دمشق | مات حنا مينه (1924 - 2018) أخيراً ودفن أمس في اللاذقية. اختتم «زوربا السوري» رقصته الأخيرة. الحلّاق الذي خاض معارك الحياة بكل خشونتها وقسوتها، وجد نفسه روائياً، وكان عليه أن يروي حكايات الشقاء، ذلك الذي خبره عن كثب، منذ أن هاجرت عائلته من لواء إسكندرون إلى اللاذقية، بعد هبوب ريح الحرب العالمية الثانية وخرائطها الجديدة، تحت وطأة التشرّد والعوز والتيه.


عند عتبة دكان الحلاقة المواجه لثكنة عسكرية في مدينة اللاذقية، نشأت تفاصيل العيش، في رحلة طويلة وقاسية، سوف يدوّن وقائعها في معظم رواياته، من دون خشية، أو مراوغة. لم يتردّد في هتك المستور، في ما يخص عائلته المعدمة، ولجوء أمه وشقيقاته للعمل خادمات في البيوت، بينما تنقّل هو بين مهنٍ عديدة، إذ عمل عتّالاً في الميناء، ثم بحّاراً في المراكب، وموزّعاً لصحيفة الحزب الشيوعي السوري «صوت الشعب»، وكاتب عرائض، وصحافياً في جريدة «الإنشاء» الدمشقيّة. هكذا رسم في روايته الأولى «المصابيح الزرق» (1954) تضاريس الفقر العاري في أحد أحياء اللاذقية، وبداية تفتّح وعيه الثوري، وإعجابه المبكّر ببلاد «المسكوب»، وثورة أكتوبر التي قادها لينين. سوف يحفر اسم لينين على شجرة كينا، بصحبة بعض أقرانه. لكن اكتشاف جيش الانتداب الفرنسي هذه الواقعة، سيؤدي بهؤلاء الفتية إلى المعتقل، ومطاردة بعضهم الآخر.
عند هذه العتبة، سيكتشف أن السياسة غير السباحة، لكنه سينخرط بهما، في رحلة اغتراب ومنافٍ لا تحصى، أوصلته، في نهاية المطاف، إلى الصين. لن ينسى ذلك المعلّم الذي نصحه خلال عمله حلّاقاً بقراءة «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيّان التوحيدي، وسيكون هذا الكتاب الفريد بوصلته في الكتابة لجهة المتعة والتشويق.هكذا وجد في البحر فضاءً سردياً بكراً، لم تقربه الرواية العربية قبلاً، ورسم من «الطروسي»، و«زكريا المرسنلي» نسخة معاصرة عن شخصية «السندباد البحري»، فبات روائي البحر بامتياز. وكانت روايته «الشراع والعاصفة» إحدى العلامات المؤسِّسة في الرواية السورية، ومدماكاً صلباً للأجيال اللاحقة في العمارة الروائية. أن تكون روائياً، عليك قراءة حنا مينه! هكذا كان على أجيال من القرّاء والكتّاب أن يعيشوا هذا العالم المضطرب الأمواج، وصراع شخصياته من أجل إعلاء شأن الكرامة البشرية.
تعدّ «الشراع والعاصفة» إحدى العلامات المؤسِّسة في الرواية السورية

قد لا نعجب بكل أعمال هذا الروائي الفذّ، لكن ما هو مؤكد، لكلٍ منّا روايته المفضّلة من أعماله. قد تكون «الياطر»، أو «بقايا صور»، أو «الثلج يأتي من النافذة». وقد نهمل عدداً من رواياته اللاحقة التي لا تتمتع بالوهج القديم نفسه، خصوصاً تلك التي كانت تفوح منها التوابل الإيديولوجية الصرفة، أو تلك التي تنزع إلى التبشيرية، وقد تجاسر أحد النقّاد يوماً بقوله «إنما حنا مينه روائي يابسة»، نافياً عنه صفة «روائي البحر». لكن روائينا لم يلتفت كثيراً إلى خصومه، واستمر في السباحة، مطمئناً إلى شهرته، وإلى الألقاب التي يفضّل أن يردّدها في مجالسه وحواراته، فهو «نجيب محفوظ سوريا»، أو «بلزاك الرواية السورية»، و«زوربا الروائيين العرب». بالطبع لا يمكن لناقد حصيف أن يتجاهل شهرة حنا مينه، ورصيده الكبير لدى القراء العرب، وفي المقابل اتساع جغرافية رواياته، واشتغالها على ثيمات أساسية طبعت تاريخ الرواية العالمية، مثل الحب والكراهية، والشجاعة والخوف، والحرية والاستبداد، وثنائية الرجل والمرأة، ومعنى الأنوثة والفحولة، فهو كان في قلب العاصفة على الدوام، من دون أن يتخلى عن شجاعة البحّار في مواجهة الأنواء. قد تتحطّم سفينته حيناً، أو توشك على الغرق، لكنه لم يتوقف عن الإبحار ببسالة نحو الشواطئ البعيدة للنفس البشرية، مثله مثل نيكوس كازانتزاكي، في اختبار طبقات الأمواج، والقدرة على نبش ما هو مخبوء في الأحراش المعتمة، كاشفاً عن أكبر متحفٍ للألم البشري، بنبرة غنائية تجنح إلى الواقعية الرومانسية. على أن صاحب «المرفأ البعيد» لجأ لاحقاً إلى استعادة سيرته الذاتية بأشكال مختلفة، كما في «المستنقع»، و«بقايا صور»، و«القطاف»، لتتكشّف عن مكابدات شاقة. وإذا به يميط اللثام عن «أفدح سيرة ذاتية عرفتها الرواية العربية، وأحفلها بالصدق الجارح والثراء الفكري في التعبير عن الفقر المادي»، وفقاً لما يقوله الناقد صلاح فضل. اعتنى حنا مينه بأسطرة الواقع، في المقام الأول، ولم يتوقّف بانتباه إلى متطلبات الحداثة السردية، معوّلاً على الحمولة الحكائية، ومصائر شخصياته في صراعها الشرس مع الحياة، في مغامرة محفوفة بالمخاطر عنوانها الشرف والعدالة والفروسية، وكتابة ملحمة الشعب السوري في مواجهة المستعمر والإقطاع والقيم العفنة.

