هناك حركات تلمس بداية انحسار مدّها من خلال أحداث مفصلية تطلق صفارة بدئها: الخامس من حزيران/ يونيو 1967 بالنسبة للمدّ القومي العروبي، والثالث من تموز/ يوليو 2013 بالنسبة للمدّ الإسلامي. استغرق المدّ العروبي عقداً ونيفاً من السنوات بدءاً من حرب 1956، فيما استغرق المدّ الإسلامي ثلث قرن منذ انتصار الثورة الإيرانية ووصول آية الله الخميني للسلطة يوم 11 شباط 1979.


لا يظهر الانحسار فوراً بل يكون بدؤه أحياناً خفياً أو تكون هناك علامات تظهر العكس، مثل وصول حزب البعث إلى السطة في بغداد عام 1968، إلا أن المجرى العام للانحسار العروبي، البادئ في القاهرة، ظهرت قوته من خلال بدء صعود الموجة الإسلامية التي بان زخمها في السبعينيات ثم تحولت إلى مدٍّ شمل المنطقة الممتدة من الجزائر إلى باكستان ومن اسطنبول إلى صنعاء.
لم يستطع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان أن يدشّن بداية المدّ الكردي في المنطقة من خلال مجابهته البادئة مع السلطة التركية منذ يوم 15 آب 1984، برغم الثقل الأكبر ديموغرافياً لأكراد تركيا بالقياس بالعراق وإيران وسوريا. يبدو أن هزيمة الملا مصطفى البرزاني أمام بغداد، وهزيمة الشيخ عزالدين الحسيني ــ عبد الرحمن قاسملو أمام طهران الخميني في عامي 1979-1980، قد جعلت من غير الممكن تحول «الأوجلانية» إلى مدّ إقليمي مثلما حصل مع الناصرية. برغم هذا استطاع أوجلان أن يكسر ثنائية البرزاني ــ الطالباني التي كان لها منذ عام 1964 امتدادات سورية وتركية وإيرانية، وأن يفرض تثليث تلك الثنائية كردياً في البلدان الأربعة. لم تمت الأوجلانية برغم الضعف الذي أصابها في فترة ما بعد اعتقال أوجلان عام 1999.
هنا، جاءت بداية المدّ الكردي بفعل ليس داخلي بل خارجي مع الاحتلال الأميركي للعراق وبحيث يمكن تحديد بدئه منذ يوم الأربعاء التاسع من نيسان 2003 الذي سقطت فيه بغداد بفعل دبابات واشنطن: كان من غير الممكن تصور إمكانية حصول أحداث القامشلي يوم 12 آذار 2004 من دون الزلزال العراقي الذي كانت تلك الأحداث السورية من توابعه، والتي شكلت بداية جنينية لمدّ كردي سوري لم تبن معالمه إلا في فترة الأزمة السورية التي استغل الفرع السوري لحزب أوجلان، أي حزب «الاتحاد الديموقراطي»، شقوقها ومنعطفاتها وخاصة دريئة «داعش» من أجل فرض أجنداته كلاعب رئيسي بما يتجاوز حدود الأكراد السوريين الديموغرافية التي لا تتجاوز (مع المحرومين من الجنسية في فترة 1962- 2011) نسبة 7-9% من السكان فيما العرب 90% من السكان (انظر «روزنامة العالم»، نيويورك 2010، ص 842)، وحيث الأكراد ليسوا أكثرية سكانية في أي محافظة سورية بما فيها الحسكة، وهم ليسوا متجاورين جغرافياً بخلاف البلدان الثلاثة الأخرى. حصل مد كردي مماثل في إيران وتركيا على وقع المد الكردي العراقي ولكن أيضاً كان ملفتاً أنه كان من خلال الامتدادات الأوجلانية مثل سوريا، عبر (حزب PJAK ـ حزب الحياة الحرة لكردستان) في إيران المؤسس عام 2004 ثم الطبعات التركية لحزب العمال الكردستاني التي وصلت في انتخابات برلمان السابع من حزيران 2015 لأن يصل (حزب الشعوب الديموقراطية ــ HDP) إلى حدود 13% من مجموع الأصوات.
