وراءَكَ دهرٌ صانَ عهدكَ في الهَـَوَى/ وبَعْدَكَ دَهرٌ لنْ يَخونَ المَبَاديَا

أبَا طَيِّبٍ آتيكَ... فٱقبَلْ تحيّتي/ أَقُلْتُ مديحـاً صافياً أَمْ مَراثيَـا
كَأنَّكَ من إنسٍ وجنٍّ، وخَشيتي/ إذا ما ٱلْتَقينـا.. أنْ أُضيِّعَ حاليَا!

■ ■ ■


إذا ما ٱلتقينا سوف أُطْبِقُ قَبْضتي/ عليكَ كَلُقْيا نَوَّرتْ في مَنَامِيَا
وأقْذِفُهَا في الأرضِ، أخلطُ عبرَها/ النجومَ وأسرابَ القَطَا والأفَاعيَا
حَبَبْتُك، قُلْ لي: هَلْ بدأتُ قَصيدَتِي؟/ كما تَرتَجي... أمْ أَنَّهُ الوَهْمُ ما بِيَـا؟

■ ■ ■


شَغَلْتَ عِبَادَ الله: مَنْ أَنْتَ؟ رُدَّ ؟ قُلْ؟/ وكيفَ أَخَذتَ الحرفَ مَيْتَاً.. فَـ.. صَاحِيَا؟
ومنْ ذا الذي في الحرب تَسْتَشْرِسُ القنَا/ لِتحظى بِوَصفٍ منه يقفزُ زاهِيَا؟
ومنْ هُو مَلاَّكُ المُلوكِ.. بِجُمْلَةٍ/ ومن هو سَرَّاقُ القلوبِ شَواديَا؟
ومنْ هو ضَرَّابُ السيوفِ قصائداً/ وصدَّاحُ أَمواج الملاحِمِ عَاتِيَا؟
مَنِ المتنـبِّي ؟ واضحٌ خلفَ واضحٍ/ كشمسٍ ببَعْضِ الوَهـجِ تُعْمِي المَآقِيَـا
مَنِ المتنبِّـي ؟ غامضٌ خلفَ غامضٍ/ فلاَ أَوَّلاً فيه ولا فيه ثانيـَا
فمنْ خَطَفَ الأزمانَ خلف وُجُوهِهِ/ وطارَ بِهَا ... لنْ تعرفوهُ ثَوانِيَـا.

■ ■ ■


أبَا طَيِّبٍ إرجعْ الى بيتِ«مَنْبِجِ»/ وقَبِّلْ جِدَارَ الطِّينِ والقشِّ شَاكِيَا
بَرَمْتَ البوادي والبِلادَ مُتوّجَاً/ بِحُلْمٍ، فإذ بِالحُلْمِ يَغدُو دَوَاهِيَـا
وزُرْتَ قُصُورَاً والخِيَـامَ مُعزَّزَاً/ فما ٱبتسمتْ عيناكَ إلاّ بَوَاكِيـَا
تنبَّأْتَ؟ هل في الشِّعر نَقْصَةُ نَاقِصٍ/ لِتَرْجوَ من ثَوْبِ النبوءةِ كَاسِيَـا؟
وأنت عريسُ الشِّعْرِ، تحرسُ مُلْكَهُ/ وعن عرشِهِ تَنفي الوحوشَ الضَّوَاريَـا
وتأتي بسيفِ الدولةِ الحُرِّ كَابِرَاً / وتُسْكِنهُ، بَعْدَ العيـونِ، القَوافِيـا
فيُصبحُ مكتوباً بتاريخِ أمَّـةٍ/ وصورتُهُ في الناس تُضحي أمَانيـا
وتصفعُ كافوراً بكفٍّ على القَفَا/ فيدخلُ ديوانَ الهجـاءِ.. وِجَاهِيَا
فما عُرِفَ اٌلإخشيـدُ لولاَ هِجاؤُكَ/ .. الذي حَطَّهُمْ في العالَمِينَ، حَوَاشِيَـا

■ ■ ■


أبَا طَيِّبٍ، طَابتْ لياليكَ بيننا/ وكأسُكَ مَشروبٌ بمَا كنتَ نَاهِيَـا
ولَكِنْ صديقي .. مِثْلَ جُرْحٍ أقولُـهَا/ لماذا وأنْتَ الفَجْرُ ... سِبْتَ الأعَاليـا؟
لماذا وفيكَ الكِبْرُ دون هَوَادةٍ/ نَظَرْتَ إلى كِيسِ الأميرِ، مُناجِيَـا؟
لماذا وأنْتَ النَّفسُ طلاَّبَةُ العُلَى/ طَلبْتَ مــنَ المَذْمــومِ أُكْــلاً مُؤاتِيَـا
وحينَ المَعَانِي ذاتُها قلْتَهَـا إلـى/ نَقيضيْنِ ... أَوْجَعْتَ الرُّؤَى والمَعَانِيَـا:
مديحٌ لِمَنْ تأبَـى الأبَـاةُ مديحَـهُ/ وهَجوٌ لِمَنْ لا يستحقُّـكَ هَاجِيَـا؟
لمَاذَا جَهِلْتَ«الخيلَ والليلَ» غَفْلَةً/ وأنتَ بِها كنتَ ٱخترعتَ الأَحَاجِيَـا؟
وحسرةُ سيفِ الدَّولَةِ العُمْرَ كُلَّـهُ/ تَوَالَتْ ...يرى فيها الرفاق أعاديا
لماذا وقدْ قاربْتَ بالشِّعرِ رُتْبَـةً/ سَمَاويّةً.. طوَّفْتَ في الأرضِ نَاعِيَـا؟
وحِكْمَتُكَ اليَقْظَـى أَضَافتْ بروحِهَـا/ بَهَـاءً على الإنسانِ لا مُتناهِيَـا
لماذا؟ لماذا ... والمحبُّونَ كَثْـرَةٌ/ ضنينونَ بالبحـرِ..«ٱستقلَّ السواقِيَـا»
وأَسألُ – عُذراً منكَ – هلْ أنتَ نادِمٌ/ على كلِّ هذا .. أمْ فَعَلْتَ.. وَرَاضِيَـا؟