أسّس «لغة حيّة لا تتغرّب عن ملفوظها الشفوي الشعبي» (يمنى العيد)


ولكن هل مات حنا مينه من السأم؟ اعتزل صاحب «الشمس في يومٍ غائم» الحياة العامة منذ سنوات، محاطاً بصور تشيخوف، وغوركي، ودستويفسكي، وستالين، وبورتريهات شخصيّة له. كتب وصيته باكراً، طالباً دفنه من دون مأتم. قبلها نشر إعلاناً في الصحف عن رغبته ببيع مقتنياته النفيسة. أفلام سينمائية مقتبسة عن أعماله. جوائز أدبية رفيعة، كان آخرها «جائزة محمد زفزاف للرواية» في المغرب (2010). فسّر بعضهم سبب سخط الرجل بأفول الأضواء من حوله، بعد تقاعده من منصبه الرفيع في وزارة الثقافة، إذ كان مكتبه يغصّ بالزوار والمريدين، وفجأة وجد نفسه وحيداً ومنسيّاً. إصراره على كتابة رواية كل عام، أتى على حساب رصيده القديم. نساء شهوانيات وفحل شرقي في مغامرات جنسية غير مقنعة (لم تروّضني امرأة قط)! هذا المسلك الروائي الطارئ، ربما أتى بتأثير موجة من الكتابة الروائية العربية الجديدة، أو عدم الرغبة في مغادرة الواجهة. قال مرّة بأن كتابة الرواية «مهنة شاقة، وهي أقرب طريق إلى التعاسة الكاملة». وها هو قد عاش لحظاته الأخيرة، في تعاسة من نوع آخر، تتمثّل بالوحشة والشيخوخة والمرض، وهو ما جعله يلجأ في سنواته الأخيرة للعيش في غرفة بفندق، ثم يغادرها إلى مكانٍ آخر، بحثاً عن ألفة مفتقدة. لم يقل مرّة واحدة رأيه، في ما تعيشه البلاد من جحيم، فقد آثر الصمت، عدا مقابلة تلفزيونية أخيرة، بدت وكأنها استعادة لمجده القديم، ومرثية لبحّار فقد سفينته وسط الأمواج المتلاطمة، وأضاع بوصلته، في نهاية الرحلة. رحل «حارس الشقاء والأمل»، طاوياً معه سيرة قرنٍ من الأسى، وحبراً مغمّساً بالضوء والفجيعة والكفاح الإنساني.



