أن يتم استذكار مايكل جاكسون عبر استعراض غنائيّ أو شريط استعاديّ لمسيرته الفنية والشخصية التي باتت مُجترّة إعلامياً، ليس خطوةً مستجدة أو مستهجَنة في أحسن الأحوال. إلا أنّ استرجاع أيقونة البوب من خلال معرض فني صرف، هو بالتأكيد حدث مميّز وإنجاز بحدّ ذاته.

«غاليري البورتريه الوطني» اللندنيّ شاء أن يحيي ذكرى ميلاد جاكسون التي تصادف في 29 آب (أغسطس) المقبل، عبر المزج بين بصمة الفنان الموسيقية وتأثيره على الفن المعاصر بأشكاله كافة.
المعرض الذي افتتح الشهر الماضي ويستمر لعامين متنقلاً بين باريس وبون وفنلندا، سيضم 48 عملاً فنياً مختلفة، تعود لفنانين من منوّعين لجهة الجنسيات والأعراق والفئات العمرية، فضلاً عن الخلفية الإبداعية.
فكرة إقامة المعرض، لم تراود نيكولاس كولينان (41 عاماً) على حين غرّة. إذ تبدت له كاملةً في غضون دراسته لأعمال آندي وارهول، حينما صادف بورتريهات لجاكسون كان قد أنجزها رائد الـ «بوب آرت» لمجلة Time في سنة 1984.
من بعدها، استدرك مدير الغاليري العريقة حجم البصمة التي تركها جاكسون على الفنانين من مختلف الأجيال والتوجّهات الفكرية، ليقرّر المجازفة. «هذا المعرض ليس توثيقاً لسيرة جاكسون الذاتية ولا تشكيلةً تضم تذكاراته، إنّما استعادة لأثره على الفن المعاصر، من أبعاد متمايزة تشمل الموسيقى، والرقص، والأزياء». هكذا، يصف كولينان خطوته الجريئة.
لأعمال ديفيد لاشابيل (55 عاماً) الحصة الأكبر من الحدث، عبر لوحات فوتوغرافية عملاقة تضم لقطات من فيلم جاكسون الدرامي القصير «بيلي جين» (1985)، تحت عنوان «الطريق المنير»، بالإضافة إلى سلسلة أخرى معنونة باسم «المسيح الأميركي»، يشرّح لاشابيل من خلالها مظاهر فريدة من حياة الفنان، بدت له أقرب من القداسة، معتمداً بذلك على أيقونات دينية.
وهناك أيضاً مجموعة شرائط مصوّرة توثّق من خلالها المصورة الأفريقية كانديس بريتز (46 عاماً) لحظات مميّزة يرتّل فيها معجبون ألمان جميع مقطوعات جاكسون الغنائية، متخطين بذلك كل العوائق اللغوية. بينما يتفرّد مقتطف جوردان وولفسون (37 عاماً) الصوَريّ بتأطير نظرات الفنان الشهير وحركاته البصرية خلال إلقائه كلمةً في محكمة.
يحضر البعد السياسي بشكل دامغ في اختيارات تود غراي (64 عاماً) التي تستهدف التصويب على بؤس أفارقة الشتات بالتزامن مع استفحال موجات الاستعمار. الفوتوغرافي ذو الأصول الأفريقية، الذي كان مسؤولاً عن تصوير فنان القرن وتخليد فترة نضوجه الفني بين عامي 1979 و1983، شاء أن يجمع هذه اللقطات بأخرى كان قد التقطها في غانا، بغية نقد انشطار جاكسون «عن هويته العرقية والجندرية والطبقية، وتخليه في ما بعد عن ملامحه الأفريقية». هذا الدافع، ما لبث إلا أن تلاشى لحظةَ أيقن غراي فكرة غيّرت فكرته جذرياً، خلال إعداد رسالة الماجستير: «أدركت أنّني أيضاً ضحية للاستعمار الفكري، حين كنت أعتقد أن لوني الأسود يجعلني أقل مرتبةً من غيري. كنت أتهم جاكسون بشعوره بالدونيته للرجل الأبيض، بعدما رضخ لمعايير هذا الأخير الجمالية. لكنّني استخلصت أن أفعاله هذه ليست غريبةً على الإطلاق، بل هي تصرفات نظامية بالكامل».
