فرويد الشاب في مسلسل. سنراه إذن يتحرّك أمامنا ويتكلّم. هذا ما لم نشاهده يوماً ربما. نتوقّع عموماً أنّنا سنخرج من المسلسل متمسّكين بالعقل أكثر. هكذا أوصانا فرويد نفسه: «لا سلطة تعلو على سلطة العقل، ولا حجّة تسمو على حجّته». ولا نظنّ ولو للحظة أنّنا سنصبح من المؤمنين بالسحر الأسوَد والشعوذات. لكن هذا تماماً ما فعله بنا المسلسل، الذي يُعرض على نتفليكس تحت عنوان «فرويد». والأكيد أن هذا العمل لا يندرج تحت خانة «العلم»، بل يتأرجح ما بين أفلام شرلوك هولمز والخيال. هو عبارة عن حلقاتٍ ثمان مترابطة، يلعب فيها فرويد، بشكلٍ غير مباشر، دور المحقّق الذي يستعين بمعرفته في المجال النورولوجي للبحث عن الحقيقة، مستنداً إلى التحليل النفسي لمعالجة المشعوذين والمسحورين.

نحن هنا أمام خيارين: الأول هو أن نعالج المضمون بتفاصيله من مقاربة علميّة، نؤكّد في ما أصاب وندحض ما أخطأ به. أما الخيار الثاني، فهو تخطّي هذه المسألة كليّاً، والاعتقاد بأن المسلسل أساساً لا يعالج مسألة فرويد. ولو أنّنا أنتجنا العمل ذاته وسمّيناه «يونغ» أو «آدلر» أو أي اسمٍ آخر، كان سيبقى على ما هو عليه – اللهم إلّا في ما يتعلّق بما أُلصق على الشخصيّة الرئيسيّة من رسائل لها أو اقتباساتٍ من كتبها لإقناعنا بحقيقتها. سنجنح طبعاً إلى الخيار الثاني، وسننتقد ذلك الأسلوب الذي لطالما اعتمَدته نتفليكس، في زجّ أسماءٍ «كبيرة» من دون احترام التاريخ الموضوعي، فقط لكسب المشاهدات والـ reaches. الفكرة أننا نتكلّم هنا عن «مجتمع المشهديّات»، ذلك المجتمع الذي يفضّل صورة الحقيقة على الحقيقة، ويفضّل الحصول على المعلومات من مصدرٍ سريع، عوضاً عن المصدر الدقيق. كيف أتعرّف إلى فرويد؟ هل أقرأ كتبه، ثم أدرس الظروف الموضوعيّة التي أحاطت بتكوين التحليل النفسي، ثمّ أقرأ سيرته كما فصّلها إرنست جونز، ثم أبحث في التيّارات المتشعّبة من مدرسته، ثم أدرس وأحلّل شخصيّته، ثم أقرأه على ضوء ما أضافه إريك فروم؟ كلا، أشاهد مسلسلاً عنه على نتفليكس، ثمّ أقول: «الله الله، هذا هو فرويد!».
إذن، سنسلّم جدلاً أن المسلسل لا ينوي عرض سيرة فرويد كما هي، بل استوحى منها لخلق عملٍ سينمائيٍّ جذّاب. إن سلّمنا بذلك، فيمكننا القول بأن العمل فعلاً جذّاب، وفيه حبكات ومؤثّرات وما إلى هنالك، وسنُحَيّي القيّمين على الموضوع. هكذا، تتغيّر الإشكالية. لن نسعى لنقد المضمون الآن، بل سنبسّط بضع نقاط عُرِضت وسنعيد تناولها بشكلها «التاريخي».
في فيينا، ثمانينيات القرن التاسع عشر، كان فرويد يُجاهد لتكريس دراسة النفس بأساليب علميّة، ولاقتلاع هذه المسائل من هوامات المثالية وإطلاق البحث فيها من مقاربة مادية. كان يسهم في تحقيق النقلة من الخرافة إلى علم النفس ومن علم النفس إلى التحليل النفسي. كان فرويد الشاب «متمرّداً»، كما يصفه إريك فروم. في تفاصيل القضية، كان يُصارع بين زملائه للتأكيد على فكرة أن بعض التمظهرات الجسدية لها أساس سيكولوجي وليس فيزيولوجياً، وكان هذا واضحاً في المسلسل. لكنه في كل الحالات، لم يؤمن يوماً بالخرافات، حتى إنّه في مرحلة لاحقة، تصادم مع ألمع تلامذته، يونغ، لأنّ الأخير غاص عميقاً في عالم الميتولوجيا، فما بالنا من موقف فرويد من السحر الأسوَد؟
أما بعد، وفي هذه المرحلة، فكان فرويد، إن صحّ القول، من أوائل «مروّجي الكوكايين». لا نقصد استخدام المصطلح في سياقه المعاصر. حينها، كانت المادة غير مكتشفة بعد، وكان فرويد ضمن دائرة ضيّقة عملت على تطوير المادة وتطوير أبحاثٍ كيميائية حولها، وكانت ما زالت تُعتبر مادة طبّية تحت التجربة. وكان صديقنا قد أخذ على عاتقه تجربتها على نفسه، ثم انتهت قصّته معها بعد أعوامٍ، عند موت والده (وليس تعاقب الحدثين بمصادفة). المهم، يعبّر فرويد، بلا وعيه، عن علاقته مع المادة عبر حلمه الشهير حول «كتاب النباتات». يحلّل إريك فروم هذا الحلم بشكل مغاير ولافت للتحليلات السائدة ولتحليل فرويد نفسه. وفي الخلاصة يُشير إلى أن فرويد «يعبّر عن أسفه الشديد لأنّه تخلى عن متابعة الدراسة حول الكوكايين وفقد بذلك الفرصة لتحقيق اكتشاف كبير». وفي موضعٍ آخر، يتكلّم فرويد عن نوبة الغضب/ الغيرة التي انتابته بعدما تمكّن أصدقاء له من متابعة هذه الدراسة ونجاحهم فيها. إذن، لم تكن مسألة الكوكايين بالنسبة إلى فرويد مسألة «تعاطٍ» كما يروّج لها المسلسل، بل كانت مسألة علميّة وتجريبيّة تحمل طموحاتٍ كبيرة لذاك الشاب.

