الكوميديا ورقة رابحة دائماً في الدراما، عندما تفشل الأنواع الأخرى في تحقيق التأثير المطلوب، سواء كان إبهار العقول أو العيون، أو تحريك المشاعر أو استدرار الدموع أو التشويق وبث الرعب. كل الناس يحبون الضحك، ويقرنونه بالسعادة، بالرغم من أنهم ينجذبون لا إرادياً إلى الحكايات المأساوية ومشاهد العنف والانحراف والجريمة وغيرها من المشاعر «السلبية» التي تساعد الدراما على «تطهيرها» وفقاً لارسطو، وعلى التنفيس عنها و«تصعيدها» وفقاً لفرويد.

«سك على اخواتك» يلعبان على «ثيمة» كوميدية هي الثروة التي تهبط فوق رأس شاب مصحوبةً بشروط

لكن الكوميديا هي الورقة الأكثر شعبيةً عندما لا يتحقق التطهير أو التنفيس أو حرية التعبير عبر الأنواع الأخرى، ليس فقط لأنها تبهج وتسعد، ولكن لأنها الأكثر قدرة على التحايل والالتفاف على أشكال الرقابة المختلفة، وتمرير أكثر الخطابات تمرداً أو تخريباً تحت قناع «المهرج» الضاحك.
الدراما المصرية هذا العام تحفل بمسلسلات «الأكشن» السياسي ومشاهد العنف الدموي بين رجال الشرطة والمجرمين والمتطرفين دينياً، وبين المجرمين وبعضهم بعضاً. هذا ما نراه في «كلبش 2» و«نسر الصعيد» و«رحيم» و«أبو عمر المصري» و«اختفاء» و«مليكة» و«أمر واقع» و«فوق السحاب» و«طايع» و«الرحلة» و«سلسال الدم2». حتى مصطفى شعبان الذي اعتاد في السنوات الأخيرة على تقديم الكوميديا «الجنسية»، يقضي معظم وقته في مسلسل «أيوب» مرتدياً زي المساجين، ومحاولاً إثبات براءته عن طريق العنف. وحتى عادل إمام يقدم في «عوالم خفية» مسلسلاً يخلو من الكوميديا ويعج بالتشويق والرعب.
في المقابل، هناك عدد كبير من المسلسلات الكوميدية سوف نتعرض لمعظمها هنا، لكن أول ملحوظة هي أن معظم الأعمال ـــ سواء الجادة أو الكوميدية ـــ تخلو من الدراما الاجتماعية التي سيطرت على الشاشة الصغيرة لسنوات وعقود. الاستثناء الوحيد ربما هو «بالحجم العائلي» الذي يلعب فيه يحيى الفخراني وميرفت أمين دور زوجين أرستقراطيين لديهما حفنة من البنات والأولاد يواجهون مشاكل عائلية متراكمة ولكن ضمن قالب كوميدي خفيف. وكذلك الأمر بالنسبة إلى «أرض النفاق» الذي يعيد فيه محمد هنيدي إحدى روائع السينما المصرية الكوميدية التي تتناول آفات اجتماعية تشكو منها مجتمعات اليوم أكثر من الأمس، مثل الكذب والنفاق وانعدام الضمير والأخلاق. علماً بأن العمل الأخير لا يعرض على الفضائيات المصرية بعدما قامت القناة التي اشترت حق عرضه بسحبه قبل أيام من بدء رمضان.
غير هذا، هناك عدد كبير من الأعمال الكوميدية كما ذكرنا آنفاً، أبرزها وفقاً لشعبيتها وشعبية القنوات التي تعرضها هي: «عزمي وأشجان»، «خفة يد»، «ربع رومي»، «الوصية»، «سك على اخواتك»، و«واكلينها والعة». «الثيمة» العامة في هذه الأعمال هي «حلم الثراء»، عن طريق النصب، أو نهب مقبرة فرعونية، أو الميراث المفاجئ. وأبطال هذه المسلسلات ينتمون إلى الطبقة الوسطى الدنيا، الذين «يضطرون» إلى مقاومة السقوط الطبقي الذي يتهددهم.

«عزمي وأشجان» مزيج مقتبس من أفلام «بوني وكلايد» و«السيد والسيدة سميث» الأميركيين

المسلسلات الثلاثة الأولى، «عزمي وأشجان»، «خفة يد»، و«ربع رومي»، تدور حول عصابة «عائلية»، تتكون من أزواج، أبناء، وآباء، يعانون مر العيش وشظفه، ومن ثم يمضون في طريق النصب رغماً عن إرادتهم، وهم ظرفاء، مضحكون وطيبون في حقيقة الأمر، يشبهون روبن هود، أو أرسين لوبين، اللص الظريف، على حد تعبير ترجمات رواياته إلى العربية. «عزمي وأشجان» مزيج مقتبس من أفلام «بوني وكلايد» و«السيد والسيدة سميث» الأميركيين، على «عصابة حمادة وتوتو» و«لصوص لكن ظرفاء» المصريين. الحبكة الأساسية فيه أن الزوجين «عزمي» (حسن الرداد) و«اشجان» (ايمي سمير غانم)، بقيادة خالها، سمير غانم، وشراكة عدد آخر من الأصدقاء، يدبرون سلسلة من أعمال النصب. ورغم أن كلاً من عزمي وأشجان يرغب في التوبة، ويعلن أن كل عملية هي الأخيرة، إلا أن شيئاً خارجاً عن إرادتهما يدفعهما للعودة إلى الجريمة، وهناك محقق شرطة غبي يسعى وراءهما، يؤدي دوره محمد ثروت.
الفكرة نفسها نجدها في «خفة يد»، وهو تعبير مصري دارج يطلق على اللصوص. واللصوص الظرفاء هنا هم محمد ثروت (المحقق في «عزمي وأشجان»)، ومحمد سلام وأيتن عامر، وكبيرهم هو أحمد صيام، وضابط الشرطة الذي يتقفى أثرهم هو بيومي فؤاد. لكن الأخير في «ربع رومي» هو الأب الذي يدفع ولديه مصطفى خاطر ومحمد سلام (مرة أخرى)، لاقتحام مقبرة فرعونية فيصاب الأب بلعنة تحوله إلى حيوان، بينما تتوالى المصائب على الولدين. السبب الذي يدفع الأب لذلك، هو فشل ولديه في أن يصبحا من ضباط الشرطة أو رجال القضاء، فالأول ممثل مغمور والثاني محامي مطمور.
يحسب لهذه الأعمال أنها تناقش تدهور الأوضاع الاقتصادية وتفشي الفساد وانعدام الكفاءة المهنية