في المعرض نفسه، يحضر بورتريه كيهايند وايلي (41 عاماً) بقوّة بين سائر المعروضات، ليظهر من خلاله رأس جاكسون، الذي طلب إنجاز اللوحة قبيل وفاته في حزيران (يونيو) 2009، على جسد ملك إسبانيا فيليب الثاني وهو يمتطي حصاناً أبيض، في تحويرٍ فنيٍّ وعمديّ للوقائع التاريخية ودلالة على ما تكتنزه هذه الأخيرة من تمييز عرقي. اللوحة المسماة Equestrian Portrait of King Philip II (Michael Jackson) التي أنجزها وايلي في الفترة اللاحقة لوفاة المغني الشعبي، ستعرض للمرّة الأولى أمام الناس في الحدث الفني المنتظر.
في غضون ذلك، نجد الفنان الروماني دان ميهالتيانو منحازاً إلى توثيق حفلة جاكسون في بوخارست، عبر فيلم يُظهر زخم البروباغندا الغربيّة التحريضية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي.
في أعمالها البصرية، تحاول الفنانة النيويوركية لورين أوغرادي (48 عاماً) تكريس التجاذب الإبداعي بين الفن النخبوي وصنوه الشعبي، مستخدمةً صوراً لجاكسون مع أخرى للشاعر الفرنسيّ شارل بودلير (1821 ــ1867). في الألواح الأربعة التي تعود صناعتها إلى عام 2010، تحاول أوغرادي التوأمة بين سمات الشاعر والمغني المشتركة: توجهاتهما الجنسية المبهمة، واعتزازهما الفائض بالنفس، وطموحهما اللامتناهي، وتفانيهما الكلي للإبداع، بالإضافة إلى صفات شكلية أخرى كالأزياء وطلاء الوجه...
في حديثٍ لها مع صحيفة الـ «إندبندنت» البريطانية، لم تتوان أوغرادي عن الإدلاء برأيها الصريح إزاء المعرض: «كنت أظن أنّه سيقلّل من قيمة جاكسون، إلا أنّني صادفت العكس تماماً، بالأخص مع وجود هذا الكم الهائل من العباقرة والمبدعين المساهمين فيه»، لتضيف لاحقاً: «أردت جمع مايكل وبودلير، لأنّني أجدهما متقاربَيْن إلى حد كبير من نواحي عدة».
كذلك، يسعى الرسام الأميركي مايكل جيتس إلى ابتكار مظهر تعبيري جديد، في إطار تكريسه لتركة جاكسون الفنية. من خلال شريطه التجريبي، يركّز جيتس على قدرات مايكل جاكسون في التعبير الجسدي والرقص في أغنية Fly Me to the Moon لفرانك سيناترا، محاولاً بذلك ترسيخ التناغم بين هذيْن الإسميْن الفنييْن الرائديْن، والآتييْن من خلفيات وعصور مختلفة: «سيبقى صدى أعمالهما متدفقاً حتى نهاية الزمن».
وفيما ترتكز ثيمته الأساسية على التأثير الفريد الذي خلّفه جاكسون على الفن الفتيّ بمختلف نطاقاته، يفسح الحدث المجال أيضاً لنقاشات أوسع حول مواضيع إشكالية متعدّدة كالجنس والعرق والجندر. إذاً، يدخل المعرض إلى متاهات الماضي في استعادة جمالية لإرث جاكسون الثقيل، ليستقي منه ما يعكس سطوة الحاضر!