لم يؤمن بالخرافات، بل تصادم مع ألمع تلامذته، يونغ، لأنّ الأخير غاص عميقاً في عالم الميتولوجيا


نقطة أخرى، ترتبط بالعلاقة مع من سُمّيَت في المسلسل فلور سالوميه. هي في الحقيقة لو-أندريه سالوميه، من أهم الوجوه النسائية حينها. إلّا أنّ علاقة فرويد بها بدأت في أوائل القرن التاسع عشر، وليس في شبابه. المؤكّد، أنّها كانت علاقة معلّم بتلميذته ثم علاقة زمالة، كونها هي الأخرى كانت مهتمة بالتحليل النفسي. أمّا حول العلاقة الغرامية ما بينهما، فلا يوجد بين أيدينا أي دليل على ذلك. وهنا احتمال النفي أقرب منه إلى احتمال التأكيد، كون فرويد كان مُحافظاً، متزمّتاً، وقواه الجنسية مكبوتة على حساب إنتاجه المعرفي (يفنّد فروم هذه المسألة في كتابه «مهمّة فرويد»). أضف إلى ذلك، اشتُهرت سالومي بدايةً بعلاقتها مع نيتشه، ثم ريلكي، ثم فرويد. إن المرأة التي «تلاعبت» بهذه الشخصيّات التي غيّرت وجه التاريخ، يصوّرها المسلسل على أنّها مُشعوذة، أسوةً بالعادات والتقاليد الهنغارية.
وهنا النقطة الأخيرة، ما يُعرف بالطالطُس، وهي شخصيّة وسيطيّة بين الآلهة والبشر في التراث الهنغاري. إلّا أنّ الإفراط في استخدام الرسوم الرمزية والوجوه الحيوانيّة في المسلسل، يعطيها طابعاً عموميّاً أكثر، نقصد الطابع المتعلّق بالطواطم. ويُدرك المُشاهد عند نهاية المسلسل أن هذه هي الإشكاليّة المحورية في المسلسل، علماً أن فرويد لم يناقش مسألة «الطوطم والحرام» إلّا في شيخوخته، وليس في شبابه.
بعد الانتهاء من المسلسل، نستذكر «نهفة» من القرن التاسع عشر: بعدما ذاعت أفكار ماركس في أوروبا، أخذ صهره بول لا فارج على عاتقه أن يروّج للماركسيّة في فرنسا. حينها، وبعدما اطّلع ماركس على أفكار لا فارج، قال: «إن كانت هذه هي الماركسية، فأنا لست ماركسياً». لعل فرويد، إن شاهد هذا المسلسل اليوم، كان سيتنهّد في ختامه ثم يقول: «إن كانت هذه هي الفرويديّة، فأنا لست فرويدياً!».

|* Freud على نتفليكس