نجح فيلم «الجوكر» في تصدر شباك التذاكر الأميركي منذ دخوله إلى سباق الأفلام ونزوله إلى صالات السينما قبل أيامٍ؛ ويمكن اعتباره الفيلم الأنجح لشركة «دي سي» المنتجة للكوميكس منذ سنواتٍ طويلة، إذ تفوق على نظرائه من شركة «مارفل» المنافسة وبمقدرةٍ كبيرة. ويذكر أن الفيلم حقق أهم جائزة في مهرجان البندقية السينمائي في دورته الحالية الواحدة والسبعين وهي جائزة الأسد الذهبي التي تعطى لأفضل فيلم.

تنجح أفلام السيرة، حتى الخيالية منها، في أن تكون جذابةً إلى حدٍ كبير، خصوصاً حين تضم بين جنباتها واحداً من أهم الـmethod actors المتواجدين في العالم حالياً خواكين فينيكس. يأتي فيلم «الجوكر» (The Joker) (إخراج تود فيليبس وكتابة فيليبس نفسه وسكوت سيلفر) ليروي قصة حياة أحد أشهر «الأشرار» (villains) في القصص المصوّرة (الكوميكس) «الجوكر» العدو اللدود والأهم للرجل الوطواط (Batman). إذاً نحنُ أمام قصة حياة «متخيلة» لشخصيةٍ «متخيلة» لكنها منذ اللحظة التي قام بها كاتب الكوميكس الإنكليزي المهم جداً في عالم الكوميكس آلان مور (بالتشارك مع الرسام براين بولاند) بخلق «قصة ولادة» لهذه الشخصية من خلال قصة «المزحة القاتلة» The Killing Joke في العام 1988، حتى تغيّرت وأصبحت واحدةً من أهم شخصيات الكوميكس عبر العصور: إنها فتنة أن تعرف لماذا هذا القاتل يقتل، أصل هذه الجريمة التي لا تنتهي، وأصل هذا الأمر منذ اللحظة الأولى. ولربما كانت تلك المرة الأولى في تاريخ الكوميكس، التي تخصص فيها قصة كاملة لشريرٍ دون أن يكون للبطل إلا دورٌ جانبي غير ذي قيمة.
يرسم الفيلم قصة حياة «آرثر فليك» الذي يعيش مع والدته ويعاني من عدّة أمراضٍ نفسية، أبرزها التهيئات والتخيلات فضلاً عن حالة خاصة من عدم قدرته على السيطرة على ضحكاته، إذ يضحك بطريقةٍ هستيرية ذات صوتٍ مرتفع. يبرع فينيكس في تقديم الشخصية بطريقةٍ شديدة الإبهار، ينجح كثيراً في إعطاء الدور الكثير من الأبعاد النفسية، مما يذكرنا بالإداء المذهل لذات الشخصية والتي أداها الأسترالي الراحل هيث ليدجر في فيلم «فارس الظلام» في العام 1988؛ ذلك الإداء المميز الذي أودى بحياته لاحقاً. اخراجياً تبدو «كادرات» ومشاهد المخرج الأميركي تود فيليبس شديدة الإحترافية، إذ ينجح في أحد المشاهد في «تعريف» مشاهد الصورة والألوان وتدرجاتها، فضلاً عن خلق جو «كئيب» للغاية في الفيلم من خلال مزج التفاصيل الصغيرة للشخصية مع محيطها: كألوان الحوائط، إذ ليس في الفيلم حائطٌ ليس «ملوناً» أو مرسوماً عليه على نحوٍ عشوائي. الشخصية عينها تظهر عشوائية طوال الوقت، تتحرك وتتصرف كما لو أنّها معلقة بخيوطٍ وهمية ودائماً لا منطقية في تصرفاتها، تحركاتها، أو حتى ما تقوله. بذل فينكس الكثير من الجهد للدخول إلى عالم الشرير الأكثر «خبلاً» في عالم الكوميكس، حتى إنه يمكن ملاحظة «جسده» الذي فقد وزناً كبيراً مما جعله يبدو كما لو أنه يعاني من مرض فقدان الشهية الشهير Anorexia؛ إذ تبين عظام ظهره وصدره. منذ اللحظة الأولى للفيلم يبدو