مع إقرار وزارة الصحة الجزائرية، نهاية الأسبوع الماضي، بانتشار الكوليرا في 6 مناطق بينها العاصمة، سبّبت عودة الوباء حالة من الذعر في البلاد وخارجها، خصوصاً بعد وفاة شخصين وإصابة نحو 74 آخرين. حالة الذعر تلك رافقتها موجة من الانتقادات الحادة للمسؤولين في الحكومة، بسبب الفوضى التي رافقت التعاطي الرسمي مع ظهور المرض.

وفق رواية وكالة «فرانس برس»، استقبلت المستشفيات في العديد من المناطق عشرات المرضى الذين كانوا يعانون من إسهال حاد منذ السابع من آب/ أغسطس، إلا أن وزارة الصحة لم تعلن أن السبب هو بكتيريا الكوليرا. وفي الثالث والعشرين من الشهر الحالي، تم تسجيل حالتي وفاة. وفي إحدى هاتين الحالتين، كانت الضحية مدرّب المنتخب الجزائري للملاكمة، عثمان دحماني، الذي أكدت وسائل إعلام محلية أنه توفي متأثراً بوباء الكوليرا يوم 22 آب في ولاية البليدة، بعدما أفادت معلومات سابقة بوفاته «إثر تعرّضه لتسمم حاد» كانت أسبابه مجهولة. وقامت السلطات، في حينه، بوضع العائلة الصغيرة للمدرب قيد الحجر الصحي في مستشفى «بوفاريك» في البليدة، حتى إجراء الفحوصات اللازمة وتفادياً لانتقال العدوى.



انحسار الوباء في البليدة
يوم أمس، أعلنت وزارة الصحة أن الوباء بات محصوراً في ولاية واحدة من أصل ست ولايات كان سُجل فيها، وأن عدد المصابين تراجع كثيراً في الأيام الأخيرة. وقالت الوزارة، في بيان، إن «الوباء بات محصوراً حالياً في ولاية البليدة» الواقعة على بعد 50 كلم جنوب العاصمة، وإن عدد الأشخاص الذين أودعوا المستشفيات بسبب الاشتباه بإصابتهم «تراجع إلى أكثر من النصف (56 بالمئة)». ولفتت، كذلك، إلى أن نحو ثلثي المرضى (61 في المئة)، البالغ عددهم نحو 200 شخص، غادروا المستشفيات إلى منازلهم، وتحديداً أولئك الذين أودعوا مستشفى «القطار» في العاصمة.
في المقابل، لا يزال مستشفى «بوفاريك»، يستقبل مصابين بعدما عاش حالة طوارئ منذ اكتشاف أول حالة كوليرا، في بداية الشهر الحالي.

السلطات «كانت تعلم»
حتى نهاية الأسبوع الماضي، وجّهت الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي انتقادات حادة إلى المسؤولين في الحكومة الجزائرية، بسبب الفوضى التي رافقت التعاطي الرسمي مع ظهور وباء الكوليرا. وأشارت العديد من الصحف إلى أن السلطات لم تعلن عن الوباء إلا بعد أسبوعين من ظهوره في الجزائر، التي لم تسجل أي حالة كوليرا منذ عام 1996، في حين يعود آخر وباء إلى عام 1986.
وكتبت صحيفة «ليبرتي» الناطقة بالفرنسية: «من الواضح أن السلطات كانت على علم بالمرض قبل هذا الإعلان»، وأكدت أن بحوزتها مذكرة من وزارة الصحة من ثماني صفحات مؤرّخة في 22 آب/أغسطس تنبّه الولايات (المحافظات) والقطاعات الصحية إلى هذا المرض. وأكد الموقع الإخباري «كل شيء عن الجزائر»، استناداً إلى مصدر طبي، أن «معهد باستور ووزارة الصحة كانا على علم بطبيعة المرض، منذ الاثنين الواقع فيه 20 آب/أغسطس على الأقل».
رداً على الانتقادات التي طاولته ووزارء الحكومة، بسبب صمته وغيابه منذ بداية الأزمة، قام وزير الصحة بزيارة أحد المستشفيين اللذين استقبلا عدداً من المرضى، وأكد أن «الوضع في تحسن». وبرر صمت الحكومة قائلاً: «لا يمكننا إعلان المرض قبل التشخيص الإيجابي، كنّا في مرحلة الاشتباه، وبمجرد أن وصلنا التأكيد أعلنا عنه». لكن سيل الانتقادات لم يتوقف، فنددت صحيفة «الوطن» الناطقة بالفرنسية بـ«التسيير الفوضوي» للأزمة، من قبل حكومة غائبة منذ ظهور المرض. وذكرت أنه «لا أحد من الوزراء المعنيين بهذا الوضع، أي وزراء الصحة والداخلية والموارد المائية، كلّف نفسه عناء التحدث للسكان».
من جهة أخرى، اعتبرت صحيفة «الخبر» أن نقص المعلومات عن مصدر المرض «تسبّب في فوبيا لدى الجزائريين (...) دفعتهم إلى مقاطعة الخضر والفواكه بعد ماء الحنفيات»، في حين رأت صحيفة «ليبرتي»، يوم الأحد، أن «الصمت المطبق للحكومة في وقت أصيب الجزائريون بالذعر غير مفهوم بل غير مبرر». كذلك، لم يسلم وزير الصحة من انتقادات النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي من غيابه والمسؤولين في أوج الأزمة، حيث اعتبر بعضهم أن السبب يرجع إلى رفض الوزراء قطع عطلتهم بمناسبة عيد الأضحى، الذي تزامن مع عطلة نهاية الأسبوع.


مصدر الوباء
يعدّ وباء الكوليرا من الأمراض الخطيرة والمعدية التي تتسبب في الوفاة، بسبب بكتيريا تؤدي إلى إسهال حاد. وعادةً ما يكون ناجماً عن غياب شروط السلامة الصحية في مياه الشرب أو الطعام.
وأثبتت التحقيقات والتحريات الوبائية في الجزائر وجود جرثومة الكوليرا في نبع مياه «حمر العين» في «سيدي الكبير» بولاية تيبازة القريبة من العاصمة، لتكون هي نقطة بداية الوباء؛ حيث أكد مدير معهد باستور في الجزائر، لاحقاً، اكتشاف 27 نبعاً موبوءاً بمختلف أنواع البكتيريا عبر الولايات التي ظهرت فيها حالات الكوليرا.
لكن السلطات استبعدت احتمال انتشار العدوى عبر المياه، ورجّحت انتشاره عبر الخضار والفاكهة غير المغسولة جيداً، فيما أكدت شركة «الجزائرية للمياه»، أن «المياه المنزلية صالحة للشرب ولا داعي للتخوف من استهلاكها». يأتي ذلك وسط انتشار رسائل تحذيرية على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو المواطنين إلى التوقف عن شرب المياه.