وأخيراً، وقع الخبر الذي كنّا نخشاه ونتوقعه في آنٍ، منذ الإثارة المفتعلة التي صارت «قضية مشروع ليلى». لقد أصدرت إدارة «مهرجانات بيبلوس الدولية» بياناً بارداً ومقتضباً يحاول تجاوز المرارة والخيبة: «في خطوة غير مسبوقة، ونتيجة التطورات المتتالية، أُجبرت اللجنة على إيقاف الحفلة المقرّرة مساء 9 آب (أغسطس) 2019، منعاً لإراقة الدماء وحفاظاً على الأمن والاستقرار، خلافاً لممارسات البعض. نأسف لما حصل، ونعتذر من الجمهور». وطبعاً بالإمكان التساؤل حول فكرة «إراقة الدماء» التي تذكّر بمشاهد بشعة من أيّام انطلاق «داعش» في الموصل.

ما هو الخطب الجلل الذي يستدعي «إراقة الدماء»؟ هذه المرّة ليس خلافاً على بيت عتابا كما في يونين، بل تأويل سطحي وخاطئ لأغنيتين لفرقة الروك البديل أصدرتهما عام 2015 (وسبق أن غنتهما في اهدن وعمشيت وجبيل!)، تحوّلتا إلى قضية تهزّ الوطن بعد تهويل رجال الدين ومرجعياتهم، ومختلف أشكال التهديد المباشر وغير المباشر التي شحنت نفوس مواطنين لا يعرفون شيئاً عن الأغنيتين ولا عن مؤلّفيهما. تحوّلت الأغنيتان إلى تهديد مباشر لكرامة المؤمنين وتحوّل أصحابهما إلى «عبدة شيطان» و«مروّجين للمثلية». وها هم نوّاب جبيل الثلاثة (زياد حواط وسيمون أبي رميا ومصطفى الحسيني) يدلون بدلوهم بعد إعلان إلغاء الحفلة، فيزيدون الطين بلّة، ماضين في الترويج للشائعات والفهم الخاطئ. فهم من جهة يدّعون الالتزام بـ «أحكام الدستور والقوانين اللبنانية» والغيرة على «المقدّسات والقيم والمبادئ». ومن جهة ثانية يتجرّأون على الحديث عن «احترام الحريّات» ويتمسكون بـ «بضرورة الحفاظ على الرابط التاريخي القائم بين جبيل والثقافة والفن، وتطويره».
القضية أثارت نقاشات كثيرة يضيق المجال عن استعادتها هنا، لكن المؤكد أنّ لبنان الراهن لم يعد يشبه الصورة النهضوية والحداثية التي لازمته منذ الاستقلال. ها هو يضيق بـ «مشروع ليلى» التي سبق أن مُنعت مرّتين في الأردن ومرّة في مصر مع حملة تجريح وتضليل على مستوى المسؤولين والإعلام. في لبنان، واجهت الفرقة تحقيقاً أمنياً وخضعت لحكم قضائي ولبازار بعض القوى السياسية ومزايداتها، ولهجوم المرجعيات الدينية ولم تسفر الاجتماعات بالمرجعيات الروحية، بعيداً عن الأضواء، عن أي نتيجة إيجابية. حتى إنّ اللجنة الأسقفيّة لوسائل الإعلام برئاسة المطران بولس مطر، أصدرت بيان التكفير والمنع قبيل إعلان «بيبلوس» عن إلغاء الحفلة!
لم نتمكّن من التواصل مع أي من أعضاء الفرقة لنسألها عن رؤيتها لمستقبلها الفنّي في لبنان والمنطقة العربية حيث باتت عاجزة عن إحياء حفلة واحدة. لكن «مشروع ليلى» نشرت بياناً مطولاً على صفحتها، تشرح فيه ملابسات القضية. تحدثت الفرقة عن سمة التعدد والاختلاف التي طبعت أعضاءها، لتشكّل مرآة لهذا الوطن، عائدة إلى كيفية افتعال الجدل حولها من خلال «كاهن أنتج فيديو قيل فيه أشياء مريعة وغير صحيحة عنّا، فسـألنا عنه وفهمنا أنه صدر بحقه حكم كنسي تأديبي بوجوب تعليق جميع نشاطاته الكنسية. إلا أنه لم يلتزم بذلك». لكن سرعان ما كبرت كرة الثلج، مع بروز صفحات افتراضية وهاشتاغات تهاجم الفرقة وتحرّض عليها حتى «بقينا نحاكم في الشارع، وتحول كل من يرغب إلى قاضٍ يصدر الأحكام، وينفذها بحقنا». واعتذرت الفرقة من «أي شخص استشعر مسّاً لمعتقداته في أيّ من أغانينا»، وتمنّت لجمهورها لقاء آخر «على أمل أن يتم ذلك في أجواء أكثر تسامحاً وتقبلاً لما هو مختلف، في وطن يشبه فعلاً ما يتباهى به مقولة». في هذا الإطار، عبّرت أوساط حقوقية وثقافية عن خبيتها من الطريقة التي أديرت بها المعركة، إذ فضّل أصحاب الشأن التفاوض على المواجهة المباشرة وتحويلها إلى قضية رأي عام. أما المدير الفني للمهرجان، ناجي باز، فتصريحه القصير يعبّر عن عبثية الموقف وخطورته. قال لـ «الأخبار»: «اسمحوا لي أن أكتفي بمضمون البيان الرسمي. ففي غمرة الغضب والمرارة والشعور بالقهر، من الحكمة التزام الصمت».
من حقنا اليوم أن نقلق على مصير الفكر والإبداع تحت وصاية المؤسسة الدينية والسياسية. باختصار، يمكننا القول إنّه بعد سابقة إلغاء حفلة روك بضغط الجماعات المذعورة، تساوى لبنان رسمياً يوم أمس مع الإنحطاط العربي العظيم!