مع تواصل القتال العنيف في العاصمة الليبية طرابلس لليوم الرابع على التوالي، وارتفاع عدد الضحايا، أمر رئيس حكومة «الوفاق الوطنيّ»، فائز السراج، أمس، بـ«تشكيل قوّة» لفضّ الاشتباكات بين الميليشيات. لكن يبدو أنّ محاولات السراج تطويق الفوضى الأمنيّة قد لا تكفي لإبقائه في منصبه، وذلك بعد تعبير الأطراف الموقّعين على اتفاق المصالحة عن ضرورة مراجعة صيغة الحكم.

وتعيش طرابلس على وقع اشتباكات بين ميليشيات من المدينة تتبع وزارة داخليّة «الوفاق الوطنيّ»، وميليشيا قادمة من مدينة ترهونة الواقعة جنوب العاصمة. ويوم الإثنين، اقتحمت ميليشيا اللواء السابع مشاة (تُعرف أيضاً باسم «الكانيات» نسبة إلى عائلة الكاني التي تديرها) جنوب العاصمة قادمة من ترهونة، بحجّة الدفاع عن السكان الذين توجهوا إليها بنداءات استغاثة. لم تقف ميليشيات العاصمة متفرجة، بل عملت على صدّ الهجوم، بدعم سياسيّ من الحكومة التي نزعت في المقابل اعترافها بـ«الكانيات»، الذي منحته لها قبل نحو عام (قال الحرس الرئاسيّ إنّه حلّ اللواء في نيسان/أبريل هذا العام).
مع الوقت وتصاعد حدّة المواجهات، تفاقم عدد الضحايا، إذ وصل عدد القتلى إلى 41 والجرحى إلى 126 حتى حدود مساء أمس، وأشار المستشفى الميدانيّ إلى أن الأعداد مرشّحة للارتفاع، نظراً إلى عجزه عن الوصول إلى عمق مناطق المواجهات، ووجود عدد من الإصابات الخطيرة. وجاء أمر السراج، بصفته «القائد الأعلى للجيش الليبيّ»، موجهاً إلى آمري المنطقتين العسكريّتين الغربيّة والوسطى لـ«الإشراف على ترتيبات وقف إطلاق النار وفضّ الاشتباك في مناطق جنوب طرابلس... وتأمين عودة الحياة الطبيعيّة»، على أن تُنفذ المهمّة في مدة أقصاها شهر.

وصل عدد القتلى إلى 41 والجرحى إلى 126 حتى مساء أمس


في غضون ذلك، خرجت مظاهرة في ترهونة تندّد بقصف جويّ استهدف مقار اللواء السابع مشاة، لكن بياناً من رئاسة «الوفاق» نفى أن تكون طائراته الحربيّة «قد قصفت أيّ موقع داخل مدينة ترهونة المجاهدة». وأكد أنّ «جميع العمليات تستهدف مواقع المعتدين في ضواحي العاصمة طرابلس»، علماً بأن شريطاً مصوّراً أظهر قوات من اللواء وهي تطلق النار على مقاتلة من طراز «ميراج» تمتلكها غالباً وزارة الدفاع في طرابلس. لكن إجراءات السراج لتطويق الأزمة لم تقنع أحداً على ما يبدو، إذ توالت بيانات تحمّله مسؤولية ما حدث، منها بيان لـ«مجلس حكماء وأعيان طرابلس المركز» أمس، قال إنّ أحداث طرابلس سببها «إخفاق المجلس الرئاسيّ في أداء ما يتوجب عليه من استحقاقات لبسط سلطة الدولة».
ليس هذا فحسب، بل فتحت الاشتباكات أعين كثيرين على ما وصل إليه المسار السياسيّ في البلاد، إذ أكد رئيس «الهيئة التأسيسيّة لصياغة مشروع الدستور»، الجيلاني أرحومة، إجراء الاستفتاء على الدستور في أقرب وقت «حتى يتمكن الشعب الليبيّ من ممارسة حقوقه الدستوريّة». ويشارُ إلى أن البرلمان، المتركز في مدينة طبرق شرق البلاد، عجز عن التصويت حتى الآن على قانون الاستفتاء على الدستور جراء عراكات بين النواب وتغيبهم. ويهدّد هذا التأخير بإدخال اضطراب على خريطة الحلّ المتفق عليها في قمّة «باريس 2» نهاية أيار/مايو الماضي، التي حددت موعداً أقصى للاستفتاء على الدستور في منتصف أيلول/ سبتمبر المقبل، وكذلك موعد عقد انتخابات تشريعيّة ورئاسيّة في الـ10 من كانون الأول/ ديسمبر.
دولياً، أصدر سفراء فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة بياناً مشتركاً، أول من أمس، حول الاشتباكات. وإلى جانب التعبير عن «القلق العميق»، حذّر البيان من «تصعيد الأوضاع»، داعياً إلى «ضبط النفس والعمل المشترك لاستعادة الهدوء والانخراط في الحوار السلميّ». كما جدّد البيان دعم جهود المبعوث الدوليّ الخاصّ، غسان سلامة، في مهمته لتسهيل الحوار الليبي الداخلي.