قليلة هي الدول في النظام السياسي العالمي المعاصر التي لا تزال مسألة شرعيّة وجودها موضوع أخذ ورد، لكن أبرزها على الإطلاق هي «دولة إسرائيل»: ذلك الكيان الإستيطاني الغربي المزروع جنوبي سوريا غربي نهر الأردن ـــ فلسطين. هذه المنظومة السياسية الهجينة التي احتفلت منذ بعض الوقت بمرور سبعين عاماً على إعلان قيامها رسميّاً، لا تُعرف لها حدود نهائيّة، وتعاني مآزق وجوديّة هائلة بشأن هويتها القوميّة وطبيعة نشأتها. أما على الصعيد الاستراتيجي، فهي تبدو ـــ مع تطور أنظمة النقل والصواريخ العابرة للقارات، ومتانة الهيمنة الأميركيّة على ممالك الخليج العربيّة، ولا سيّما السعوديّة ــــ كأنها مجرد رأس جسر ملغّم بأسلحة نووية تبقيه الإمبراطوريّة الأميركيّة حيّاً خدمة لنزوات ايديولوجيّة محض أكثر منها لأسباب عملياتيّة.

(خالد حجازي)

منذ وقت مبكر، اعتنت الوكالة اليهوديّة ـــ وهي الإدارة الصهيونيّة التي أوكلت إليها مسألة إنشاء تلك الدولة الملتبسة ـــ بفرض هيمنة حديديّة على السرديّة التاريخيّة للمشروع الإستيطاني منذ بداياته الأولى في 1882. سردية نُفِّذت بدقّة مذهلة وبلا رحمة عبر مختلف أدوات التعبير الثقافي والفني والإعلامي، إلى درجة اعتبار أيّ تشكيك بها ضرباً من ضروب الخيانة أو العداء للساميّة بحسب ديانة المُشكك.
لذا، فإن مسألة إنجاز قراءة متوازنة لتاريخ فلسطين المعاصر، تبدو مهمة مستحيلة في ظل صلابة السرديّة الصهيونيّة التي أصبحت ـــ بحكم انتماء إسرائيل الموضوعي إلى الإمبرياليّة الغربيّة وسيطرة يهود على مفاصل أدوات الإعلام العالمي ـــ السرديّة المعتمدة في معظم أنحاء العالم مقابل سرديّة فلسطينيّة خافتة وملتبسة ومشتتة وخطابيّة تكاد من هزالها تكرّس السرديّة الصهيونيّة أكثر من أن تناقضها. أما سرديّات الدول العربيّة المجاورة للكيان الإستيطاني عن تاريخ المنطقة ـــ لكثرة ما فيها من دجل وتلفيق وانتقائيّة بالغة ـــ فهي غير موثوقة من حيث المبدأ كي تعتبر مصادر يعتمد عليها لفهم أفضل لتاريخ التجربة الصهيونيّة.
لذلك كلّه، يصعب فعلاً بناء نص تأريخي شامل بشأن فلسطين منذ 1882 لغاية اليوم، حتى من خلال المفاضلة الجدليّة بين السرديات المتقاطعة إسرائيلياً وفلسطينياً وعربيّاً. ذلك أنّ الإطار العام الجامع أكاديميّاً وإعلاميّاً، تَبَنِّى رواية المنتصرين مهما تباين التوازن بين هذه السرديات في اللحظات التاريخيّة المتعاقبة. وهكذا، فإن السّرديّة الغالبة هي أن اليهود الذين هم بداية ديانات التّوحيد، وطردهم الرومان من فلسطين فتناثروا عبر الجغرافيا، عادوا إلى مسرح العالم من جديد. إذ تقاذفتهم البورجوازيّات الأوروبيّة المتصارعة واضطهدتهم في العصر الحديث، فتعاهدت طليعة متنورة منهم على استعادة مجد أجدادهم المزعوم بالعودة إلى فلسطين المهملة والمهجورة، وتحويلها إلى جنة خضراء ونموذج تحديثي ديموقراطي متقدّم للحضارة الغربيّة بين سكان محليين تغلب عليهم البداوة ومفتقرين لأي حسّ قومي أو حتى لوحدة عرقيّة. بالتالي، فإن عداء بعضهم للمشروع الاستيطاني الصهيوني تسبّب فيه تخلّفهم الذاتي أو تبعيتهم لدول يحكمها طغاة عرب معادون للساميّة… لتكون لحظة ولادة الدولة العبريّة وفق تلك السرديّة دائماً، بمثابة معجزة إلهيّة انتصر فيها اليهود ـــ وهم قلة قليلة ـــ على جيوش خمس دول عربيّة معها متطوعون معادون للساميّة من دول أخرى وكذلك على بريطانيا التي حاولت تأخير حدوث المعجزة.
نافذة الأمل لبناء تصور أقرب إلى الحقيقة بشأن فلسطين يكسر هذه السرديّة السوداء الملفقة، فُتحت في ثمانينيات القرن الماضي ليس من جهة الضحايا الفلسطينيين أو حتى من الجانب العربي، وإنما على يد مجموعة من الباحثين الإسرائيليين الشباب الذين تأثروا بتطور مناهج دراسة التاريخ في الغرب، ولا سيّما بعد تسرّب المنهجيات النقديّة الماركسيّة إلى قلب التيار الرئيس للعمل الأكاديمي في جامعات بريطانيّة وأميركيّة كبرى. هؤلاء الباحثون الشّبان أصبحوا يعرفون بالمؤرخين الجدد. مستعينين بوثائق أرشيف إسرائيلي أساساً، شرع هؤلاء في إعادة قراءة الحدث الاستيطاني الصهيوني