حين اختزل المسافة بين الرواية والسيرة
كان حنا مينه يردّد على الدوام بأنه أول من أطلق صيحة «ستكون الرواية ديوان العرب في القرن الحادي والعشرين» (1982)، قبل أن يتلقّفها النقّاد. لكن هذا الروائي الرائد ظل أسير تصوّراته التقليدية عن الرواية، مخلصاً لواقعيته الرومانتيكية، وغنائيته الملحمية. ينظر بحذر إلى التجريب في الرواية العربية الجديدة، إذ ما انفك يكرّر في حواراته أن رواية أو روايتين أو ثلاثاً، لا تصنع عالماً روائياً، و«أزعم أن هناك اثنين صنعا هذا العالم الروائي، هما نجيب محفوظ وأنا» يقول. كأن صاحب «نهاية رجل شجاع» ينفي عن الآخرين حضورهم الاستثنائي في المدوّنة الروائية العربية، رافضاً تسليم الراية للأجيال اللاحقة، بينما اعتبر الآخرون أنهم سدّدوا الدين كاملاً نحوه، باعترافهم بريادته أولاً، وتأثيره المهم في تثبيت أركان السرد الروائي ثانياً. هكذا صدرت عشرات الكتب والدراسات النقدية والرسائل الجامعية حول تجربته الروائية ومسالكها التخييليّة، مثل «حنا مينه روائي الكفاح والفرح» لمحمد الباردي، و«الرجولة وإيديولوجيا الرجولة في الرواية العربية» لجورج طرابيشي، و«الرواية العربية في رحلة العذاب» لغالي شكري، و«رسم الشخصية في روايات حنا مينه» لفريال سالم، و«عالم حنا مينه الروائي» لمحمد كامل الخطيب وعبد الرزاق عيد، و«الرؤية الإيديولوجية والموروث الديني في أدب حنا مينه» لمراد كاسوحة.
على المقلب الآخر، أنجز حنا مينه نفسه، أكثر من كتاب حول عالمه الروائي مثل «هواجس في التجربة الروائية»، و«كيف حملت القلم»، و«حوارات وأحاديث في الحياة والكتابة الروائية»، مضيئاً جوانب أخرى من سيرته في الكتابة والمكابدات التي واجهها في «هذه المهنة الشاقة»، وكيف نشأت علاقته بالبحر «البحر كان دائماً مصدر إلهامي، حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب» يقول. لكن هل كتب حنا مينه ما يضاهي تحفة هيرمان ميلفيل البحرية «موبي ديك»، أم أن إبداعه الحقيقي كان في ما كتبه عن سيرته بلا أقنعة؟ على الأرجح، فإن اشتباك نصوصه مع البحر ظلّ تخييلياً، وأسير هندسة إيديولوجية في رسم خرائط شخصياته، ولم يرقَ إلى حدّ طعنة الخنجر التي نجدها بوضوح في رواياته السيرية المثقلة بأوجاع البشر المهمّشين، وروائح القاع، وأسى التشرّد والمنافي والاستلاب، ومحاولته هدم المحرّمات، وكشف معنى القمع، وسطوة السلطة بكافة أطيافها، وذلك بخطاب روائي محمول على المحكي المحلّي، مؤسساً «لغة روائية حيّة لا تتغرّب عن ملفوظها الشفوي الشعبي» وفقاً لما تقوله يمنى العيد. هنا يختزل المسافة بين الرواية والسيرة الذاتية، معوّلاً على مفارقات الحياة وحماقاتها وطيشها، إذ يرى ضرورة إماطة اللثـام عمّا هو مسكوت عنه، على هدى ما كتبه الأسلاف منذ قرون. وبناء على هذه الفكرة، أسرف في تعرية طفولته الحافية، ومصير عائلته التي وجدت نفسها في مهبّ الضياع، وكيف أنه أتى الكتابة عن طريق الخطأ، فقد كانت أمه تتطلّع بأن يصبح كاهناً أو شرطيّاً. إفلاس دكان الحلاقة التي كان يديرها في اللاذقية خلال أربعينيات القرن المنصرم، أرغمه على الهجرة إلى بيروت للعمل كأجير حلّاق، لكنه فشل في الحصول على عمل، فعاد إلى دمشق جائعاً ومحطّماً ويائساً، إلى أن اهتدى إلى صاحب جريدة «الإنشاء» وجيه الحفّار، وقدّم نفسه بصفته كاتباً. وافق الرجل على تعيينه محرراً قيد التمرين، من دون مرتب. اضطر روائينا على الموافقة، شرط أن يسمح له صاحب الجريدة بالنوم فوق أكداس المرتجعات في مكتب الجريدة، في ساحة المرجة. حين اكتشف رئيس التحرير بأن هذا الصحافي ينتسب إلى الحزب الشيوعي، قرّر أن يطرده، لكن سكرتير التحرير دافع عنه قائلاً: «هذا الشاب موهوب وصادق، ولونه من الأحمر الفاتح، ولا خوف عليه ما دام تحت رقابتي»، لينتقل بعدها للعمل في معظم الصحف الدمشقية في فترة الخمسينيات. روايته الأولى «المصابيح الزرق» فتحت أمامه أبواباً أخرى، أكثر اتساعاً ورحابة، لتصل أعماله إلى نحو 40 رواية. لعل ما قاله مرّة فيصل درّاج عنه، يرسم صورة الروائي الراحل بالطول الكامل: «من السهل أن ينتقد بعض الروائيين حنا مينه ومن الصعب عليهم أن يحتلوا مكانه».
خليل...