يظلّ العراق نموذجياً كمنصة من أجل دراسة الحركة الكردية منذ تمرد الملا مصطفى البرزاني على حكم عبد الكريم قاسم بدءاً من 11 أيلول 1961: كان هناك تشجيع بريطاني ــ أميركي ــ إيراني لهذا التمرد ما دام قاسم قد لامس التحريمين الممنوعين على كل حاكم لبغداد: النفط بامتيازات شركة نفط العراق زائد الكويت. عندما حصل اتفاق العاشر من شباط 1964 بين الملا البرزاني وسلطة عبد السلام عارف في بغداد، شجّع شاه إيران بتشجيع انشقاق ابراهيم أحمد وجلال طالباني عن البرزاني بعد شهرين وكان الاثنان في تشرين ثاني 1963 قد دشنا الاتصالات الكردية مع تل أبيب عبر السفارة الإسرائيلية في باريس. دخل الملا البرزاني بدوره في علاقات لاحقة مع إسرائيل عبر رئيس الموساد مائير عميت (1963-1968) الذي زار شمال العراق مراراً، وكان ضابط الارتباط معه هو ديفيد كيمحي الذي أصبح بالسبعينيات المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية. كان هناك مشكلة كردية مزمنة رافقت العراق منذ نشوئه كدولة عام 1921، ولكن كان أكراد العراق عبر قيادتهم السياسية التي ظلت ذات جذور اجتماعية قوية بفرعيها البرزاني والطالباني، تمد أيديها للخارج من نوافذ البيت العراقي طوال فترة 1961-2017، برغم أنها في دستور السلطة القاسمية 1958-1963 قد أخذت نصاً يقوم بجوهره على عبارة «العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن» وأخذوا في اتفاقيات 10 شباط 1964 و11 آذار 1970 مع بغداد وفي دستور 2005 العراقي ما يحلم به كحد أقصى سكان ديار بكر ومهاباد.


تعامل البرزانيون والطالبانيون مع الأفكار السياسية بطريقة استعمالية

تعاون الاثنان، أي الملا مصطفى البرزاني والطالباني، مع شاه إيران ومن ثم الطالباني ومسعود البرزاني مع الخميني، وعندما طرحت واشنطن نفسها ضد بغداد منذ حرب 1991 كانا رأس الحربة العراقية في الاستعانة بالخارج الأميركي. تعامل البرزانيون والطالبانيون مع الأفكار السياسية بطريقة استعمالية تشبه طريقة استعمال الأحذية أوالتاكسي: استعملوا الماركسية في فترة تحالف القاضي محمد والملا البرزاني مع ستالين أثناء قيام جمهورية مهاباد بإيران 1945-1946 وعندما باع الكرملين «جمهورية مهاباد» مقابل بولندا كان المنفى السوفياتي عند الملا حتى عودته لبغداد في خريف 1958 وتسكين قاسم له في بيت نوري السعيد فترة انتقال نحو نقل البندقية من اليسار إلى اليمين وللتحالف مع واشنطن وتل أبيب وطهران التي كان محكوماً غيابياً منها منذ أيام مهاباد بالإعدام.
