الرباط | وجّهت أربعة أحزاب رسالة إلى رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، بغية حثه على الاجتماع بها لبحث سبل حلّ ملفّ رواتب تقاعد النواب الذي تحوّل إلى أزمة مرجّحة للتصاعد، وطلبت الأحزاب عبر كتلها النيابية، وهي: «الاستقلال» (معارضة)، «الاتحاد الاشتراكيّ» (أغلبية)، «الاتحاد الدستوري» (أغلبية)، و«التقدم والاشتراكية» (أغلبية)، أن يتم اللقاء بعيداً عن أنظار الصحافة والإعلام، للهروب من الضّغط المُسلط عليها والداعي إلى «إلغائه».

رغم حدّة السجال حول مآل هذه الرواتب، ظلت حكومة العثماني صامتة حول «الأزمة»، على الرغم من الرسائل ومقترحات القوانين التي تقدمت بها أحزاب من أجل حلها. مصطفى الخلفي، المتحدث الرسميّ باسم الحكومة، برّر ذلك في حديث مع «الأخبار» بأنّ الحكومة وصلتها دعوة من الأحزاب الممثلة في البرلمان للمشاركة في النقاش حول «أزمة معاشات البرلمانيين»، لكنّها «ترفض اللقاء والنقاش حول الموضوع، من منطلق كونه شأناً برلمانيّاً لا دخل للحكومة فيه». وأضاف أنّ الحكومة تتعامل مع هذه الأزمة من منطلق احترامها للسلطة التشريعية، والنأي عن المشاكل الإدارية والمالية للبرلمانيّين. لكن مصدراً حكوميّاً قال لـ«الأخبار» إنّ رئيس الحكومة سبق أن أكد في اجتماع خاصّ بالأغلبية، أنّه «ينتظر مقترح قانون توفيقي، لا يثقل كاهل خزينة الدولة».

اجتماع لحلّ «الأزمة»
في ظلّ رفض الحكومة مناقشة حلول للملفّ، تقرر تشكيل لجنة تقنية لبحث إمكانية التوافق حول تعديل القانون، ما وضع النواب في حرج أمام الرأي العام. وناقشت لجنة «المالية والتنمية الاقتصادية»، التي يرأسها القيادي في «حزب العدالة والتنمية» (القائد للأغلبية)، عبد الله بوانو، في اجتماع الأسبوع الفائت، مقترح «قانون معاشات أعضاء مجلس النواب»، كما ناقشت مقترح قانون آخر لإلغاء نظام المعاشات تقدم به نائبان عن «فدرالية اليسار الديموقراطيّ»، هما: مصطفى شناوي وعمر بلافريج. وبينما دافع رئيس الفريق النيابيّ لحزب «العدالة والتنمية» عن الإبقاء على المعاشات، لأنّه يوجد «برلمانيون سابقون وطنيون سيصبحون في وضعية عسيرة إذا توقفت معاشاتهم»، قال النائب مصطفى الشناوي إنّ «البرلمانيين في مهمة نيابية، وقد صوت لهم المواطنون لتمثيلهم ولا داعي ليكون لديهم معاش، فكل واحد منهم كان أجيراً، في القطاع الخاصّ أو العام، أو لديه مهنة حرة. هذه المعاشات نوع من الريع حتى وإن تأجل صرفها حتى سنّ 65 عاماً». وأشار النائب اليساريّ في معرض تدخّله أيضاً إلى أنّ «مفهوم التقاعد في العالم كله يكون مرتبطا بأداء عمل ما»، واستشهد بكون أن عدداً من الدول ألغت تلك المعاشات. أما النائب عبد اللطيف وهبي، المنتمي إلى حزب «الأصالة والمعاصرة» (معارض)، المطالب بـ«إلغاء المعاشات»، فقد اعتبر أنّ مقترح القانون الإصلاحيّ «غير قانونيّ وغير دستوريّ لأنّه يمسّ بالحقوق المكتسبة والمساواة، ومبدأ فصل السلطات، وبالتالي فهو لا يستقيم مع الدستور ومع القانون، وهو باطل وسنصوت ضده، وإذا جرت إجازته فإننا سنطعن فيه أمام المحكمة الدستورية».

