ربما أفضل مقاربة لحمى كرة القدم، هي ترك الحديث لمشجع يصف نفسه بأنه متعصب، وإن لم نلحظ ذلك في كتاب «حمى المونديال: مشجع متعصب ودليله للنجوم والفرق والقصص والجدل والحماس لأعظم المناسبات الرياضية». المؤلف هو ستيفن ري من ايرلندا الشمالية، التابعة للندن، عرف الحماس للعبة من والده العامل المتحمس أيضاً، لكن لفريق إيرلندا الشمالية. في مقدمة الكتاب، يسرد المؤلف كيف صار مهتماً باللعبة، مع أنه لم يمارسها، ثم صار مشجعاً لفريق الأخضر، برفقة والده الذي كان يلاحق مباريات الفريق، ما أمكن، لتشجيع اللاعبين. كيف لا، وأفضل لاعب في الدوري الإنكليزي في أواخر السيتينيات ومطلع السبعينيات، كان الإيرلندي جورج بست. هذا وأكثر رواه الكاتب في مدخل «ولادة مشجع».


في المقدمة، يتحدث الكاتب في كيفية عشقه للمونديال. عشق بدأ في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 1977، أي بالمباراة بين إيرلندا الشمالية وهولندا. شارك في تلك المباراة اثنان من أبرز لاعبي كرة القدم الأوروبيين هما الهولندي يوهان كرويف، وجورج بست. هنا علينا تذكر أن هذا الحماس منقطع النظير للفريق الإيرلندي الشمالي ولكرة القدم عموماً، اندلع إبان فترة مظلمة من تاريخ المنطقة، حسب وصف الكاتب. فإيرلندا الشمالية كانت ساحة حرب واغتيالات وسيارات مفخخة، بين الجيش الجمهوري الإيرلندي من جهة والجيش البريطاني والمليشيات البروتستانتية من جهة أخرى.
عرض الكاتب يذكرنا بمباريات مهمة ونتائجها وحتى بأمكنة حصولها. يتذكر أن بطولة العالم في عام 1978 كانت في الأرجنتين، الواقعة حينئذ تحت حكم العسكر، أو «الخونتا» كما كانوا يعرفون، والشعب الأرجنتيني كان يعاني القتل والخطف والتعذيب وكافة أساليب القمع والاضطهاد الأخرى، الذائع منها والمستحدث! يتذكر الكاتب أنّ ذلك المونديال كان إبان فترة الدراسة في بلاده، لكنّ والديه سمحا له بالسهر لمشاهدته.
في المونديال اللاحق عام 1982، استعاد الكاتب تمكّن فريق بلاده الأخضر من هزيمة الفريق الإسباني مع أنه كان يضم عشرة لاعبين فقط. ثم يذكّر القراء بتعادل الفريق الأخضر مع النمسا. لكننا نحن هنا في بلادنا، كنا على موعد مع عدوان صهيوني جديد، لم يجد العالم المتحضر وقتاً له لأنه كان ملهياً بالمونديال. ثم يواصل الكاتب استعراض المونديال اللاحق إلى الأخير قبل صدور المؤلف. فصل ممتع يذكرنا بأيام رياضية بريئة، في ظاهرها، على الأقل، لكنها لم تحجب عنا رؤية همومنا الوطنية والقومية.
في القسم اللاحق، أي في الفصل الأول «قصة المونديال»، يباشر الكاتب السرد من البداية في الأورغواي عام 1930 الذي شاركت فيه فرق قليلة. لكن المباريات الدولية بدأت في عام 1870 عندما تبارت اسكتلندا مع إنكلترا. أما أول مباراة دولية خارج بريطانيا، فكانت بين النمسا والمجر؛ أي بين إمبراطورية النمسا- المجر وسلالة هابسبورغ الحاكمة؟!
عام 1904 شهد ولادة الفيفا في باريس بعضوية سبع دول هي: فرنسا، وبلجيكا، والدنمارك، وهولندا، وإسبانيا، والسويد وسويسرا. انضم الانكليز إلى الاتحاد عام 1905، لكنهم انسحبوا منه بعد الحرب العالمية الثانية لرفضهم اللعب في مباريات فرق دول كانت قد شاركت في الحرب العالمية الأولى ضدهم. ثم عادوا للانضمام في العشرينيات لينسحبوا منه بسبب خلاف على تعريف الهواة.