■ ■ ■


صَديقي، أبَا طِيْبٍ.. أبَا طَيِّبٍ أنَا/ أحبّكَ مَوْجَـاً لَمْ يُصدِّقْ شَوَاطِيَـا
تُفاجِئُنِي في اليوم سَبْعينَ فَجْأَةً/ وتملأني في اليومِ سَبْعاً خَوَابِيَــا
وتُضحِكُنِي في اليوم سَبْعِينَ ضِحْكَـةً/ وتفرشُ لِي بيتَـاً فبيتَـاً.. مَغَانِيَـا
ومِنْ قَمَرِ السِّحرِ الذي نِمْتَ تَحْتَهُ/ حَسِبتُكَ طَيْرَ العبْقَريِّةِ هَاذِيَـا
أبَا طيِّبٍ .. هَـذِي خَطَـايَاكَ سُومِحَتْ/ منَ الدَّهْرِ ... إنَّ الدَّهْـرَ قدْ كَانَ شَافِيَا
وأصبحتَ قُبْطَانَ العُصورِ مُسَافِرَاً/ عَلَى فَرَسِ الأيَّامِ تَرْوي أَغَانِيَـا
وفي كُتُبِ الأطفالِ أصبحتَ قُمْقُمَاً/ وفي سِيَـرِ الأَبطَالِ أَصْبَحْتَ هَادِيَـا
وفي وَرَقِ التَّاريخِ خَطَّيْتَ أَحْمَـرَاً/ عَلَى ٱسْمِكَ، وٱسْتَبْقَيْـتَ غَيْرَكَ عاريَـا

■ ■ ■


إلى اليومِ لَمْ تَبْرَحْ مَكانَكَ شَاهِـدَا/ عَلَى عَرَبٍ فينَـا أَعَادُوا المآسِيَـا
وَعَينُكَ إِنْ تَنْظُرْ إلى الطَّبْـلِ فَارِغاً/ تَجِدْهُ عَلَى قَوْسِ العُرُوبَـةِ قَاضِيَـا!
ورِجْلُكَ إنْ دَاسَتْ أَرَاضِي قبيلَــةٍ/ فَأَكْرِمْ وَأنْعِمْ بِالمُطَاوِعِ حَادِيَـا
وشَخْصُكَ إِنْ صَلَّى وَصَامَ فإنَّهُ/ بِلاَ المَذْهَبِ النَّاجِي ... لمَا عُدَّ نَاجِيَـا
ونَحْنُ عَلى عَكْسِ السَّلاَطِيـنِ رَأْيُنَا/ نُريدُكَ تُحْيِي في البلادِ الأَمَاسِيَــا
وإنْ حـَانَ توقيعٌ لِكُتْبٍ جميلـةٍ/ أَتيْتَ بِبِشْرٍ، دَافىءَ القلبِ هَانِيَـا
وإنْ ساعةً فَاضتْ قريحـةُ شاعرٍ/ تَقَدَّمْتَ جذلانَـاً تُؤَدِّي التَّهانِيَـا
... ويَا مُتنبِّي إنَّ قلْبِي لَخَائِفٌ/ على نفْسِهِ مِنْ أَنْ يُـرَى بِكَ جانِيَـا
فَيَأتيـهِ مِنْ وَادي العَبَاقِـرِ مَاردٌ/ يُجرِّبُ في أوراقه السَّيْفَ غَازِيَـا
وَأَنْتَ إِذا حَرَّكْتَ إصبعَ آمِرٍ/ نَشَرْتَ مع الشعر العظيم الصَّوَارِيَا
وَأَنْتَ إِذا أَيْدِي الزَّمَـانِ تَخَلَّعَتْ/ بقافية والوزن كنت المُدَاوِيَـا
وَأَنْتَ إِذا مَا متَّ، مَا متَّ لَحْظَةً/ وَإِنْ صَبَّتِ الدُّنْيَـا علَيْكَ دياجيا
فإنْ كُنْتَ حَقاً أَنْتَ مَوْلاَيَ فٱحتمِـلْ/ مُزَاحِي وجِدِّي وٱنْحِيَازي وَنَارِيَـا
وقُلْ لِي: مَعِي؟ أمْ أَنْتَ ضدِّي؟ فَمَا أنَا/ أَضُبُّ قَصِيدي ... لا عَلَيَّ.. ولاَ لِيَــــا !