فرانسيسكو كاربالّو منظّر وأكاديمي سياسي مكسيكي يحاضر في قسم السياسة والعلاقات الدولية في Goldsmiths في جامعة لندن. كما يشغل منصب المدير المشارك لمركز دراسات ما بعد الاستعمار، وعميد دراسات الماجستير في السياسة والتنمية والجنوب العالمي في جامعة لندن. وهو ينشر بانتظام تحليلات سياسيّة وأبحاثاً أكاديمية باللغتين الإنكليزية والإسبانية. «الأخبار» التقته في لندن، فكان هذا الحوار حول حضور سمير أمين في أميركا اللاتينية


كأكاديمي متخصص في أميركا اللاتينية، كيف يُنظر إلى أفكار سمير أمين في ذلك الجزء من العالم؟
- من أجل فهم جاذبيّة أمين عند المثقفين في أميركا اللاتينية من الجيد النظر إلى لحظات مهمة في سيرته الذاتية. بنى أمين اسمه كصانع سياسة، كتكنوقراطي، لكن نوع مختلف من التكنوقراط الذين اعتدنا على المعاناة منهم في العصر النيوليبرالي الحالي. كخريج شاب من مدارس النخبة الباريسية، عاد أمين إلى مصر في عام 1957، في وقت لم يكن فيه ناصر يوطّد سلطته فحسب، بل أعطى شكلاً لمشروع راديكالي وطني شعبي جديد ومبتكر يهدف إلى تأكيد الاستقلال السياسي الرسمي لبلده. والأهم من ذلك اكتساب السيادة الاقتصادية الفعالة لأمته. وقد تم تحقق هذه السيادة على مستويين:
1) احتاجت مصر إلى مشروع تحديث سريع قائم على تعزيز الدولة القومية والتصنيع وبناء البنية التحتية وتأميم القطاعات الاقتصادية الرئيسية وإنشاء مؤسسات الرعاية الأولية.
2) الحاجة إلى تشكيل كتل إقليمية ودولية قادرة على مواجهة ضغوط الإمبريالية الغربية، في الوقت الذي كان فيه الغرب لا يزال يتعافى من حصاد الحرب العالمية الثانية وتأثير الدومينو الذي فقدت فيه الإمبرياليّة الكثير من ممتلكاتها في الخارج في بحر سنوات قليلة. إن جهود عبد الناصر لتعزيز الوحدة العربية وتحالف باندونغ بين الدول الأفريقية والآسيوية ينبغي أن تفهم في هذا الضوء. كان أمين بالفعل نوعاً مختلفاً من التكنوقراط: لديه مواقف سياسية جدية (كشيوعي متشدد)، ولكنه أيضاً ذو خيال واسع في وظيفة تتطلب سلوكاً مهنياً جامداً. وهو بالفعل عمل بمنهجيّة صارمة. وعلى النقيض من معظم التكنوقراط، كان أمين مهتماً بإنتاج سياسات تستجيب للظروف الخاصة بالبلاد بدلاً من استيراد الوصفات الأجنبية أو تطبيق دوغما الكتب المدرسية بشكل أعمى في حياة أشخاص حقيقيين. كان أمين وقتها شاباً صغيراً وصادقاً جداً (وربما راديكالياً جداً) للتأثير على حركة الضباط الأحرار. على أي حال، فإن وقته في خدمة حكومة عبد الناصر كان حاسماً في تطوره السياسي والفكري. ليس هذا فقط. فقد تزامن مع روح الثورة المصرية (عندما كان التحديث والسيادة الاقتصادية ومناهضة الإمبريالية هي الموضوعات الرئيسية للسياسة الخارجية المصريّة)، ولكن وقته في الحكومة ساعده على فهم إمكانيات ونقائض الأنظمة الشعبية الوطنية في تحقيق آمال التحديث والتنمية. كما تعلّم عن القيود الدولية التي تواجهها الحكومات التي تتحدى الغرب الإمبراطوري، وأيضاً عن التناقضات الداخلية ونزوع هذه الأنواع من الأنظمة إلى كسر وعودها. شيء آخر: خلال هذا الوقت أصبح أمين باحثاً تجريبياً صارماً للغاية ومحللا ًمذهلاً للغاية لاتجاهات الاقتصاد الكلي والمواقف السياسية. أفكر هنا في تحليلاته لمصر وغانا وساحل العاج والسنغال منذ الستينيات.
