لعل الأمر الأكثر إيلاماً في الرياضة، محلياً وإقليمياً وعالمياً، ليس خسارة فريق أو فرد أو إلغاء فعالية رياضية محلية أو إقليمية أو دولية، وما إلى ذلك، وإنما تحوّلها إلى صناعة. وهدف كل صناعة الربح المادي والمعنوي، وهذا ينطبق على الرياضة أيضاً. الفساد في الرياضة، كان معروفاً في الألعاب الأولمبية القديمة في أثينا. لذلك، ليس ثمة جديد في الموضوع. لكن إيلاء هذا الجانب والنتاج هذه الأهمية ينطلق من منظور خطأ، في ظننا. المنظور هو الادعاء بأن الرياضة عمل سامٍ يهذب الروح وما إلى ذلك من القوالب الجاهزة. الرياضة عندما تتحول إلى حرفة، فمن الطبيعي توقع انتشار الفساد في كل القطاعات المرتبطة بها من رياضيين ومسؤولين على مختلف الصعد وأفراد أو تجمعات أو منظمات لا علاقة لها بها ومن ذلك عالم القمار، على نحو مفجع، للبعض، ومتوقع من الأكثرية. كتاب «الفساد في الرياضة: المسببات والعواقب والإصلاحات» (يحوي مصورات وجداول عديدة ــ 2018) يتناول مختلف مظاهر الفساد في الرياضة وتجلياته وتأثيراته في الفرق والأفراد.

(بوليغان ـ المكسيك)

المؤلف الذي شاركت فيه مجموعة من العلماء المتخصصين (تحرير ليزا كيل)، يقول إن فرص الفساد في الرياضة تتضح من خلال العدد الكبير للمنظمات الراغبة في التشارك مع صناعة القمار، عبر ما يسمى الرعاية sponsorship. ومثال ذلك فريق الكريكت الجنوب أفريقي «كيب كوبراس» مع «رهان عالم الرياضة» world sports betting وفريق كرة القدم الإنكليزي «وست هام يونايتد» مع «بِتاوي /betaway». ومن المفيد التذكير هنا بأن مقدار هذا الجانب يبلغ نحو ألف مليار دولار.
يعطي الكتاب مثالاً من أوستراليا، حيث مراكز القمار خارج حدود الدولة البحرية (offshore) ومنها «sportradar» شريك الفيفا في مراقبة ضبط النتائج، والتي تقوم بدورها باستخدام إحدى شركاتها الفرعية (real time sportscasts) لجمع الإحصاءات عن كل مباريات فرق كرة القدم وكرة السلة الهاوية. الشركة الأخيرة توظف طلاب جامعات وغيرهم لجمع الإحصاءات المطلوبة. المعلومات التي يتم جمعها، ترسل إلى مركز خارج حدود الدولة البحرية، يرسلها بدوره إلى مواقع القمار العالمية في الإنترنت. هذا ـــ برأي الكاتبة المحررة ـــ يفسح في المجال أمام مختلف مظاهر الفساد، ومنها تحديد نتيجة المباريات، علماً بأن «سبورترادار» تتشارك مع هيئات رياضية عالمية ومنها الفيفا والاتحاد العالمي للتنس وهيئة كرة السلة الوطنية ومؤسسات عدة للشرطة، ومنها «اتحاد شرطة أوستراليا».
مثال آخر أوردته محررة الكتاب مرتبط بعائلة صاحبة الجلالة البريطانية وتواطؤ أفراد منها، شبه المؤكد، مع الفيفا لتبادل الأصوات الممنوع وفق دستور الفيفا، بما يسمح لها بتقديم الدعم لطلب المملكة المتحدة بإجراء المونديال على أراضيها.
للفساد تجليات عديدة، وهذا المؤلف يتعامل مع مختلف أشكاله ومنها المسببات والعواقب والإصلاحات المرتقبة عبر التحليلات العلمية. لكن الكتاب يعترف باستحالة تحليل كل الحيثيات في الصناعة الرياضة. لذا، فإن المساهمين في هذا المؤلف يعدّونه مدخلاً للبحث في عالم الفساد هذا، وكيفية إصلاحه [!].
تقول المحررة إنّ المساهمين في هذا المؤلف ـــ المثير حقاً ـــ يقدّمون منظوراتهم ذات العلاقة بمعنى الفساد في الرياضة، وتحليلاتهم ذات المسارات المتعددة لكيفية حدوث الفساد وما مسبباته، وتأثيرات الفساد ومقاربة الإصلاحات ووضع استراتيجية للبحث العلمي في هذه المادة.
يذكر المؤلف أنّ دراسة الفساد في الرياضة جرى تنظيمها ضمن خمس مواد. المادة الأولى تناقش مفهوم الفساد في الرياضة، فيما يتفحّص الفصل الثاني معنى مختلف أنواع وأشكال ما يعداً فساداً في الرياضة. ويقرن الفصل نتائج التفحص بتقدير لذلك، ومنها إدارة الرياضة والقوانين والتشريعات، وعلاقة ذلك بعلم الجريمة.
موضوع المادة الثانية هو مسببات الفساد في الرياضة من خلال تحليل عمليات التنظيم الرياضية، أي الأفراد والمجموعات والمنظمات والأدوار القومية، وأخيراً صناعة الرياضة على نحو عام.
الفصل الثالث يبحث في تحليل دقيق لكيفية ظهور الفساد في الرياضة. تحاول الكاتبة فهم مسببات انخراط أفراد ومجموعات في الفساد في الرياضة، ومن ذلك تحديد نتائج مباريات مسبقاً وتناول المنشطات وما إلى ذلك.
يقدم الفصل الرابع تحليلات دقيقة ومتوسطة (macro- and meso-level) للكيفية التي أضحت فيها منظمات قومية وعالمية فاسدة. هنا يوضح كاتب هذا الفصل أن تَتْجِيْر (commercialisation) الرياضة واستعمالها (instrumentalisation) من قبل السياسة، يزيدان احتمال الفساد في اتحادات الرياضة الدولية.
يقدم الفصل الخامس تحليلات لفهم الفساد في قطاعات تتكرر هذه الظاهرة فيها. كما يوضح أن برنامج المنظمات الدولية لضبط حالات استخدام المنشطات غير كافٍ. الفصل السادس والأخير في هذا الموضوع، يقدم تحليلات عمودية لظهور الفساد في صناعة الرياضة وكيفية مقاربتها للإصلاحات.
الموضوع التالي في هذا المؤلف هو عواقب الفساد في الرياضة. الفصلان السابع والثامن يقدمان بحثاً دقيقاً في كيفية تأثر الرياضيين والفِرَق والمنظمات والداعمين بالفساد في الرياضة.
الفصل التاسع يبحث في تأثير الفساد في الرياضة في المجالات الاقتصادية وفي السمعة. الموضوع التالي لهذا المؤلف هو مقاربة الإصلاحات وتحليل المقاربات التنظيمية، أي التشريعات ومدى الالتزام بها. الفصل العاشر يبحث في مدى فاعلية المنظمات الرياضية ومنها الفيفا التي تحاول تقويم أخلاقيات اللاعبين والمسؤولين ودورهم في دعم الالتزام بالتشريعات الضابطة.
الفصل الحادي عشر يلقي الضوء على مدى تعقد القوانين الضابطة للفساد في الملعب، أي تناول المنشطات والتلاعب بنتائج المباريات الرياضية المدبرة.
تداخل الرياضة ب السياسة، إضافة إلى العوامل الثقافية والأخلاقية


