انتهت الانتخابات العشرون المبكرة للـ«كنيست»، بفوز واضح للأحزاب الأكثر صراحة وانكشافاً في عدائها للشعب الفلسطيني ولجماهير المقاومة العربية، ولكلِّ المدافعين عن سيادة الشعوب وكرامتها.

وهكذا استمرت هذه الأحزاب والقوى في تسيّد المشهد السياسي والأيديولوجي في كيان المستعمرين، خاصة أن التعبيرات الفاشية التي حملتها خطابات قادة التشكيلات الحزبية، قد أعادت للعلن تظهير الحالة المرضية، من خلال انفلات الغرائز التي تطلبتها عملية تسخين أجواء الانتخابات، لكسب المزيد من الأصوات، كما حصل في المهرجانات الخطابية للـ«معسكر الصهيوني» وحزب «الليكود». ولهذا، فإن الإشارة إلى ما اصطلح على تسميته تمويهاً وتضليلاً «يميناً ووسطاً ويساراً»، يأتي انسجاماً مع ما يتداوله الإعلام، فقط، لكونهم جميعاً مستعمرين لوطننا، لا فرق بين يمينهم ووسطهم ويسارهم!

ومع إعلان النتائج الأولية، سقطت كل الرهانات الساذجة التي ساورت قوى وحكومات محلية وإقليمية ودولية، في تفضيل فوز تحالف حزب «العمل» بقيادة هرتزوغ وحزب «الحركة» بقيادة ليفني «المعسكر الصهيوني»، حيث لم تكن تلك التشكيلة من المراهنين - المحليين والإقليميين - بحاجة لصدمة جديدة توقظها من حالة العجز والإذعان، لأن ارتباط مصالحها السياسية والاقتصادية وارتباطاتها بالمركز الإمبريالي، يدفعها إلى القبول بما يسعى إلى تحقيقه ساكن البيت الأبيض.

أزمات حكومية متجددة

كشف قرار نتنياهو وحزبه في الذهاب لانتخابات المبكرة، عن أزمة حادة داخل الائتلاف الحكومي للعدو تجاه عدد من القضايا السياسية والاقتصادية - الاجتماعية، خاصة، مع «إسرائيل بيتنا» بقيادة ليبرمان، و«البيت اليهودي» بقيادة بينيت، ولم يكن حزب «يوجد مستقبل» بقيادة ليبيد بعيداً عن الأزمات المتلاحقة.

المرحلة القادمة تتطلب موقفاً وطنياً فلسطينياً، واضحاً وحاسماً، لمجابهة استحقاقات المرحلة الراهنة

وإذا كانت العديد من التحليلات واستطلاعات الرأي قد أشارت إلى احتمال الفوز المنتظر للـ«معسكر الصهيوني» - الذي يحلو للبعض تسميته «تحالفَ اليسار» - انطلاقاً من انفراط عقد الائتلاف، واستشعار حالة التململ داخل المعسكر اليميني، «بعلمانييه» (استقالة كحلون وقيادات من «الليكود» وتشكيل حزب «كولانو»)، ومتدينيه (أزمات حركة «شاس» وتشكيل إيلي يشاي حزب «ياحاد»)، التي أظهرت عجز «الليكود» وزعيمه عن تحقيق انتصارات على أكثر من صعيد، إلا أن النتائج النهائية أكدت عودة نتنياهو وحزبه بـ30 مقعداً للكنيست من أصل عدده الإجمالي البالغ 120 مقعداً، إذ صوت له ما يقارب مليون مقترع من مجموع يتجاوز أربعة ملايين بقليل ممن أدلوا بأصواتهم، فيما حصد تحالف هرتزوغ/ ليفني 24 مقعداً، وهو ما يشير إلى حقيقة المشهد البرلماني والسياسي طوال العقدين الأخيرين: انتشار الأيديولوجيا الفاشية وتعمقها داخل التجمع الاستعماري.

مكافأة لبرنامج الفشل

أضاءت النتائج على التغيرات الواضحة في طبيعة الاصطفافات المتقلبة داخل الأحزاب والحركات السياسية مع كل موسم انتخابي، حيث تراجعت حصة «إسرائيل بيتنا» من 12 مقعداً بالكنيست السابق إلى ثمانية مقاعد بالحالي، لكن المستفيد لم يكن قوى المعسكر المقابل، بل كان جزءاً من أصوات ذهبت لقوة «يمينية» أخرى هي «كولانو» التي تؤكد إخلاصها لمبادئ «الليكود» الأساسية، إذ حصلت على 10 مقاعد بعد بضعة أشهر على إعلان وجودها.
بهذا يتمتع «اليمين»، بكافة تلاوينه ومسمياته، بـ67 مقعداً، ما يجعله قوة فاعلة ومؤثرة في المشهد السياسي والحكومي. لكن بعضاً مما نشرته صحف العدو، يأخذ منحى آخر في قراءة ما حصل. مقال الكاتب، جدعون ليفي، المنشور في «هآرتس» تحت عنوان «لنغير الشعب»، بعد ساعات من إعلان عينات من النتائج الأولية، يشير إلى بؤس الحالة التي أظهرتها الانتخابات، إذ إن الاستنتاج الأول الذي يستخلص بعد دقيقتين من نشر العينة كان مضنياً على نحو خاص: «ينبغي تغيير الشعب، ليس من انتخابات لقيادة الدولة بعد اليوم، بل انتخابات عامة لانتخاب شعب «إسرائيل» جديد، وفوراً. إذا كان بعد ست سنوات لا شيء، إذا كان بعد ست سنوات من نشر المخاوف والهواجس، ظلت الكراهية واليأس - هي فقط - هي خيار الشعب، فإنه بالتالي مريض جداً. إذا كان بعد كل ما انكشف في الأشهر الأخيرة، إذا كان بعد كل ما كتب وقيل، إذا كان بعد كل هذا انتخبه شعب «إسرائيل» لأربع سنوات أخرى، فإن هناك بالتالي شيئاً ما فاسداً جداً فيه، ربما بلا صلاح».