أثرت هذه التجارب المهنية الأولية بشكل كبير في انشغالات أمين الفكرية والسياسية، وأصبح اهتمامه الطويل الأمد – إذا أردنا وصفه بصيغة بسيطة - كيفية تكييف الأدوات النظرية المتاحة له مع الظروف الموضوعيّة الجديدة التي تعيشها الدول حديثة التشكل في الجنوب العالمين والتي لم تكن أمامها وصفات جاهزة لها في نصوص الأكاديميين الغربيين. وهذا لا يعني فقط إدراك أن النظرية الغربية غير قادرة على فهم تعقيدات العالم الثالث، ناهيك بتقديم النصائح بشأن الحلول الممكنة لتخلفها البنيوي. ولكن أيضاً كان من الأهمية بمكان نقد الحداثة من وجهة نظر بقية العالم وبعبارة أخرى: من منظور الجنوب العالمي. للقيام بذلك، كان من الضروري من حيث المبدأ أن لا تصنّف الأميركتيان وأفريقيا وآسيا خارج سياق عالم الحداثة. لقد كانت هذه المناطق دائماً من العناصر المؤسسة لتطور العالم الرأسمالي الحداثي. وبدون فهم الاستغلال والنهب المنهجي لها، فإنه من المستحيل فهم النمو المتسارع للرأسمالية الغربية. شرحت أعمال أمين كل هذه الأمور بطريقة صارمة ومنظّمة، من النظرية الأكثر وضوحاً للإمبريالية الاقتصادية وخلق القيمة عبر استغلال الجنوب العالمي إلى نقده القوي لنزعة المركزيّة الأوروبيّة.
لا عجب في أنّ مثقفين كثراً من أميركا اللاتينية وجدوا في أمين روحاً ملهمة. لقد قدّم صياغة قوية لموضوعات كانت أساسية بالنسبة لليسار الأميركي اللاتيني غير التقليدي وتأكيده - كمفكر من الشرق الأوسط - على أن المشاكل التي تواجهها دول أميركا اللاتينية شائعة في العالم الثالث ككل. كان هذا ذا أهمية بالغة في الوقت الذي كان يُنظر فيه بشكل متزايد إلى تجارب القرن التاسع عشر في بناء الأمم في المنطقة، على أنها غير كافية لتقديم الوعود المراوغة للحداثة. قدّم أمين منهجيّة لتطبيق الاقتصاد السياسي الماركسي على مشكلات التخلف، وهو سؤال مركزي لجيل أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن الماضي الذي كان يريد تثوير العمل المبكر لراؤول بريبش Raul Prebisch وتلامذته عن الفوارق الهيكلية بين المركز والأطراف. اليوم ، يستمر تراث أمين الفكري من خلال دراسات نظرية الاستعمار التي تستلهم نقده للمركزية الأوروبيّة ودعوته إلى فكّ الارتباط.

ينحدر أمين من العالم الثالث لكنه تلقى تعليمه رفيعاً في الغرب، على أنّه لم يسقط في فخ فقدان جلده والتحول إلى بوق للغرب كما حدث ويحدث مع العديد من مثقفي العالم الثالث. ما هي الصفات الذاتية التي ساعدته على أن يكون بتلك الصلابة؟
- هذه نقطة مثيرة جداً للاهتمام، وهي ذات صلة بنا اليوم لكنها كانت ذات أهمية أقل بالنسبة لأمين نفسه. في وضعنا الحالي، تأخذ الثقافة مشهديّة مركزية في المعارك السياسية، ربما على حساب الصراعات الاقتصادية. الثيمة الرئيسة للسياسة الراديكالية اليوم هي اتهام واضح ضد الغرب بوصفه حاملاً لإرث ثقافي يدعي التحدث بلغة الحرية والمساواة، ومع ذلك فإن ممارساته اليومية، في الداخل والخارج ديدنها النفس الامبريالي وأشكال الاستعمار الجديد والعنصرية والنهب. وبهذا المعنى، يبدو أن هذه الإدانة والتوجه نحو فك الارتباط مع الغرب والتنصل من ثقافته المانوية الطابع هي في قمة جدول الأعمال. بالنسبة لأمين، لم تكن المشكلة المركزية هي الغرب، كنموذج ثقافي مهيمن وإنما الرأسمالية. لقد تم تنظيم الرأسمالية بطريقة كان للغرب فيها دور مركزي قيادي بينما يقوم بقيّة العالم بدوره كأطراف. ما كان على المحك، بالنسبة لخبيرنا المصري، في قمع الرأسمالية وبناء الاشتراكية، إيجاد طريقة للافادة من معطيات الحداثة التي اعتبرها تقدماً لا يمكن إنكاره للعالم الحديث - من الحقوق السياسية والاجتماعية إلى الاكتشافات العلمية والتكنولوجية المفيدة والأدوات - وتوظيفها لخدمة الحاجات الإنسانيّة الضروريّة. كان لهذه المشروع مساران مختلفان: إحداث تغيير في عالم الجنوب ولكن أيضاً بناء تحول ثوري في الشمال. إلى حد ما، لم يكن مشروع أمين معنياً بتصور فردانيّة الجنوب العالمي بقدر ما كان يريد إظهار كيف أن ذلك الجنوب هو جزء لا يتجزأ من النظام العالمي الرأسمالي. كان أمين منخرطاً بشكل متواز مع حركات التحرر الوطني في الجنوب كما مع الفصائل المختلفة التي تناضل من أجل ثورة في أوروبا الغربية والتيارات التي تحاول تعميق التوجهات الاشتراكية لدول أوروبا الشرقيّة.