في عام 1928، قررت الفيفا إجراء بطولة عالمية في الأوروغواي وتقديم كأس ذهبي للفائز أطلق عليه اسم رئيسها جولز رمت. سبب اختيار تلك البلاد للمونديال هو أنها كانت الفائزة بالألعاب الأولمبية، وفي الوقت نفسه تحتفل بمرور مئة عام على استقلالها. الدول الأوروبية رفضت المشاركة في تلك البطولة، إلى أن هدد اتحاد كرة القدم في أميركا اللاتينية بالانسحاب من الفيفا، ما دعا رئيس الأخيرة للتدخل وإقناع بعض الفرق بالمشاركة فيها، وهي الولايات المتحدة والمكسيك وبلجيكا وفرنسا ورومانيا ويوغسلافيا، إضافة إلى سبع فرق أميركية لاتينية.
من الأحداث التي تذكر في هذا المقام ـــ كما يسردها الكاتب ـــ المشاحنات التي اندلعت بين فريقي البرازيل وفرنسا، مذكّراً القراء بأن كابتن الفريق الفرنسي آنذاك، ألكسندر فِلابلان، أعدم عام 1944 لتعاونه مع النازيين!
المباراة النهائية في تلك البطولة كانت بين فريقي الأورغواي والأرجنتين المجاورة، حيث عبر آلاف المشجعين من الجنوب شمالاً، في مشهد وصفه الكاتب بأنه يشبه عملية الإخلاء في دنكرك. انتهى اللقاء بفوز فريق الدولة المضيفة وبهجوم غوغاء الأرجنتين على سفارة الأوروغواي في بيونس آيرس.
المونديال الثاني عام 1934 جرى في إيطاليا. لكن البطل الأول رفض المشاركة احتجاجاً على ضعف مشاركة الفرق الأوروبية في المونديال الأول، وكان بالتالي المونديال الوحيد الذي لم يشهد دفاع البطل العالمي عن لقبه. هذا المونديال شهد مشاركة أول فريق عربي/ افريقي، هو مصر، التي اختفت من البطولة العالمية لمدة 56 عاماً. كما شهد هذا المونديال أول إعادة لمباراة. المباراة النهائية انطلقت في 10 حزيران (يونيو) في درجة حرارة 37 مئوية، يضاف إليها حضور الحاكم الإيطالي الفاشي بنيتو موسولني، الذي أضفى على الاحتفائية صبغة عسكرية.
مونديال عام 1938 جرى في فرنسا، وشهد أحداثاً مثيرة عديدة، ربما أكثرها إثارة اختفاء فريق دولة تأهلت للبطولة لكنها أمسكت عن الوجود، والمقصود هنا النمسا التي ضمتها ألمانيا النازية. خمسة لاعبين نمساويين انضموا للفريق الألماني، لكن الأخير خسر لصالح فريق سويسرا، وكانت المرة الوحيدة التي لم يتأهل فيها الفريق الألماني للربع ما قبل النهائي.
بطولة عام 1950 جرت في البرازيل وشهدت منع فريقي ألمانيا واليابان من المشاركة. مقاطعات عدة حصلت، لكن أطرفها كان الفريق الهندي الذي تأهل للبطولة لكنه انسحب بعدما منعته الفيفا من اللعب حافي القدمين! هذا المونديال كان الوحيد الذي لم يشهد مباراة البطولة، وشهد أيضاً خسارة فريق الدول المضيفة للأوروغواي التي توجت بطل العالم للمرة الثانية.
بطولة عام 1954 جرت في سويسرا وشهدت أيضاً أحداثاً مثيرة منها رفض فريق الأرجنتين، المتأهل، المشاركة فيها للمرة الثالثة. يضاف إلى ذلك الشجار العنيف الذي اندلع بين فريق البرازيل ومدربيه. بادر يومها فريق البرازيل إلى غزو غرفة فريق المجر والاعتداء على اللاعبين، بسبب منح الحكم الإنكليزي ضربة جزاء حرة للمجر الذي فاز بأربعة أهداف لهدفين.