البنيان الدرامي قوياً ومتماسكاً بشكلٍ مذهل: إنها الحكاية الأشهر في الدنيا: البطل الذي تسحقه الدنيا؛ كل شيء يدير ظهره -كل الوقت- لبطلنا: الأم الذي تحقنه كل الوقت بمعلوماتٍ غير حقيقية حول حياته ووالده، العمل الوحيد الذي يحاول إجادته لكنه يفشل دائماً في ادائه، الأدوية التي يأخذها والتي سرعان ما توقفها الدولة بحجة أنه لا أموال لهكذا أنواع من الخدمات العامة، الوالد الذي أخبرته أمه بأنه والده والذي رفضه وطرده شارحاً له بأن «والدته تزيف الحقيقة» و«متوهمة»؛ المجتمع الذي يعذبه ويهينه وحتى يضربه دون أي سببٍ منطقي أو عقلاني. كل هذه الأمور تقود آرثر إلى «إفلات الأمر»، إلى ترك «جنونه» يتولى الأمر، مما يجعله يخلق تلك الشخصية التي أرادها أن تكون «درعه» وواقعه بدلاً من «آرثر فليك» الضعيف والتافه والفاشل في كل شيء. إنها إذاً علم النفس 101: أي بمعنى أصح، إنها مبادئ علم النفس: استبدال المريض شخصيته غير المرغوبة بأخرى «مرغوبة»، «قوية» و«محبذة» وهو الأمر الذي استخدم كثيراً في السينما (حتى السينما العربية استخدمته كذلك، كما في فيلم «بئر الحرمان» (1969) الذي أدت دور البطولة فيه الراحلة سعاد حسني وأخرجه كمال الشيخ).
ما يميّز الفيلم فعلياً، ليس فقط الأداء شديد المتعة لفينكس، بل أيضاً وجود ممثلين كبار في العمل مثل روبرت دي نيرو الذي يحضر إلى العمل في شخصية فرانكلين موراي مقدّم لأحد أهم البرامج الكوميدية الـStand up على شاشات التلفزة في مدينة «غوثام» (المدينة المتخيلة حيث تجري فيها القصة). تبرز حرفة المخرج كما نجميه دي نيرو وفينيكس حين يلتقيان في مشهد العرض التلفازي من الفيلم حيث يبرز بشكلٍ كبير «تحديهما» لبعضهما البعض في إطار يذكرنا بالمسرح سواء أكان البريشتي أو الستلانسلافسكي الكلاسيكي: يعترف الجوكر بقتله لأشخاصٍ في البرنامج الكوميدي الأشهر في المدينة مباشرةً على الهواء. هنا أيضاً استعارة من أحد أشهر الجمل في عالم السينما: The Revolution must be televised؛ «الثورة يجب أن تكون متلفزة» في إشارة إلى أنَّ كل شيءٍ دون «تغطية» إعلامية لا يساوي شيئاً. تطرح الشخصية/الجوكر واحداً من أهم الخيارات في الدنيا: «إذا ما كنتم تحددون ما هو مضحك وما هو ليس كذلك، لماذا لا تفعلون ذلك في أموركم الحياتية أيضاً؟ كالسياسة مثلاً». دي نيرو ينجح هو الآخر في البقاء في الواجهة على الرغم من كل الجهد وقوة النص الذي يقوله فينيكس؛ إنها حرفة الممثل التي لم تصدأ أبداً. المشهد الذي يمكن اعتباره مشهد الـGrand Finale بحق، إذ يختتمه الجوكر بخلق شخصيته عبر الفعل الأبرز: القتل مباشرةً على شاشة التلفزة.
يبرز في العمل كذلك الموسيقى التي أبدعت الأيسلندية هيلدور غوانادوتير في صناعتها وتذكرنا كثيراً بإبداعات هانز زيمرمان، كذلك مصمم الديكور مارك فرايدبيرغ الذي خدم بشكلٍ فاعل رؤية المخرج فيليبس الإخراجية؛ كذلك يمكن الحديث عن مهارة المصوّر لورانس شير والذي قدم زوايا كاميرا تذكر كثيراً بالأفلام الكلاسيكية المهمة في تاريخ السينما.