أمين باعتباره مفكراً طليعياً وناشطاً سياسياً، كان متسقاً مع ذاته في نقده للرأسمالية العالميّة ودفاعه في ذات الآن عن الحداثة. وهو بهذا المعنى، شعر بقلق متزايد من الانتقادات الثقافية التي تتجاهل ما اعتبره النقاط الرئيسية في أي تحليل: نمط الإنتاج والتبادل في الرأسمالية العالمية.

لقد أطلق الرئيس مادورو قبل أيّام هجوماً إقتصاديّاً مضاداً قد يغيّر من قواعد اللعبة في النّظام المالي العالمي. وكان أحد الزّعماء القلائل الذين نعوا سمير أمين في العلن. هل تعتقد ان الثورة البوليفارية في فنزويلا تأثرت بأفكار أمين لا سيّما لناحية نظريته في فك الارتباط بالإقتصاد العالمي؟ وهل تعتقد شخصياً أن مثل تلك السياسة يمكن أن يكتب لها النّجاح؟
_ كان هوغو شافيز قارئاً متعطشاً من طراز استثنائي. يؤمن بشدة بقوة الأفكار ويختلف عن معظم قادة الدول المعاصرين في سعيه الحثيث لمنح حكومته وحزبه السياسي وثورته البوليفاريّة عمقاً أيديولوجيا. في نهاية المطاف، أراد شافيز أن يكون منشئاً للاشتراكية في القرن الحادي والعشرين، اشتراكية قادرة على تحقيق العدالة الاجتماعية دون الوقوع في أخطاء اشتراكية القرن العشرين. وبهذا المعنى، قرأ شافيز عشرات من المؤلفين واجتمع بكل أنواع المفكرين منذ الأيام التي كان يخطط فيها للعودة إلى الحياة العامة من محبسه في سجن ياري. كان أمين أحد المؤلفين العديدين الذين تركوا انطباعاً لدى تشافيز، لكنني أشك في أن الوقت الكافي كان لديه الوقت للانخراط حقاً في دراسة تحف أمين الفكريّة مثل "قانون القيمة" و"التطور غير المتكافئ" و"المادية التاريخية". وجدت الثورة البوليفارية في أمين رفيق رحلة لتوجهاتها (التي قد لا تتحقق دائماً في الممارسة) في تجربة فنزويلا إذ تتطابق كثير منها مع روح المقترحات العملية التي قدمها أمين مثل الحاجة إلى فك الارتباط عن رأسمالية الهيمنة الأميركية، وبناء مؤسسات قادرة على تجميع الاقتصادات الطرفية في الجنوب العالمي. ويعتبر بانكو ديل سور (بنك الجنوب)، وهو بديل من أميركا الجنوبية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، خير دليل على هذا التطابق.