مونديال عام 1958 في السويد، شهد إخفاق الفريق الإيطالي في المشاركة بعد هزيمته أمام فريق الخضر الإيرلندي الشمالي (الفريق الإيطالي لم يتأهل لبطولة هذا عام 2018).
كابتن الفريق الفرنسي ألكسندر فِلابلان، أعدم عام 1944 لتعاونه مع النازيين


مونديال عام 1962 شهد محاولة الفيفا حصر البطولة العالمية بفرق من أوروبا وأميركا اللاتينية. أما الفرق الإفريقية والآسيوية والأميركية الشمالية، فكان عليها اللعب ضد أقوى فرق أوروبية وأميركية لاتينية. هذا المونديال شهد مقاطعات جديدة، منها انسحاب فريقي الجمهورية العربية المتحدة والسودان لعدم الاستجابة لطلبهما اللعب خارج فصل الشتاء.
معظم الدول الإفريقية قاطعت بطولة عام 1966 في بريطانيا لأسباب تنظيمية، وتم منع جنوب إفريقيا من المشاركة بسبب سياساتها العنصرية. كما يتذكر القارئ أن هذه البطولة شهدت الخلاف على الهدف [المحتمل] البريطاني الشهير.
مونديال عام 1974 في ألمانيا الغربية شهد هزيمة الفريق الهولندي أمام الفريق الألماني الغربي، ما أدى إلى حالة غليان في هولندا. إذ رأوا فيه رجع صدى لهزيمة بلادهم العسكرية في الحرب العالمية الثانية. كما شهد هذا المونديال مقاطعة الاتحاد السوفييتي بسبب إجراء اللقاء مع تشيلي التي سقطت تحت حكم عسكر بينوشيه واستُعمل الاستاد الرياضي في العاصمة سجناً لاعتقال أنصار الرئيس المغدور سلفادور أللندي وتعذيبهم وقتلهم.
كما شهد هذا العام خسارة الفريق الألماني الغربي لمضيفه الفريق الألماني الشرقي!
مونديال عام 1982 شهد حادثاً غريباً من نوعه حيث أجبر الحكم السوفييتي على إلغاء هدف صحيح 100%. المقصود هنا تدخل الأمير الكويتي فهد الجابر الأحمد الصباح ابن أمير الكويت أحمد الجابر الصباح، وأمر اللاعبين بمغادرة الملعب، ما قاد إلى إلغاء الهدف الفرنسي في المرمى الكويتي. الفريق الفرنسي فاز في المباراة. أما الأمير فهد، فقد غرِّم مبلغ 8000 جنيه استرليني. علماً بأنه قضى في أثناء دفاعه عن قصر دسمان إبان غزو العراق. كما يتعرض الكاتب إلى تآمر فريقي ألمانيا والنمسا على فريق الجزائر في ما يعرف بـ «عار غيجون» disgrace of Gijón, Non-aggression pact of Gijón, no-offence pact of Gijón, Schande von Gijón, Anschlus). الأخير يشير إلى ضم ألمانيا النازية النمسا عام 1938. المعلق الرياضي الألماني رفض الاستمرار في التعليق، والمحطة النمساوية نصحت المشاهدين بالتحول إلى قناة أخرى. أما الصحافة الإسبانية، فقد أوردت تعليقاتها على المباراة في صفحة الجرائم!
ينهي الكاتب مؤلفه المثير حقاً الذي يحوي معلومات كثيرة لم يتسن لنا التذكير بها في هذا العرض المختصر، بتعليقات عن أفضل اللاعبين وأفضل المباريات من منظوره، شارحاً أسباب خياراته. كما يعلق على كل فريق مشارك وفرصه للفوز، وينهي المؤلف الجميل ببرنامج المونديال.
* World Cup Fever: A Fanatic’s Guide to the Stars, Teams, Stories, Controversy, and Excitement of Sports’ Greatest Event – 2018