يطرح فيلم نادين لبكي «وهلأ لوين» موضوعاً حساساً في المجتمع اللبناني هو الصراع بين مجموعات وفق انتمائها الطائفي. هذا موضوع يقع في النطاق السياسي العام، لكن لبكي تتناوله من النطاق الخاص وتحديداً من وجهة نظر المرأة لكونها وأولادها أولى ضحايا الحروب.


تتطرق لبكي إلى دور المرأة في الصراع الطائفي الذي يقع في قرية وهمية ترمز الى المجتمع اللبناني. بالفعل، تعطينا نساء القرية درساً في «العيش المشترك» لكنّه يُطرح على النسق التقليدي الذي يجعل معالجة القضايا العامة حكراً على الرجل، والقضايا الخاصة من اختصاص المرأة. وكي تتمكن المرأة من معالجة قضية عامة، عليها إسكات هذا الرجل. في فيلم لبكي، هذا شروط لإبراز خطاب المرأة التي ألغت مسؤوليات الرجل والمسائل التي يهتم بها تقليدياً أولها القضايا السياسية. وفي غياب الخلفية السياسية، تتمحور أسباب التفرقة الاجتماعية في الفيلم حول انتماء سطحي لطائفة معينة. لا وجود لطبقات اجتماعية، لا فقراء ولا أثرياء ولا تهديد مصالح بين نخب سياسية. يظهر هذا الطابع المعقّم للقرية في كل
الفيلم.
يبرز إلغاء المسائل السياسية في غياب الخطاب الذكوري، أو أي خطاب منطقي موضوعي. السياسة، كما نعرف منذ عصر الفلاسفة اليونانيين، منبر الخطاب والمنطق والجدل، وأيضاً مبرر الحرب والاحتلال. ولا وجود للأخير دون الأول.
لكن الرؤية «النسوية» للقصة تصرف النظر عن هذا الترابط. لسبب مجهول، قرّرت لبكي تصوير الرجل كآلة غضب، فغاب الحوار المنطقي باستثناء الأحاديث بين رجلي الدين (الأبونا والشيخ).
وبدلاً من أن تملأ المرأة الفراغ بلغة تحليلية موضوعية، تدخل في نوبات غضب أو حزن. فالنساء في الفيلم يعشن رعباً من فقدان أي فرد من العائلة.
اذاً، لا نقاش بنّاء لمعالجة التجزئة الطائفية لأن المرأة تتخبط بمسائل لا ترتبط بالمجتمع بل بغريزة المحافظة على النفس أي من المنطلق الليبرالي، تتعلق المرأة بخصخصة الهموم. وتصطدم هذه الغريزة بالانتساب الطائفي لكونه من قضايا النطاق العام. وبذلك، ينتهي الفيلم بتدمير أي أهمية معطاة للانتساب الطائفي، وهذا يتجسّد عندما تغيّر نساء القرية دينهن.
يصبح الفيلم خطراً عندما لا يظهر أي خلفية اجتماعية تفسّر أسباب نشوء المشاكل بين الطوائف كما علّمتنا القضية اللبنانية. هكذا تصبح القرية شيئاً من الكابوس لأنها تجسد فقط الوجه الفنتاسماغوري لحقيقة نشوء العنف.
وهذا سبب إعجاب الكثير من اللبنانيين بالفيلم. إذ يطرح قضية معقدة بصورة مبسطة مجردة من أي نقاش، فيما يكرّس الخوف من الانتماء الطائفي باعتباره «هوية تفرقة»، من دون أن يتطرّق لآليات توظيف هذا الانتماء في بلد الحروب الأهليّة.