على أي حال، سيكون من الظلم إلى حد كبير اتهام أمين أو أي اقتصادي آخر غير تقليدي بالأزمة الخطيرة التي تواجهها فنزويلا في الوقت الحاضر، لا سيما جحافل المهاجرين الذين يغادرون البلاد والتي تعيد للأذهان صوراً من الماضي السوري القريب. فنزويلا ليست مجرد بلد آخر في العالم المضطرب اليوم. ربما نستطيع أن نقول إن فنزويلا هي أهم مختبر سياسي للصراع الإيديولوجي بين اليسار واليمين وأرض المواجهة الأحدث والأكثر دراماتيكية بينهما. للمخاطر التي تواجهها حكومة مادورو أبعاد متعددة ويمكن تفسيرها بعدد من العوامل المختلفة من الأسباب الخارجية إلى العيوب الإدارية ومشكلة الفساد البنيوي في أميركا اللاتينية. ومع ذلك، لا توجد لدينا بعد مسافة تاريخية كافية حتى الآن لتعيننا على فهم هذه الأزمة بدقة. إن الفشل الظاهر لمادورو هو عند المعسكر الإمبريالي، دليل حاسم على عدم جدوى الإبتعاد عن الوصفة النيوليبرالية للإقتصاد. قارن هذه الإدانة المسبقة لأسلوب مادورو في إدارة الأزمات بقصائد المديح الفارغ التي يتم تقديمها إلى ماوروشيو ماكري في الأرجنتين أو حتى إلى أردوغان في تركيا ومودي في الهند بينما لا يقترح أحد أن أزماتهم (وكل هذه الدول تعاني من أزمة هيكلية دورية) دليل أكيد وواضح على عدم قدرة رأسمالية الأطراف على الاستقرار نهائياً في الجنوب.

تواجه تركيا معضلة كبرى فيما يتعلق بعملتها تبدو أنها تهدد الاقتصاد العالمي بأزمه مالية جديدة. مرة أخرى، يتم التأكيد على أن الاقتصاد الليبرالي مكسور إلى درجة لا يمكن اصلاحها. لماذا تعتقد ان البلدان الرئيسية في الجنوب لا تتعلم من الدروس المتكررة ولا تخطو بجديّة نحو فكّ الارتباط؟
__ إحدى النتائج الأولية للأزمة التركية – والتي لا نزال غير قادرين على تصور مآلاتها - أنها بيّنت للرأي العام قبل المتخصصين تلك المسافة الكبيرة التي تفصل بين خطاب أردوغان القومي المتشدد المعادي لأوروبا والحقائق الهيكلية للاقتصاد التركي الذي يرتكز بشدة إلى الاستثمار الأجنبي المباشر (ومعظمه أوروبي) والذي جلّ صناعاته الرئيسية من السياحة إلى المطاحن لا تزال مرتبطة بشكل عضوي بالرأسمالية الغربية.
في العقدين الأخيرين أو نحو ذلك، رأينا عملية هامة لإزالة التغريب من مناطق رئيسية في الجنوب العالمي. إزالة التغريب بمعنى التحدي الفعال للهيمنة الأيديولوجية والثقافية والدينية بل وحتى السياسية للغرب من قبل بعض بلدان الجنوب العالمي. أفكر قبل كل شيء في الصين، المثال الأكثر نجاحاً حتى الآن، لكن أيضاً الهند، وروسيا، وإيران، وجنوب أفريقيا، والحكومة التقدمية في أميركا اللاتينية. تبجح أردوغان بأن تركيا كقوة إقليمية لا ترغب – على خلاف سابقيه - في استكمال التكامل التركي في المشروع الأوروبي. لقد أدار أردوغان مشروعه بحذق من خلال تزويج قومية أتاتورك وأنصار التحديث والدولة القوية مع الأبعاد الثقافية للإسلام السياسي. هذان العاملان مصحوبان بحلم استعادة مجد ونفوذ تركيا العثمانية.
ما هو واضح الآن، وهذا هو الدرس الذي تعلمناه من أمين، هو أن أي محاولة جدية لفك الارتباط عن الغرب - وإزالة التغريب هو شكل من أشكال فك الارتباط - يجب أن يبدأ أولاً وقبل كل شيء محاولة اكتساب السيادة المالية. إن الحديث عن لغة القومية السياسية والفروق الثقافية والدينية تنتهي لصراخ فارغ ما لم تكن متجذرة في الاستقلال الاقتصادي المناسب. يحتاج أردوغان أن يضع نقوده في الصحن الذي يأكل منه. سياسة مهاجمة الإمبريالية الأميركية بينما يفتح أبواب تركيا مشرعة لصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ستكون نهايتها مثل اليونان، إذ سيتقيّد أردوغان حرفياً بالتعليمات الخاصة لترويكا جديدة تحاول انقاذ الإقتصاد المنهار على نحو يفقد نظامه كل شرعية مزعومة يدّعيها.
أفترض أن إحدى المزايا القليلة لوجود دونالد ترامب في البيت الأبيض هي أن التناقضات العالمية تصبح أكثر وضوحاً وتدفع بإتجاه اتخاذ خيارات صعبة. لن أحبس أنفاسي بإنتظار تنفيذ أردوغان تهديده بالبحث عن حلفاء جدد في الصين وروسيا وإيران. إنه في اللحظات الحاسمة، مثل الأزمة المالية الحاليّة، ينكشف فيما إذا كانت عملية إزالة التغريب أكثر من مجرد بادرة خطابية تروق لحشود الإثارة الفارغة دون أن تفعل الكثير لتحدي ترتيبات الهيمنة في عالمنا الذي تقوده الولايات المتحدة.

