آثار المرحلة السابقة، ومعاودة اقتناع الناس بأدوار مغايرة للنظام، لجهة استئناف العمل الخدمي وعودة مؤسّسات الدولة إلى هناك على أسس جديدة.

فتح أفُقٍ سياسيّ
التسوية السياسية النهائية لا تعتمد على أستانا بشكل أساسي، ولكن الجمود الذي أصاب محطّاتها المتعاقبة في جنيف كان سيقود بالضرورة إلى انسداد يتعيَّن لاحقاً التعامل معه بشكل أكثر فاعلية. الافتقاد الى الفاعلية في الإطار الثنائي بين الولايات المتحدة وروسيا هو الذي جعل من أستانا محطّةً أساسية على طريق التسوية. الإطار الإقليمي بين دول منخرطة في القتال على نحو واسع وشريكة أساسية إما للنظام أو للمعارضة أخرج التسوية من الانسداد، ولكن ليس باتجاه الحلّ بالضرورة، بل في إطار «تحريكها عسكرياً» على أمل أن يقود خفض التصعيد أو القتال الذي أُُقرَّ في العاصمة الكازاخستانية إلى إيجاد أرضية أفضل للتسوية لاحقاً. هذه المرّة، العمل العسكري الذي قادته الدول الثلاث الراعية لأستانا كان مضبوطاً - وإن تخلَّلَته جرائم هنا وهناك-، ولم يقُد إلى فوضى شاملة كما حصل في بداية الأحداث، وهذا ما كان يفتقر إليه الإطار الثنائي بين روسيا والولايات المتحدة. تدخُّل أميركا عسكرياً إلى جانب المعارضة لم يحصل وفقاً لرؤية سياسية شاملة ولذلك مُنيَ بالفشل سواءً في إسقاط النظام أو في إيجاد بديل مقبول له. في حين أنَّ التدخُّل الروسي كان منذ البداية مرتبطاً بمشروعٍ للحلّ، وحتّى عندما كانت تُدمَّر أحياء أو مدن بسببه كانت الخطط جاهزة للتعويض على السكّان، وغالباً ما كان يلقى المجهود الروسي قبولاً حتى لدى أكثر جهات المعارضة تطرُّفاً. في المقابل، عدم القبول بالمساهمة الإيرانية ضمن إطار أستانا أو اشتراط ألا تكون أساسية لم يقلِّل من أهمية الدور الذي تقوم به طهران في التسوية، وعلى الأرجح أنَّ مساهمَتها كانت سبباً لتوسيع انخراط تركيا في أستانا، على اعتبار أنهما شريكان إقليميان في ملفّات أخرى لا تقلُّ أهميةً عن الملفّ السوري (العراق تحديداً). وشراكتهما هذه الى جانب الدور الروسي ساعدت بالإضافة إلى حلحلة الملفّ السوري قليلاً في ضبط الصراع في الإقليم، بحيث تصبح مساهمة دول المنطقة فيه أساسية بدلاً من استفراد الولايات المتحدة بملفّاته وأخذها الواحدة تلو الأخرى إلى التصعيد والانفجار.

خاتمة
هذه الشراكة الإقليمية مهدّدة الآن بالانفراط على ضوء انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. وحتى لو كانت تداعياته اقتصادية بشكلٍ أساسيّ، ومحصورةً مبدئياً بتضرُّرِ إيران تجارياً من العقوبات التي ستتزايد وتيرتها وشدَّتها تباعاً، إلا أنَّ تأثيرها السياسي سيكون موجوداً أيضاً. فالعقوبات الاقتصادية ستتبعها عزلة سياسية، والعزل لن يقتصر على الولايات المتحدة بل سيشمل دولاً كانت قد استفادت من إقرار الاتفاق لمعاودة استئناف شراكتها التجارية مع إيران. الولايات المتحدة لن تسمح باستمرار النشاط التجاري مع إيران من جانب حلفائها وستعمد إلى توسيع إطار الانسحاب، بحيث لا يبقى أحادياً فحسب، بل يتحوَّل إلى إطار جماعي وربّما إلى «تحالف دولي ضدّ طهران». المغزى السياسي «لتحالفٍ» كهذا هو الذي يهدِّد التفاهمات السياسية في الإقليم ويضعها في سياق متغيِّر. بهذا المعنى ليس اتفاق أستانا وحده هو المهدَّد، بل التسوية السورية برمِّتها، بالإضافة إلى مصير الحرب ضدّ «داعش» التي سيحصل تحويرٌ في بنيتها، وربما تنتهي بعد تغيُّر التحالفات على ضوء انهيار الاتفاق إلى «حربٍ» بالوكالة أو بالأصالة ضدّ طهران.
*كاتب سوري