في عام 1975 أسس جلال الطالباني وأنوشرون مصطفى حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني»، ورفعا شعارات ماركسية أمام البرزاني المهزوم بفعل اتفاقية السادس من آذار 1975 في الجزائر بين صدام حسين وشاه إيران، ولكنهما في أيار 1983 وكقربان للتقرب أثناء مفاوضات مع صدام حسين قاما بمجزرة منطقة بشتاشان في شمال العراق، حيث المقار القيادية للحزب الشيوعي العراقي، التي قتل فيها مئات الشيوعيين العراقيين. في فترات لاحقة شارك الطالباني والبرزاني في عمليات حربية مع إيران أثناء الحرب مع العراق. عند البرزانيين والطالبانيين شعار: «لا وسواس أمام أي وسيلة والهدف كل شيء». ينطبق الشعار الأخير على يساريين أكراد وعرب سوريين يسوغون التظلل بالبندقية الأميركية وبالقواعد الأميركية في سوريا. في فترة ما بعد التاسع من نيسان 2003 أظهر مسعود البرزاني الكثير من الشبه ببن غوريون ولكن من دون ذكاء الأخير: يقوم دستور 2005 في المادة 140 تجاه» المناطق المتنازع عليها «على أساس ما ينص عليه (قانونا إدارة الدولة العراقية الانتقالي لعامي 2003 و2004) اللذان يحدد أن حدود المحافظات العراقية وفق ما كان قائماً في يوم 19 آذار 2003 بما فيها محافظات إقليم كردستان الثلاث. في أثناء الغزو الأميركي تجاوز البرزاني ذلك ثم في فترة الاحتلال توسع أكثر وهناك مؤشرات كثيرة (وقد اتهمه نوري المالكي بذلك) على أنه كان مسهلاً لـ«داعش» غزوتها للموصل في يوم العاشر من حزيران 2014، حيث مارس شهيته التوسعية مستغلاً دريئة «داعش» لكي يستولي ليس فقط على «الأراضي المتنازع عليها» بل أكثر. في أحد تصريحاته عام 2014 يتكلم عن أن «حدود الإقليم هي حدود الدم» في تذكير ببن غوريون الذي يقول بأن «الحدود حيث يقف جيش الدفاع الاسرائيلي».
في الفترة نفسها وفي سكرة قوته أثناء ضعف بغداد بتأثير ما فعلته «داعش» في الموصل قال ما يلي: «المادة 140 قد تم تنفيذها» في إشارة إلى نزعته نحو فرض «الوقائع» بالقوة لكي تتحول بفعل ذلك إلى «حقائق سياسية». يشبه البرزانيون الصهاينة في نزعتهم التمرحلية حيث يعتبرون المراحل سلماً تصاعدياً نحو «الهدف الأعلى» وفي هذا يشاركهم الكثير من الساسة الأكراد.
خلال المد الكردي الذي عم المنطقة بمفاعيله خلال 14 عاماً ونصف كان هناك الكثير من المؤشرات بأن الحمولة أثقل من الحامل: عبر الخطوة التي قام بها مسعود البرزاني يوم 25 أيلول 2017 للدعوة إلى استفتاء الانفصال، بتشجيع من دوائر غربية في واشنطن ولندن ومن تل أبيب ومن دول عربية مثل دولة الإمارات، بان أنه أقدم على خطوة انتحارية شبيهة بتلك التي قام بها صدام حسين في الكويت يوم الثاني من آب 1990. اضطر الجميع دولياً وإقليمياً للتخلي عنه وتركه وحيداً، حتى وإن كان الكثيرون بقلبهم معه بعدما جربوه كميزان حرارة لقياس مدى قابلية أو مقاومة دول ومجتمعات الإقليم لعملية تغيير الخرائط. عندما حصلت خطوة بغداد في كركوك 16 تشرين أول 2017، وهي كانت بتشجيع من طهران التي أطلق ترامب مواجهته معها في خطاب 13 تشرين الأول، مارست عائلة الطالباني دور بروتوس وبانت هشاشة البناء الكردي العراقي.
هناك الكثير من المؤشرات على أن ما حصل في كركوك (التي سماها يوماً مسعود البرزاني بـ«قدس الأكراد») بيوم الاثنين 16 تشرين أول 2017 هو بداية انحسار المد الكردي بعموم المنطقة البادئ في بغداد منذ يوم الأربعاء التاسع من نيسان 2003. لن تدفع أربيل فاتورة ذلك فقط بل أيضاً مهاباد وديار بكر والقامشلي.
* كاتب سوري