على الرّغم من جميع التدابير الرأسمالية الطابع التي اتّخذتها الصين واندماجها العميق في الاقتصاد العالمي، بقي أمين يحاجج بأن التجربة الاشتراكيّة هناك ناجحة بشكل لا يصدق. كيف تفسّر ذلك؟
_ عندما نتحدث عن الصين هذه الايام، يجب علينا أولاً أن ننظر إلى تقييم فرانك ديكوتتر الواعي لنظام ماو الاستبدادي أو أن نتابع مباشرة، على إنستغرام، المضايقة المستمرة التي عانى منها آي ويوي Ai Weiwei على يد نظام بكين وكلها تشير إلى أزمة شرعيّة عند النظام السياسي للعملاق الآسيوي. بالنسبة إلى جيل أمين من مثقفي الجنوب، فإن قصة الصين كانت شيئاً مختلفاً تماماً. لقد مثلت الثورة الصينية نقطة الانطلاق لشواغلهم السياسية. كانت الثورة الروسية بالنسبة لهم ما قبل التاريخ و عام 1949 - تأسيس جمهورية الصين الشعبية – السنة الأولى للثورة العالمية. الصين كانت أول جهد حقيقي للثورة الاشتراكية في بلد متخلف بشكل كبير. إلى حد ما، لم تكن الصين تمثل الظروف الاجتماعية والاقتصادية لمعظم العالم فحسب، بل كانت تعني أيضاً تصور الاشتراكية خارج أصولها الثقافية والتاريخية الغربية. وبهذا المعنى، يجب إدراك تاريخ الثورة الصينية على أنه أكبر مشروع للتحديث على الإطلاق خارج للمفاهيم التطورية للنظرية التاريخية الغربية، والتي تحذر من القفز على المراحل الطبيعية للتنمية: الإقطاع، والرأسمالية قبل الوصول إلى الاشتراكية. كانت الصين المحاولة الأكثر تطرفاً لتحقيق قفزة نوعية من "تكوين ما قبل الرأسمالي" إلى الحداثة العالية. إذا كنت تقرأ كتابات أمين، على سبيل المثال، عن التنمية غير المتوازنة، أو الطبقة والوطنية تاريخياً وفي الأزمة الحالية (1980)، سترى أن أمين أقرب إلى تجربة الصين من روسيا، ومن الناحية النظرية، ووجد في ماو محاوراً أقرب إليه من لينين.
في الإجابة على سؤالك من الضروري أن نأخذ في الاعتبار أربع نقاط مهمة:
1) يستخدم أمين الصين كنوع من "النوع المثالي" - كما في صيغة تفكير ماكس فيبر - للتفكير في المشاكل التي تعاني منها دول الجنوب التي عانت من ماضي الاستعماري أو شبه الاستعماري وكيف يمكن التغلب على هذه المشاكل من خلال مشروع اجتماعي حديث. في نهاية المطاف، كانت روسيا قوة أوروبية من الدرجة الثانية، ربما ليس في مستوى إنكلترا وألمانيا، ولكنها لا تزال جزءاً كبيراً من الغرب اقتصادياً وفلسفياً. كانت الصين جهداً أكثر راديكالية لترجمة مبادئ الماركسية إلى حقائق العالم غير الغربي
2) بهذا المعنى، يهتم أمين بتاريخ الثورة الصينية ككل وليس فقط في شخصية ماو تسي تونغ كما حال الكثير من الشيوعيين المؤيدين للصين في جميع أنحاء العالم. درس أمين السوابق المباشرة لثورة ماو: حركة الرابع من مايو، ثورة تايبينغ، مشروع تحديث جومندانج. وكان يرى هذا المشروع التحديثي الطويل المدى الذي في نفس الوقت تم بناؤه كمشروع سياسي إمبريالي مناهض للغرب. وبوصفه ماركسياً من الجنوب، كان أمين مهتماً بالتجربة الصينية بنفس الطريقة التي درس فيها لي كوان يو إصلاحات ميجي اليابان المسيطر عليها لتخيل إمكانية وجود رأسمالية غير متغربة في آسيا في النصف الثاني من القرن العشرين.