هل من دور لعرب الداخل؟

اللافت في مرحلة التحضير للانتخابات، كان التطور الحاصل في صفوف القوى السياسية العربية داخل الكيان. فقد دفعها القرار الذي يقضي بأن تجتاز أي قائمة نسبة الحسم من 2% إلى 3,25%، إلى الاتفاق على تشكيل قائمة موحدة تخوض من خلالها الانتخابات. وقد حصدت تلك القائمة 13 مقعداً في زيادة ملحوظة عن مجموع ما تحققه تلك القوائم عندما كانت تشارك بالانتخابات السابقة بشكل منفرد.
وإذا كان حجم المشاركة العربية الواسعة بالتصويت عنى، حسب تفسير عدد من المراقبين، «توقاً وطنياً فلسطينياً إلى الوحدة وإنهاءً للتشرذم» و«تعبيراً عن بحث قواعد شعبية فلسطينية عن تمثيل سياسي ما يدافع عن مصالحها»، إلا أن القوى العربية التي شاركت في «كنيست كيان الاحتلال» لم تعبّر عن هذه الحالة، بل هي التفاف عليها. وللمفارقة، ثمة تسريبات متعددة من الآن - من أعضاء القائمة ذاتها - عن ظهور تباينات في قراءة دوافع التحالف ومآلاته. وعلى الجانب الآخر، حافظت القوى التي دعت إلى المقاطعة، وأبرزها حركتا «أبناء البلد» و«كفاح» المدعومتين بقطاعات واسعة من جماهير الحركة الإسلامية الشمالية، والمئات من الكتّاب والمثقفين وصناع الرأي، على مواقفهما المبدئية من «لا مشروعية للمشاركة» و«لا لدخول اللعبة الديمقراطية الشكلية التي يحددها المستعمر».

حكومة فاشية ودموية جديدة

إن الأسابيع القليلة القادمة، ستحدد الحقائب الوزارية التي بدئ بتداول أسماء من سيحملها: نتنياهو مع قادة الكتل البرلمانية «اليمينية». ومن هنا، فإن «بيضة القبان» أو ما اصطلح على تسميته «متوج الملوك»، موشيه كحلون، سيكون العنصر الأساس في رسم ملامح التشكيل القادم، سواء في رسم التخوم بين المعسكرين المتقابلين، أو في فرض وزرائه لحمل تلك الحقائب، وفي مقدمتها وزارة المالية التي يصر على تسلمها، و«وزارة الرفاه» لإيلي ألالوف أحد أبرز مرشحيه الفائزين.
مع إسدال الستار على المشهد الانتخابي، وبروز ملامح التشكيلة الحكومية، فإن سنوات قاسية بعدوانيتها وعنصريتها، تنتظر الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية، وسيحرص نتنياهو وحكومته على الاندفاع أكثر في سنّ قوانين عنصرية جديدة، تتعمق في مضامينها، الفاشية، وهو ما عبّرت عنه تصريحاته تجاه عرب الداخل أثناء توجههم إلى الانتخابات، التي رأت فيها الإدارة الأميركية «ميلاً فاضحاً نحو العنصرية» («صح النوم»! أين الجديد بسلوك حكومات العدو؟) وكذلك، متابعة نهج القمع الدموي الذي كان أبرز ضحاياه الشهداء، خير الدين حمدان وسامي جعارة وسامي زيادنة، في الجليل والنقب المحتلين. لقد «أجاد» نتنياهو اللعب على غرائز المستعمرين للخوف من العرب الفلسطينيين بالداخل، واستخدمهم كفزاعة لكسب المزيد من الأصوات، وهو ما حصل عليه.
يعود نتنياهو ليشكل حكومته الرابعة بتأكيده مجدداً «لاءاته» المعروفة: «لا لتقسيم القدس، ولا للانسحاب لحدود 1967، ولا لحق العودة، ولا لوقف بناء المستعمرات وتمدد القائم منها»، وهي ذات «اللاءات» التي أعلنها ما يسمى «المعسكر الصهيوني... اليساري!».

خلاصة

إن المرحلة القادمة تتطلب موقفاً وطنياً فلسطينياً، واضحاً وحاسماً، لمجابهة استحقاقات المرحلة الراهنة والمستقبلية في ظل حكومة القتل والتوسع والفاشية. موقف تترجمه قوى المقاومة في رفض نهج الاستسلام، ومغادرة «مواقف الانتظار» والرهان على «كلام وقرارات النيات»، لأن إسقاط نهج «أوسلو»، وكل أشكال التنسيق الأمني و«السلام» الاقتصادي، لا تتطلب لجاناً للدراسة، ولا مؤتمرات الاختصاصيين، بل إرادة وطنية وثورية، تعمل على مواجهة الغزاة المستعمرين بالمقاومة المسلحة وبالمواجهات الشعبية مع المحتل وليس بالتظاهر أمام السفارات ومراكز الأمم المتحدة.
* كاتب فلسطيني