لا يتعدى عدد النواب 395، بينما يصل عدد المستفيدين من راتب التقاعد إلى 991


ويهدف مقترح القانون الذي تقدمت به كتل الأغلبية، إضافة إلى حزب «الاستقلال» المعارض، إلى تخفيض الراتب الشهريّ لأعضاء مجلس النواب إلى 700 درهم (70 دولاراً) عن كل سنة تشريعية، عوض عن ألف درهم سابقاً (100 دولار)، وإلى عدم صرف الراتب إلا عند بلوغ سنّ الـ 65، عوض صرفه مباشرة بعد فقدان الصفة النيابية. كما يقترح أيضاً ألا تتعدى مساهمة البرلمانيّ في «صندوق المعاشات» 2900 درهم (300 دولار)، على أن تلتزم الدولة بالمبلغ نفسه في إطار مساهمتها.

خلاف يهدد «الائتلاف» الحاكم
يمنح القانون الداخليّ المنظّم لعمل البرلمانيّين بالمغرب، حقاً لكلّ برلمانيّ انتهت ولايته في المغرب الاستفادة من راتب تقاعد حدده النظام السابق في حدود خمسمئة دولار، غير أنّ ذلك المبلغ يمكن أن يتضاعف بحسب عدد الدورات التي قضاها النائب في المجلس. غير أن إعلاناً «مشؤوماً» أصدره «الصندوق المركزيّ للتقاعد»، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أفاد بأن نظام معاشات البرلمانيّين المتقاعدين يعاني من عجز، إذ لم تعد المساهمات تكفي لسداد المعاشات، فعدد النواب لا يتعدى 395، بينما يصل عدد المستفيدين من راتب التقاعد إلى 991.
أزمة البرلمانيّين الماليّة، سرعان ما تحولت مع الشهور إلى إحراج للحكومة، حيث صار تقاعد أعضاء مجلس النواب موضوعاً للخلاف بين الأغلبية الحكومية، فقد طلب فريق «العدالة والتنمية»، قبل أشهر، مقترحاً يقضي بتصفية صندوق التقاعد الخاص بالنواب، بينما دافعت الفرق البرلمانية الأخرى عن فكرة إصلاحه، وأدى ذلك في النهاية إلى تراجع حزب رئيس الحكومة لمصلحة موقف حلفائه.
وبذلك، تقف الحكومة بين مطرقة الأغلبية (إضافة إلى حزب الاستقلال المعارض)، التي تضغط لضخ مليارات الدراهم من خزينة الدولة في صندوق البرلمانيّين، وسندان ضغط الرأي العام الذي يراهن على إلغاء معاشات البرلمانيّين باعتبارها «ريعاً غير مستحق».
نواب يلجأون إلى القضاء
لم تتوقف الأزمة عند وضوح الأرقام وعجز ميزانيات الحكومة، حيث قرر برلمانيّون سابقون اللجوء إلى القضاء بعد توقف معاشاتهم، بينما ترك آخرون الفرصة لرئيس مجلس النواب من أجل حلّ المشكلة سياسياً. في حديث مع «الأخبار»، قال رئيس «الاتحاد الوطنيّ للموظفين»، عبد الرحيم الهندف، إنّ العجز الذي يعانيه صندوق التقاعد، كانت الدولة تغطيه عبر الموازنة العامة، مشيراً إلى أنّ العجز يأتي من كون البرلمانيّين يتلقون معاشات بعد نهاية ولايتهم مباشرة.
وفي انتظار الحسم فيه، اتفقت مكونات مجلس النواب خلال نقاشها المقترح، على تفادي اللجوء إلى ضخّ اعتمادات من الموازنة العامة من أجل ديمومة الصندوق، وشددت على ضرورة الاعتماد على الموارد الذاتية من الاشتراكات التي يقدمها النواب.