في الوقت عينه، تصر شركة «دي سي» دائماً على «تدمير» ممنهج لعالم الكوميكس وجمهوره، لربما في محاولة لجذب جمهور جديد مختلف عن الجمهور الذي تعتقد أنها «لا تزال تحتفظ به»، فمثلاً الإشارة في الفيلم إلى أنَّ «الجوكر» هو «ابن توماس واين» هو مختلف عن «معتاد» الكوميكس، وهي «لعبة درامية» لا حاجة لها. يضاف إلى ذلك الإصرار على «خلق» تبريرات منطقية أو غير منطقية لسلوكات الجوكر الإجرامية، فيما في الكوميكس جرائم «الجوكر» هي ببساطة مزج بين حالته النفسية ووقوعه في مستوعب من المواد الكيميائية التي أثّرت على عقله وشكله في آنٍ معاً، فأصبح شعره أخضر ووجه وجلده أبيضين. في الفيلم لم يجد عشاق الكوميكس أياً من هذا؛ بل كانوا أمام شخصية مريضة نفسياً، ترسم بالألوان على وجهها وتصبغ شعرها، فيما تقوم بأعمالها «الشريرة» دون أي سببٍ سوى الإنتقام.

شخصية المهرّج
خلقت الشخصية في العام 1940 مع مؤلفي باتمان الأوائل بوب كاين، بيل فينغر، وأضافا إليهما جيري روبنسون، كان الجميع بيحث عن «شريرٍ» يناسب شخصية «باتمان» القاسية والحادة الطباع، شخصيةٌ ترتدي ثياباً «كاريكاتورية» تشابه تلك التي يرتديها البطل: شريرٌ «مسلٍ» يرتدي ألواناً ضاحكة. ولأن «المهرج» في المجتمع الأميركي شخصية شديدة التناقض وتشكل جزءاً من الأساطير المحلية (urban legends) حينما يصبح «المهرج» قاتلاً أو شخصية «مخيفة» أو «مرعبة»؛ كتلك التي استخدمها غير كاتب كما في فيلم IT (بأجزائه الكثيرة) مع كاتب الرعب الأشهر ستيفن كينغ. الجوكر الذي خلقت شخصيته عبر وقوع مجرم أقل من عادي في مستوعب للمواد الكيماوية إثر ملاحقة الرجل الوطواط له، أصبح واحداً من أهم شخصيات الكوميكس بسرعة بالغة. ميزة الجوكر أنه يقوم بجرائمه بطريقةٍ ذكية وعبقرية للغاية إنما دون أي سبب منطقي لها سوى أنه يرغب بذلك. إنه «أنارشي» بشكلٍ مطلق: رافض لأي نوع من أنواع السلطة، سوى الفوضى بحد ذاتها. إنه يعرف شخصية باتمان السرية، لكنه لايرغب في أن يخبر أحداً بها، فذلك يفسد لعبته الأزلية: أن يجد خصماً يليق به، يرفض كذلك أن يقتل باتمان حتى ولو استطاع، يريد أن «يتسلى» كما يقول دائماً. التسلية بالنسبة لهذه الشخصية هي على حساب الآخرين وبالطريقة الأسوأ دائماً. فتنة الشخصية كما يشار الدائمة في أنها تمثل "اللحظة" التي يفقد المرء إتصاله بأي قانون أو منطق من أي نوع، ولابد هنا من أن نتذكر فيلم «البحر بيضحك ليه» للمخرج محمد عبدالعزيز والممثل محمود عبدالعزيز حينما يدخل البطل إلى عمله ويبدأ بصفع الناس على وجوههم من البواب وصولاً حتى مدير المؤسسة مروراً بجميع من كانوا هناك واحداً واحداً. هذا المشهد هو حلم كل موظف في العالم، وهو ذاته ما يجعل «الجوكر» شخصية جذابة إلى أقصى الحدود.

ما يسر عشاق الكوميكس:
في الفيلم العديد من المفاجأت Easter Eggs التي تسر عشاق الكوميكس كثيراً، إذ يعاد تشكيل مشهد مقتل والدي بروس واين والذي أدى لإيجاد شخصية باتمان، خلق المخرج فيليبس المشهد كاملاً حتى مع تفاصيله الدقيقة؛ وهذا نوع من الـ Tribute للكوميكس ولشخصية باتمان. كذلك هناك مشاهد كثيرة من قصص الكوميكس: ظهور باتمان الطفل؛ بروس واين وخادمه المخلص ألفرد كبداية، ثم مشهد رقص الجوكر مرتدياً ثيابه الشهيرة من قصة «المزحة القاتلة»: البزة البنفسجية والقميص الأصفر، المهرجون المتناثرون بكثرة من قصص متعددة، مشهد مستشفى «أركهام» لعلاج الأمراض العقلية، ظهور اسم عائلة «كاين» عبر المعالجة النفسية للجوكر، وعائلة كاين هي عائلة والدة باتمان، وبنفس الوقت عائلة «المرأة الوطواط».