لا تزال عبارة الرئيس فؤاد شهاب عن «العودة إلى الكتاب» أي الدستور، إحدى العبارات الأكثر مرجعية في تناول أي استحقاق يجد حلاً له في قراءة الدستور اللبناني وتطبيقه. رغم ما لحق هذا الدستور من تعديلات، وصولاً الى صيغته المنبثقة عن اتفاق الطائف، فإن مرور 30 سنة من عمره، لم تلغ أن لغطاً لا يزال يحيط بكلام الأفرقاء السياسيين عنه، وبطلب تفسيرات له مع كل أزمة مصيرية. فإذا كان العقد الاجتماعي الحالي عقداً متفقاً عليه، فكيف لهذه الحوارات المتتالية التي تعقد عند كل استحقاقات، أن تطرح مواضيع سبق أن تناولها الدستور ووثيقة الوفاق الوطني، وتطرح تفسيرات أو ملفات سبق أن أقرّها الاتفاق؟ من هنا، جاء بيان رؤساء الحكومات السابقين، ليشكل أبعد من مجرد ردّ على دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى طاولة الحوار في القصر الجمهوري، والاعتذار عن عدم تلبيتها. ولأن الحوار يتخطى اليوميات التي يفترض بالحكومة التعامل معها، ولا تحتاج الى هذا النوع من الحوارات الجامعة، حمل رد «بيت الوسط» مضامين تتعلق بالطائف. ولم يكن ذكر الاتفاق في البيان لازمة تتكرر عند أي استحقاق. فمن صاغ البيان وقرأه الرئيس فؤاد السنيورة، عرف عنه تمسكه المتشدد بالاتفاق، ورغبته الدائمة في تصويب أي نقاش سياسي نحو الكلام عن النظام السياسي. ردّ السنيورة باسم رؤساء الحكومات السابقين الأزمة التي يعيشها لبنان، والصراع الدائر حالياً، الى نقطة خلافية أساسية هي النظرة الى الطائف، وضمناً التجاذب الحاصل بين صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. موقف رئيس الحكومة السابق، ليس جديداً لجهة حرصه على التعامل مع النظام من زاوية اتفاق الطائف. ورغم كل العثرات التي شابت تنفيذ الاتفاق، ورغم ملاحظاتها على أداء السنيورة، يلتقي الأخير مع قلّة سياسية مسيحية على التمسك بالسعي الى حصر النقاش بالطائف كمرجعية لأي حل للأزمة اللبنانية بكل عناوينها. إلا أن إشارته أيضاً نابعة من ملاحظة أن عون ــــ وحزب الله ــــ إنما يؤيدان الطائف تأييداً لفظياً. والواقع أن علاقة عون بالطائف علاقة غير سوية، منذ أن رفضه وطالب بتعديلات عليه، الى أن قبل به بحكم الأمر الواقع وحلف اليمين الرئاسية باحترام دستوره، لكنه ظلّ محتفظاً برغبة إدخال تعديلات عليه أو طلب تفسيرات لبعض مواده، لكنه لا يلبث أن يتخطاها. تماماً كما فعل حين وجّه في نهاية تموز الفائت رسالة الى رئيس مجلس النواب يطلب فيها تفسير المادة 95 من الدستور معطوفة على الفقرة «ي» من مقدمته «حفاظاً على ميثاقنا ووفاقنا الوطني وعيشنا المشترك». رغم كل الضجة التي أثيرت آنذاك حول خلفية طلبه هذا التفسير وحقه الدستوري في هذا الطلب، أرجأ الرئيس نبيه بري جلسة تفسير المادة في تشرين الثاني الى موعد يحدد لاحقاً. لا بري أعاد طرح تحديد الموعد، ولا رئيس الجمهورية كرر طلب تحديد الجلسة، ونسي الطرفان التفسير الدستوري وملحقاته.

المفارقة اليوم أن الاستحقاقات المصيرية الحالية، تعيد طرح الطائف من جانب رؤساء الحكومات السابقين، لتوجيه الحوار نحوه بدل البحث عن غطاء جامع لمشاريع العهد والحكومة المتعثرة. وهنا تكمن حساسية النقطة الثانية التي يشير إليها بيان السنيورة، المتعلقة بالحفاظ على صلاحيات رئيس الحكومة. إذ يحفل بيان السنيورة بإشارات مبطّنة حول «تأويل النصوص» و»اختراع مفاهيم خارجة عن أحكام الدستور» وتدمير ما صاغه الطائف «من توازن وطني». وهذا يعني من ضمن سلة متكاملة انتهاك بعبدا صلاحيات السرايا الحكومية، علماً بأن رؤساء الحكومات السابقين لم يفوّتوا فرصة كي يلفتوا إليها منذ أن أتى عون الى قصر بعبدا باتفاق مع الرئيس سعد الحريري قبل أن ينتهي شهر العسل بينهما. فقبل أن تندثر التسوية بخروج الحريري من السرايا الحكومية، كان يتعرض دوماً لانتقادات من داخل البيت السني بأنه يفرط بصلاحيات رئيس الحكومة لمصلحة التسوية الرئاسية. وهو غالباً ما ردّ بأن لا أحد يزايد عليه بالحفاظ على هذه الصلاحيات، رغم أنه كان يغضّ النظر عنها لمصلحة تسويات مع العهد والتيار الوطني الحر. لذا تصبح مشاركته في هذا البيان، ورفضه الحوار في بعبدا بمثابة «تكفير عن ذنب» أمام أسلافه في إعطاء رئاسة الجمهورية من كيس رئاسة الحكومة. وقد لا تجد هذه النقطة إجماعاً حولها، وخصوصاً أن رؤساء الحكومة بعد الطائف اعتادوا الذهاب بعيداً في تكبير حجم رئاسة الحكومة، أولاً مع الرئيس الراحل رفيق الحريري، ومن ثم خلال مرحلة الفراغ الرئاسي حين كانت رئاسة الحكومة تؤدي دوراً أكبر مما أعطاه لها الطائف. وفي المقابل، ظل رؤساء الجمهورية في بعض المراحل يحاولون النفاذ من شباك الطائف لاستعادة دور الرئاسة في الجمهورية الأولى، ومن الطبيعي أن يكون أداء عون أكثر وضوحاً في هذا المجال.