منذ انتهاء قمّة «باريس 2» في 29 أيار الماضي، والوصول إلى توافق بين أغلب الفرقاء الليبيّين حول خريطة طريق من ضمنها إنجاز انتخابات تشريعيّة ورئاسيّة في كانون الأوّل هذا العام، لم يمرّ أسبوع من دون أن يعبّر مسؤول إيطاليّ عن رفض بلاده لهذا المسار. في الشهرين الأخيرين، جاءت تصريحات في هذا الاتجاه من رئيس الوزراء جوزيبي كونتي عند لقائه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في واشنطن، حيث طلب منه أن يكون بلده «المرجع الأوروبيّ» في الملف الليبيّ. كذلك أفادت جريدة «إل جورنالي» بأنّ وزيرة الدفاع الإيطاليّة قالت لنظيرتها الفرنسيّة عقب اجتماع وزاريّ في مقر الناتو: «لنكن واضحين، إنّ القيادة في ليبيا لنا».

لكنّ الحديث الأكثر صراحة كان يأتي دائماً من لدن ماتيو سالفيني، الذي يتولى إلى جانب مسؤوليته الحكوميّة زعامة حزب «الرابطة» (رابطة الشمال سابقاً) اليمينيّ ويطرح نفسه كشخص صريح لا يتبنى لغة السياسيّين التقليديّين المزدوجة. سالفيني، في تصريحاته السابقة، وفي حواره أمس مع جريدة «إل جورنالي»، ذهب في آرائه أبعد من تحفظات زملائه الحكوميّين التقنيّة، التي تتركز على الارتدادات الخطيرة الممكنة في حال عقد انتخابات سابقة لأوانها في ليبيا، أي دون إعداد ما يكفي من المؤسسات والقوانين، وقبل عقد مصالحة صلبة.
في حواره الأخير، اتخذ هجوم سالفيني على الفرنسيّين طابعاً شاملاً، من ذلك التذكير بأنهم «سببوا وقوع كوارث في عهد (الرئيس السابق معمر) القذافي»، في إشارة إلى الدور الحيويّ الذي لعبه الرئيس الفرنسيّ الأسبق نيكولا ساركوزي، في التدخّل عسكريّاً وتغيير النظام الليبيّ. ورأة الوزير الإيطاليّ أن ما تقوم به فرنسا الآن استكمال لتدخّل 2011، حيث قال: «ها هم يحاولون الآن مع ماكرون الاستمرار في نفس الخطّ بتحديد موعد للانتخابات دون إشراك أيّ شخص آخر... فرض موعد للتصويت على بلد لا يزال منقسماً وتعرّض لضربات، في العاشر من كانون الأول، أمر خطير وغطرسة مستعمرين، لا يزال الوزراء الفرنسيّون يحافظون عليها».

فشل البرلمان، المتركز في مدينة طبرق، في إقرار قانون الاستفتاء على الدستور


علاوة على ذلك، عاود سالفيني الإشارة إلى أنّ تدخّل الفرنسيّين يأتي «ابتغاءً لمصالحهم الوطنيّة وبناءً على أنانيّة صرفة». ويحتمل هذا الكلام عدة أوجه للتأويل، حيث يفهم على أنّ فرنسا تسعى إلى احتكار الملف الليبيّ، ففي حال تنفيذ خريطة الطريق المقررة في باريس، سيصير الفرنسيّون المرجعيّة الأوروبيّة الرئيسيّة للأطراف الليبية المتنازعة، مقابل موقع ثانويّ لإيطاليا. لكن يمكن أن يفهم أيضاً كإشارة على رغبة فرنسا في ضمان مكتسبات اقتصاديّة في ليبيا، سواء في قطاع الطاقة أو في قطاع إعادة الإعمار والتسليح، وهو أمر قد يأتي على حساب الشركات الإيطاليّة التي تمتلك استثمارات وخططاً كبرى وتستأثر بأجزاء مهمّة من السوق الليبيّة.
لكنّ الهجومات الكلاميّة، والجهود الدبلوماسيّة الإيطاليّة غرباً، مع واشنطن وألمانيا وبريطانيا، وشرقاً، مع مصر وبقية دول جوار ليبيا، لن تظهر نتائجها إلّا بعقد مؤتمر روما هذا الخريف (في شهر تشرين الثاني) الذي يسعى إلى إطلاق مسار موازٍ لجهود فرنسا. ومع أنّ ترامب لن يتمكّن من حضور المؤتمر بسبب التزامات أخرى، وفق ما قالته وسائل إعلام أميركيّة، ورغم قول المشير خليفة حفتر في حوار أخير إنّه سيدعم أيّ مبادرة دوليّة، بشرط عقد انتخابات في أقرب الآجال تفضي إلى إفراز برلمان ورئيس منتخبين يتسلمان المهمات بداية العام المقبل، وتوجيهه نقداً للسياسة الإيطاليّة في ليبيا التي اعتبر أنّها تستوجب «إصلاحاً وتغييراً جذريّاً»، إلا أنّه توجد أيضاً إشارات على إمكان أن تفشل خريطة الطريق الفرنسيّة، ما يعبّد الطريق أمام برامج إيطاليا.
حتى الآن، فشل البرلمان الليبيّ، المتركز في مدينة طبرق شرق البلاد، في إقرار قانون الاستفتاء على الدستور، حيث أجّل التصويت عليه مرّة أخرى إلى ما بعد عيد الأضحى، عقب اندلاع مشاحنات وشجارات بين النواب. ووفق بيان قمّة «باريس 2»، يجب إقرار قانون الاستفتاء على الدستور بحلول 16 أيلول، ويعني تأخر ذلك تعطيل كامل المسار. ويختلف الفرقاء المنقسمون بين شرق وغرب البلاد حول ضرورة إقرار الدستور قبل إجراء الانتخابات من عدمه، ويحمل الدستور المقترح، الذي كتبته لجنة منتخبة، مسائل خلافيّة، خاصّة في ما يتعلّق بوضع الأقليّات الإثنيّة في البلاد (التبو والطوارق في الجنوب والأمازيغ في أقصى غرب البلاد)، وكان قد انسحب عدد من ممثليها من مسار صياغة الدستور احتجاجاً على عدد من المسائل منها تعريف ليبيا كدولة عربيّة وعدم مساواة لغاتهم باللغة الرسميّة.