إن مناقشة موقف الحزب الشيوعي اللبناني وموقعه من الأحداث الجارية، في لبنان كما في المنطقة، هو أمر مرحّب به، بل مطلوب. ولكن الاستفادة من هذه المناقشة تتطلّب أخذ جانب الموضوعية والمصداقية والنقد البنّاء في تشريح الموقف وتحليله.

لم يكن الحزب الشيوعي اللبناني مضطراً، في مرة من المرات ولن يكون، إلى أن يقدم تقريراً أو شرحاً لأحد إلّا للشعب اللبناني. وهو يقدّمه لا بالمقالة أو التوضيح أو التصريح فقط، بل في الشارع. هو حزب المقاومة الوطنية اللبنانية والعربية، وآلاف الشهداء والجرحى والأسرى الذين غطّوا مساحة لبنان، منذ الشهيد الشيوعي الأول عساف الصبّاغ عام 1936 الذي قضى على طريق فلسطين. وعليه، نعم شاءت الظروف أن تعاند هذه الحركة الثورية، التي تكاد تكون الوحيدة في لبنان التي قدمت مشروعاً وطنياً للتحرير والتغيير عبر المقاومة، واستمرّت حتى اليوم متمسّكة بهذا الموقف.
لقد ربط الحزب الشيوعي على الدوام ما بين النضال المباشر ضدّ مشروع إمبريالي غربي، تجاوز حضوره في منطقتنا قرناً من الزمن، والنضال الديموقراطي من أجل التغيير في لبنان، منطلقاً من أن هذا المشروع يفتّت دولنا، زارعاً كياناً سرطانياً، ويستتبع أنظمة سياسية حكمت فاستبدت وخسرت معركتَي التحرير وبناء الدولة مع تبديدها للثروات، ولم تنجح إلّا في قهر شعوبها التي ما أخطأت ولو لمرة واحدة في القضية الأساس، مهمة تحرير فلسطين والأراضي المحتلة. أما تناول هذا الموضوع بشكل انتقائي، وعلى قاعدة حسم التموضع في الصراع قبل فهمه أو لمصلحة خاصّة، فإنه يُفقد المقاربة السياسية موضوعيتها. فالتناقض الأساسي في لبنان والمنطقة كان ولا يزال محكوماً بمواجهة الإمبريالية الغربية ومشاريعها العدوانية المتعددة وما يدور في فلكها من أنظمة سياسية رجعية وفاسدة.
وفي الشأن الداخلي، لم تلتبس القضية ــــ قضية العمال والشباب والنساء والمقهورين والمقصيّين والفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة ــــ بل بقيت واضحة كوضوح الشمس. لم يتعب الحزب الشيوعي اللبناني على مدى قرن من الزمن ولم يهن، فيما تعب كثيرون. فقد صمد الحزب الشيوعي، بالرغم من كل الصعوبات والأزمات، وواجه، وتشهد له اليوم ساحات الانتفاضة التي تعمّ لبنان. وربّما لم يتمكّن الحزب من تخطّي كل هذه الصعوبات والأزمات، ولكن جمهوره بقي متحرّراً من أوبئة الطوائف والمذاهب وفتات منافعهم الزبائنية وأموالهم، وتصدّى باللحم الحيّ لناهبي الأموال العامة والسلطة المتنفّذة الجائرة التي تشترك فيها كل «الفدراليات المذهبية الحاكمة» انطلاقاً من انتمائها المشترك إلى النظام السياسي الطائفي نفسه.