3) أمين كان معجباً بالنجاح الذي حققه الاقتصاد الصيني في العقود الأخيرة. ما يشير إليه الاقتصاديون السياسيون بـ "رأسمالية الدولة" يدعوه المسؤولون الصينيون بـ "اشتراكية السوق". لقد رأى أمين في هذا التطور المتسارع مثالاً قوياً (وأكثر أو أقل) لنظريته في فك الارتباط عن الاقتصاد العالمي الذي يديره الغرب. وعلاوة على ذلك، قدم أمين قراءة مثيرة للاهتمام للتاريخ الشيوعي الصيني الذي مهدت فيه قرارات ماو المبكرة بشأن "المسألة الزراعية"، وبعض أكثر تدابير التحديث جذرية في الفترة الشيوعية السائدة الطريق إلى ما يحدث اليوم. بعبارة أخرى: لم ير أمين اختراقاً جذرياً بين ماو ودنغ شياو بينغ، بل كان نوعاً من الاستمرار في مشروع التحديث "بوسائل أخرى". كما اعترف في التجربة الصينية بأهمية الاقتصاد المخطط. وفقاً لأمين، فإن إنجازات الرأسمالية الصينية تكمن في تبني التخطيط الاشتراكي القديم المتمكن.
4) بصفته رجلاً من اليسار غير التقليدي، ينتقد أمين عدم وجود ديمقراطية جوهرية في الصين. رأى بوضوح كبير مخاطر مثل هذا النظام الرأسي. وعلاوة على ذلك، فإن الإمكانية الوحيدة لرد الصين من رأسمالية الدولة إلى ديمقراطية العمال الصحيحة، إلى الاشتراكية الحقيقية، هي الضغط المنظم للحركات الاجتماعية. كان أمين ينتظر ثورة اجتماعيّة في قلب ثورة التحديث الصينية في القرنين العشرين والحادي والعشرين.

يقول البعض إنّ نموذج دبيّ يشكل تحدياً لنظريات أمين. فهناك مدينة تمكنت من فرض نفسها على الاقتصاد العالميّ عن طريق تعميق التشبيك مع الاقتصاد العالمي بدلاً من فكّ الإرتباط. كيف كان أمين يرى هذه التجربة، وما هي الدّروس التي يمكن تعلّمها؟
_ يمكن للمرء أن يجادل بأن دبي قد وضعت طريقها الخاص في الاقتصاد العالمي. وبهذا المعنى، فإن دبي هي عقدة متوسطة الحجم في النظام الرأسمالي العالمي فقط لأن موقعها داخل منطقة جغرافية محميّة بشدة من الاقتصادنا العالمي. في نهاية اليوم، حتى لو كانت دبي والمدن من نوع أبو ظبي أو الدوحة هي منشآت مالية ساطعة حيث يمكن استثمار بعض عائدات التجارة السيئة محلياً، فإن هذا النوع من المدن يعتمد اعتماداً تاماً على على صناعة النفط. شعر أمين أن الطريقة الوحيدة لإحداث تأثير في الاقتصاد العالمي بطريقة ذات مغزى، هي أن تمتلك خاصية التنافسية العالمية. والتنافسية هنا تعني إنتاج قيمة بطرق هادفة: التصنيع الناجح، والابتكار التكنولوجي والاكتشافات العلمية. يمكن العثور على بعض من هذه العناصر في دبي كما هي في كوريا أو الصين. لقد ميّز أمين بدقة أن الدول، كما هو الحال لبعض البلدان الغنية بالنفط، يمكن أن تكون غنية مالياً ولكنها هامشية بالنسبة للاقتصاد العالمي. أخشى أن تكون دبي مثالاً آخر لتجربة ثقافية/ سياسية في الواقع الافتراضي: كيف ستبنى الحداثة ما بعد الغربية إذا كان كل شيء معتمداً على شراء السلع والمضاربة في العقارات. ومع ذلك، من المثير للدهشة أن نرى دبي كمثال ناجح على التجربة الصعبة لتحقيق توازن دائم بين الإحترام القوي للتقاليد مع موقف منفتح تجاه المستجدات التي تنتجها ثقافتنا العالمية بلا نهاية.