أما المادة الأخيرة في هذا الموضوع فهي التوجهات المستقبلية. الفصل الثاني عشر يوضح أن طبيعة الفساد في الرياضة وما يرتبط بها يعني تحدياً كبيراً لجمع الإحصاءات ذات العلاقة. الفصل الأخير يقدم ملخصاً لكل فصل من فصول هذا المؤلف.
ملاحظات أخيرة: من الواضح أن الفساد في الرياضة أضحى مقبولاً من منظور أنه جزء من اللعبة (part of the game). أما مظهر الفساد في الرياضة فقد عرضها المؤلف على النحو الآتي: تناول المنشطات، التلاعب بنتائج المباريات الرياضية المدبرة، الدفعات المالية غير الشرعية، الرشى، التلاعب بنتائج المباريات في الملعب (mtch- and spot fixing).
الفساد عرّفته منظمة الشفافية الدولية (TI) بأنه إساءة استخدام السلطة لتحصيل فوائد فردية. لكن الفساد على جانب كبير من التعقيد، وذو أبعاد عديدة وأشكال مختلفة مثل الرشى والغش ومحاباة الأقارب. أما أشكال الفساد فهي استخدام المنشطات والتلاعب بنتائج المباريات واستعمال المعاشات غطاءً. وهذا كله يتم من قبل رياضيين ومدربين وإدارات الفرق والنوادي والحكّام والأقسام الطبية للفرق ورؤساء النوادي.
يشير الكتاب إلى أن المنظمات الأميركية ذات العلاقة تضم التالي إلى ما يعد فساداً: الرشى والغش والسلوك غير المستقيم وتقديم حوافز غير قانونية لتشجيع الانضمام والغش الأكاديمي وسوء استعمال السلطة. ولاحظ المؤلف أن مختلف المساهمين في عالم الرياضة، مساهمون في هذا الفساد وحالة لانس آرمسترنغ توضح مدى تعقد مكافحة الفساد وضبطه. فقد تمكن الرياضي الأميركي من خداع الرأي العام والمنظمات الدولية طوال عقد من الزمن. إذ تمكن من إقامة شبكة تناول منشطات على جانب كبير من التنظيم، انخرطت فيها جهات وشخصيات مختلفة ضمت رياضيين وأطباء وأفراد العائلة ومديري الفرق وقادة الاتحادات الرياضية. هؤلاء، جميعاً، وظفوا مختلف الاستراتيجيات ومنها الغش والرشى والالتزام بالصمت.
ومهما كانت أسباب هذا الفساد المستشري في عالم الرياضة، فثمة اتفاق بين المشاركين على أن الرافعة الأساس للفساد هي تَتْجِيْر الرياضة محلياً وقومياً وعالمياً، إضافة إلى تداخل الرياضة بالسياسة، من دون أن ننسى العوامل الثقافية والأخلاقية.

- Corruption in Sport: Causes٬ Consequences٬ and Reform. Routledge 2018.