في كل الأحوال، نحن نتعاطف مع هؤلاء النصابين الظرفاء. أضف إليهم هيفا وهبي التي تلعب دور زعيمة عصابة «طيبة» في «لعنة كارما»، وعدداً من حلقات مسلسل «واكلينها والعة» التي تتحدث عن سوء الحظ الذي يدفع الناس إلى الإجرام، كما يظهر العنوان الفرعي وأغنية المطرب الشعبي محمود الليثي «سبع صنايع... والبخت ضايع». «واكلينها والعة» يحمل الكثير من مقومات النجاح، مثل اعتماده على الحلقات المنفصلة ومشاركة فريق كبير من النجوم والكتاب والمخرجين في صنعه، ولكن للأسف الحلقات المعروضة حتى الآن ليست مرضية فنياً ولا تضحك. أما «الوصية» و«سك على اخواتك»، فيلعبان على «ثيمة» كوميدية أخرى هي الثروة التي تهبط فوق رأس شاب مصحوبة بوصية عليه أن ينفّذها قبل الحصول على الثروة. في «الوصية»، على الشاب العابث أكرم حسني تعويض يتامى تسبّب الأب الراحل في تشريدهم. وفي «سك على اخواتك»، ينبغي للصعيدي الساذج علي ربيع أن يدير شركة كبيرة بمساعدة أخواته البنات القاهريات المتحررات. هل يحمل المسلسلان فكرة تقول مثلاً إن المستقبل لن يستقيم لهذه الأمة إلا إذا راعت العدالة الاجتماعية وحقوق النساء؟ ربما، لكن أي فكرة في هذه المسلسلات الكوميدية تضيع تحت سخف النكات اللفظية الفظة والاستظراف الغليظ. حتى «ربع رومي» الذي يحتوي على أفضل كوميديا نسبياً، لا يخلو من النكات القديمة «البائتة» مثل اعتقاد إحدى الشخصيات أنّ الأقصر وأسوان مدينة واحدة. نكتة سبق استخدامها في فيلم «ورقة شفرة»، أو الإفراط في استخدام أسماء شخصيات ذات دلالات جنسية أو «شرجية» مثل «البزاوي» و«القلوطي». وبما أن معظم أبطال هذه المسلسلات يسجنون، فالاشارات إلى المثلية والاغتصاب الجنسي داخل السجن لا تتوقف، كما نرى في «الوصية» و«ربع رومي» مثلاً.
يحسب لهذه الأعمال أنها تناقش موضوعات لم يعد مستحباً مناقشتها في الأعمال «الجادة»، مثل تدهور الأوضاع الاقتصادية وتفشي الفساد وانعدام الكفاءة المهنية والنظام التعليمي وتدهور الأخلاق، وقد أثار بعضها حفيظة موظفين آثار ورجال شرطة ومحامين ومعلمين وأهالي محافظات بعينها، رأوا أنها تشوه صورتهم. ولكن لا يحسب لها محاولاتها المصطنعة للاضحاك إلى حد التهريج المرتجل، على طريقة المسرح التجاري، وعلى حساب العناصر الفنية التي يجب توافرها في أي دراما، سواء كانت تراجيدية، أو كوميدية.

«عوالم خفية»: 21:00 على cbc، و00:00 على «cbc دراما»، و22:00 على SBC
«بالحجم العائلي»: 19:45 على dmc، و22:00 على «dmc دراما»، و23:05 على «التلفزيون السعودي» و«التلفزيون الأردني»، و16:30 على alfa
«أرض النفاق»: 19:30 على SBC، و17:00 على «عمان»، و«الوطنية التونسية 1»، و22:40 على «الوطنية التونسية 2»، و19:30 على alfa
«عزمي وأشجان»: 20:30 على «النهار» وOSN، و19:00 على «النهار دراما» و«دبي».
«خفة يد»: 20:00 على «mbc مصر»
«ربع رومي»: 23:00 على mbc4، و1:00 على «الحياة»، و23:00 على «الحياة مسلسلات».
«الوصية»: 20:00 على cbc، و22:00 على «cbc دراما»، و00:00 على «art حكايات 1»، و22:00 على «art حكايات 2»
«سك على اخواتك»: 22:00 على «mbc مصر»، و22:15 على «السومرية»
«واكلينها والعة»: 22:00 على «النهار»، و20:00 على «النهار دراما»