إنتقد أمين بشدة الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين) وكذلك الهندوسية السياسية والبوذية السياسية. ومع ذلك فإن هنالك بعض الحالات الاستثنائيّة (حزب الله ولاهوت التحرير في أميركا اللاتينية) كانت في قلب المواجهة مع القوى الإمبريالية. كيف كان أمين يقرأ ذلك؟
_ سمير أمين كان مفكراً لاذعاً ولكنه لم يكن بأي حال من الأحوال أصم دينياً. لقد فهم، أفضل من كثير من الماركسيين الغربيين، الأهمية الاجتماعية والثقافية للدين. لقد تعلم من أميركا اللاتينية أنه في بعض الأحيان يمكن أن يكون الدين قوة دافعة للتغيرات السياسية التقدمية. وبهذا المعنى، نظر أمين إلى "علم اللاهوت التحرري" وتطبيقاته الممكنة في السياق الإسلامي. كتب العديد من المقالات حول هذا الموضوع وحافظ على نبضه على الطريقة التي كان فيها الدين هو إحدى القوى الدافعة وراء الحركات التي كانت مهتمة بأمين: ثورة نيكاراغوا، وحركة العمال الذين لا يملكون أرضاً في البرازيل و Neo-Zapatismo في المكسيك.
بالنسبة لأمين، كان الإسلام السياسي اختراعاً أجنبياً مزروعاً بشكل مذهل من قبل القوى الغربية في المجتمعات الإسلامية من أجل تحدي التأثير الشعبي للقوى التقدمية. ظاهرة وجدها في الهند قبل التقسيم وفي أفغانستان بعد الغزو السوفييتي في كانون الأول (ديسمبر) 1979. إذا كان الإسلام السياسي في البداية بمثابة وسيلة لكسر الحركات الشعبية في أجزاء معينة من الجنوب، فإنه يعمل اليوم على تبرير موجة جديدة من التدخل العسكري الغربي المباشر في المجتمعات الطرفية.
أبعد من التاريخ الذي ينسبه أمين إلى الإسلام السياسي نقطة أكثر أهميّة. بالنسبة لأمين يتم تعريف الإسلام من حيث التسليم. التسليم يجب أن يكون إلى القضية، والأئمة، وإلى القراءات الأساسية في القرآن الكريم، وقبل كل شيء قبول العلاقات الاجتماعية غير المتساوية إلى حد كبير. قد ينتقد الإسلام السياسي الإمبريالية الثقافية الأميركية ولكنه عادة ما يتراخى مع الإمبريالية الاقتصادية. علاوة على ذلك، ووفقاً لأمين، يتعين على المرء أن يشكك في علاقات القوة داخل أطرنا الوطنية. ففي معظم الأحيان، يدعم الإسلام السياسي الترتيبات الاجتماعية الإقطاعية. الفرق مع لاهوت التحرير هو بالضبط في مجال "التحرر". يجب أن يتحقق التحرير في هذا العالم ليس في الحياة الآتية.

كيف كان أمين يرى الموجة الشعبوية التي ضربت الغرب مؤخراً وانبعاث الفاشية بعد أقلّ من 100 سنة على الحروب التي قتلت الملايين في الغرب على وجه الخصوص بينما من ناحية أخرى، هناك بعض البدائل "الشعوبية" التقدمية للنظام النيوليبرالي (كوربين، بودموس، لوبيز أوبرادور، فاروفاكيس)؟
_ بصفته ماركسياً حقيقياً، رأى أمين الموجة الشعوبية في الأزمنة الحديثة (وتذكر أن هذه الموجة بدأت أولاً في الجنوب العالمي ولم تلبث إلا في الآونة الأخيرة أن تصل إلى مطاردة الديمقراطيات الغربية) كعرض من أعراض قضية أكثر خطورة: انتشار النيوليبرالية التي تجسد الرأسمالية العالمية. لم يقتصر أمين في رؤيته للفاشية على التجارب الشمولية في ألمانيا أو إيطاليا في ثلاثينيات القرن العشرين. بالنسبة له، كانت الفاشية استجابة سياسية في الأوقات التي أصبحت فيها إدارة الاقتصادات الرأسمالية متأزمة، إما بسبب تناقضاتها الداخلية أو بسبب تباين بين ما تعد به للشعب وما هي قادر فعلاً على تحقيقه من الناحية الاجتماعية. الفاشية تتحدث بلغة لا تشكك أبداً في طبيعة الرأسمالية الاحتكارية الحديثة. هدفها هو الديمقراطية نفسها وتلقي باللوم على جميع الأمراض الاجتماعية في الطبقات الثرية. ليس من المستغرب إذن أنه في الوقت الذي يقترب فيه الحكم النيوليبرالي إلى نهايته، فإن الفاشيين الصاخبين في ازدياد.