في مفاصله المختلفة، ومحاولة تفكيك السرديّة الرسميّة الغالبة من خلال تحليل معمق لأعمدتها الأساسيّة. وعلى الرغم من أن أعمال المؤرخين هؤلاء بقيت دون مستوى تقديم سرديّة نقيضة متكاملة لتلك التي تروجها الصهيونيّة، إلا أنها نجحت بالفعل في كسر قدسيّة تلك السرديّة المصمتة وفتحت فيها شقوقاً بات يمكن الإطلال منها على حقائق مغايرة لكثير مما تحاول الصهيونيّة ترويجه، وكشفت عن البنية الحقيقيّة للمشروع الصهيوني في المنطقة: مشروع استيطاني عنصري غربي سافر، يماثل مشاريع الاستيطان الغربيّة الأخرى في العالم كما الولايات المتحدة أو أوستراليا، حيث مجموعة أوروبيّة بيضاء البشرة تستوطن أرضاً بعيدة عن بلادها الأصليّة وتقيم دولتها اليوتوبيّة عبر الإلغاء التام للسكان المحليين من خلال مشاريع إبادة وتطهير عرقي وتهميش طويلة المدى. ولا يمثّل الدين في هذا المشروع سوى أيديولوجيا رسميّة توظّف في خدمة الإستيطان.
خطورة هذا التصّور الكلّي عن فكرة الكيان العبري (يسميه إيلان بابيه «برادايم» الاستيطان الكولونيالي) أنّه يجعل موضوعات مثل الإحتلال وعمليّة السلام وحلّ الدولتين والديموقراطية الإسرائيلية، مجرّد كلمات مفرغة من المضمون لا معنى حقيقياً لها. وتلك مسألة خطيرة ليس من مصلحة أحد اتساع تداوله في الفضاء العام، سواء من جهة النخبة الإسرائيليّة المهيمنة أو جهة الأنظمة العربيّة الخاضعة للنفوذ الأميركي أو حتى من طرف اليمين الفلسطيني الذي سلّمته إسرائيل شؤون من تبقى من الفلسطينيين في أرضهم. ولذلك، فإن تولّي اليمين الإسرائيلي الفاشي النزعة إدارة الدولة العبريّة منذ 2001 إلى وقتنا الرّاهن، دفع بالمجتمع الإسرائيلي إلى السقوط من جديد في ظلام مركزيّة السرديّة الصهيونيّة التقليديّة، في الوقت الذي تبعثر فيه المؤرخون الجدد بين المؤسسات الأكاديميّة الغربيّة وخفت تأثيرهم داخل «إسرائيل» ذاتها.
استعادة السرديّة الصهيونيّة إلى الواجهة من جديد، لم يعد مقتصراً على نطاقات الصحافة والأكاديميا والإعلام التقليدي، بل تمددت اليوم إلى قطاعات ذات تأثير أوسع بما لا يقاس على الرأي العام العالمي عبر أدوات السينما والأفلام الوثائقيّة وحتى المسلسلات الدراميّة. ولا تكاد تخلو منصة عرض واسعة التأثير من عمل جديد يروي جانباً من الحكاية المزعومة. هذا ما نراه في إقدام قناة «العربيّة»، على عرض نسخة مترجمة من وثائقي «بعد الإبادة» (عرضته القناة تحت اسم «النكبة»!) الذي أعده صانعا أفلام صهاينة (ويليام كاريل وبلانش فنغر ـــ راجع مقال الزميلة زينب حاوي في مكان آخر من الصفحة) معروفان بولائهما الاستثنائي لإسرائيل، ويروي سرديّة مجتزأة متوافقة تماماً مع السرديّة الرسميّة الصهيونيّة لتاريخ ولادة الكيان العبري. هذا الفعل ليس ناجماً عن سوء تقدير ـــ معروف عن مجمل مسار العمل في المؤسسات الملكيّة ـــ بقدر ما هو انحياز واضح وانخراط صريح في ترويج «البرادايم» الصهيوني بين الجمهور العربي الذي لا يمتلك أدوات النقد أو حتى سرديّة بديلة ذات قيمة يعتمد عليها لمناهضة أسفار التلفيق الصهيوني.
الإسرائيلي الملتبس الهوية يعلم جيداًَ معنى أنّ «امتلاك السرديّة هو أساس كل شيء»


هذا الانحياز المتعمد للسردية الصهيونية من قبل أعتى أدوات آل سعود الإعلاميّة المرئيّة، جزء من حملة تشويه وعي منظّمة بدقّة يشنها المشروع الأميركي إنطلاقاً من مستعمراته في الخليج تمهيداً لإنطلاق مئة عام جديدة من التطبيع العلني العربي مع المشروع الصهيوني بعد المئة عام الأولى المغلفة بجدار من السريّة توافق عليه جميع الأطراف. رغم كل التمويه، باتت هذه الحملة مكشوفة، سلاحها الأفعل المثقفون «المثقوبون» والقنوات الإعلاميّة الموجهة. القائمون على «العربيّة» لا يعلمون غالباً خطورة ما ارتكبوا، لكنهم اكتفوا بتنفيذ تعليمات وردت إليهم من القدس المحتلة، حيث الإسرائيلي الملتبس الهويّة يعلم أكثر من غيره معنى أنّ «إمتلاك السرديّة هو أساس كل شيء»، وأن جهداً منظّماً يستهدف كسر العداء الفطري لفقراء المنطقة ضد مشروع الإستيطان الغربي في فلسطين، قد يبدأ بفيلم وثائقي من الدرجة الثالثة.