تفتح أزمة الليبرالية الجديدة، بالطبع، كل أنواع الاحتمالات للتغيير الاجتماعي. إننا نشهد كذلك البدايات الأولية لجبهة انتخابية يساريّة جديدة تدعو لاستبدال الديمقراطية الاجتماعية، التي تواجه أيامها الأخيرة. لقد دفع العالم أثماناً باهظةً لمواءمة نفسه مع النيوليبرالية. هكذا يجب أن ننظر إلى ظاهرة مختلفة مثل بوديموس وكوربن، وهناك أيضاً موقف أكثر تطرفاً يدعو إلى إنهاء الاستعمار وحتى إبطاء التنمية. بعبارة أخرى: مهاجمة أسس روحانية الحداثة الإنتاجية. نحن نعيش في أوقات مثيرة للاهتمام. تحتاج الرأسمالية إلى إعادة اختراع نفسها إذا أرادت البقاء وفي نفس الوقت، هذه لحظة لتقديم بدائل لهيمنتها العالمية. ما نشهده في الساحة السياسية هي أعراض الأزمة وليس حلولها. سيتعين علينا الانتظار لمدة طويلة حتى نبدأ في إدراك الخطوط النهائية للتغيرات القادمة.

إعتبر أمين نفسه "ماركسياً مبدعاً". قلّة فقط من اليساريين اليوم ما تزال لديها أوهام حول الماركسية السوفيتية المتكلّسة. ولكن كيف يمكن للمرء أن يكون ماركسياً خلّاقاً في هذه الأيام حيث الطّبقات لم تعد محددة بوضوح والصّراعات الأفقية (العرق، والنسويّة والمثليّة والأديان...) تتصدر المشهد.
_ هناك شيء مثير للتفكير في سؤالك: إلى أي مدى يمكن أن نأخذ على محمل الجد شخصاً يرتبط اسمه دائما بصفة "الماركسي"؟ لقد ذكرت إحدى المشاكل التي نميل إلى ربطها بالماركسيين من وجهة نظر فلسفية: الدوغمائية. أنت أيضاً تتشكك في قدرتها على فهم طبيعة الصراعات السياسية المعاصرة، التي هي أساس أفقي وثقافي أكثر. أود تقسيم إجابتي إلى أجزاء. أولها تعامل أمين نفسه مع الماركسية والأخرى قدرته على تحليل الأوضاع السياسية اليوم.
يُشار عادة إلى أمين بأنه ماركسي "مبدع" أو "مستقل". بالنسبة لي، كان ماركسياً غير مطيع. تمرد على كل عقيدة ممكنة وأخذ ماركس في رحلة استثنائية حول العالم. بفضل أمين، أخذ الاقتصاد السياسي لماركس شخصية كوكبية أكثر. وبفعل ذلك، أظهر أمين للمثقفين في جميع أنحاء الجنوب أنه ليس ضرورياً فقط للتفكير من الجنوب العالمي ولكن أيضاً من الممكن تقديم مساهمات حاسمة في النظرية الاجتماعية. فالمنظرون والعلماء في الجنوب، ليس عليهم الإكتفاء بإنتاج حواش للعمل الذي أبدع في الشمال، لكن بإمكانهم في الواقع وضع جدول أعمال للمناقشات العالمية. هذا جزء من إرث أمين وله أهمية كبيرة.
بصفته متشدداً سياسياً، وعضواص في مرحلة ما في الحزب الشيوعي المصري وأيضاً كمستشار لعشرات من الحكومات في العالم الثالث، يظهر أمين دائماً درجة كبيرة من النزاهة الشخصية والانفتاح والإبداع. لم يكن أبداً عقائدياً ولا خاضعاً للأقوياء والمتنفذين الذين التقاهم في مسيرته الطويلة والمتميزة. بالتأكيد، هو ارتكب أخطاء وبعض تحليلاته وخياراته أقل إثارة من الآخرين. ومع ذلك، فإن نزاهته مدى الحياة هي مثال رائد استثنائي لأي شاب يريد تغيير العالم.
يبدو لي أن حدود عمل أمين هي في دفاعه الشرس عن التحديث والتطوير والتصنيع. باختصار، التزامه بالحداثة. في نهاية المطاف، كانت الاشتراكية الجانب الآخر من المشروع الاستعماري الغربي الذي يخضع الكوكب بأكمله إلى نفس منطق تراكم وإزالة الاختلافات الثقافية. ربما، أن تكون راديكالياً اليوم يعني أنه ليس بالنضال لتحديث مجتمعاتنا، بقدر ما هو في رفض الوعود المراوغة للحداثة.