نعم، هنا تكمن المعضلة. فكيف لنا أن نقاوم ونكون في الوقت نفسه شركاء في سلطة تأتمر أكثرية مكوناتها بأوامر الإدارة الأميركية، أو شركاء في تحالفات ملتبسة وغير مبدئية. وكيف لنا أن نضمن ــــ ونحن نرفع الرايات في ساحات المواجهة ــــ عدم التحوّل، سواء عن وعي أو غير وعي، إلى رافعة تحمي منظومة سياسية ائتلفت في نظام طبقي ــــ طائفي، أقل ما يُقال فيه، إنه فاسد واستئثاري في الداخل، وخاضع للتبعية والارتهان للخارج. هذا ما يجب أن يُقال كي لا نقع في فخّ المشاركة في التعمية على ما يحصل. فالانتفاضة الشعبية الحاصلة قُمعت على أيدي أدوات السلطة الأمنية وبعض القوى المحسوبة على المقاومة الإسلامية، وجرى ويجري تعويم النظام الطائفي عبر الدعم ــــ غير المتوقع ــــ من جانب هذه القوى بالذات التي يُفترض أن تكون الدرع الحامية لمشروعية تطلّعات الشعب اللبناني. وكان يجب أن يتسع هذا المشروع لكل فقراء لبنان ومن كل المناطق، وأن يحتل الدفاع عن مصالحهم الملموسة أولوية الأولويات، وإذا ما حصل اختراق مشبوه، فإن الشعب المنتفض هو الكفيل بمواجهته. أما الكلام السطحي، عن انزلاق الحزب الشيوعي أو قيادته، إلى مستنقع مؤامرات «المجتمع المدني» والانحراف الليبرالي والسفارات وإلى «غربة» عن القضية الفلسطينية والأزمة السورية، وغير ذلك من مقولات يراد منها الترهيب والإسقاط الفوقي، فإننا لا نجد حاجة للتوقف عنده، تاركين للمناقش العودة ليس فقط إلى وثائق الحزب وإعلامه وبياناته ومؤتمراته الصحافية، بل إلى نشاط وتضحيات جمهوره القاعدي في كل المعارك الوطنية والسياسية والاجتماعية الكبرى وفي الشوارع والساحات العامة.
إن ما يواجهه الشعب اللبناني اليوم من سياسات امتدت لثلاثين سنة خلت، ناتج من بنية نظام سياسي عميق ومتوارث أوصل البلد إلى الانهيار. والطبيعة الطبقية والطائفية للنظام الحاكم وتبعيته المطلقة للخارج وتماهيه الفجّ مع الاستئثار والفساد وهدر المرفق العام، وإنتاجه الدائم لظاهرات البطالة والفقر وتهجير الشباب، هو ما كان يلزم تسليط الضوء عليه ومحاسبة من تسبّب به أو شارك فيه أو تغاضى فعلياً عنه، وهذه البلطجة الإعلامية على موقف الحزب هي لحماية هؤلاء وضرب الانتفاضة. لقد نزل الشعب اللبناني بكثافة غير مسبوقة إلى الشارع وفي كل المناطق رفضاً للنظام الطائفي البائس وتشكيلاته المختلفة، وتجسيداً للحقّ وتكافؤ الفرص في العمل والعلم والصحّة والنقل العام والسكن والبيئة النظيفة. وقد أسقط الشعب الحرم المفروض على الاعتراض في وجه السلطة المتحكّمة التي تتقاسمها الموالاة والمعارضة. ولم يَرُقْ قوى السلطة وسياسييها وأبواقها وكتّابها وأقلامها المتنمّرة والمستهزئة هذا المشهد العام الذي فتح الباب فعلياً أمام إمكان إحداث تغيير فعلي في نظام سياسي طائفي فقد السيطرة على كل آلياته الإجرائية وقوّض أسس الانتظام العام.
نعم، لم تستطع مجاميع السلطة وأدواتها الإعلامية أن تفهم أو تتخيل أن مواطنين من كل لبنان قد كسروا، ولو آنياً، حواجز المناطق وشرانق المذاهب، فهبّت الأقلام لتصرف النظر عن نظام متداع وتلصق التهم بالمشاركين وتنعتهم بالعمالة والتبعية والاستزلام للخارج، مع العلم بأن «الشركاء في الوطن»، الموجودين في حكومات «الوحدة الوطنية» المتتالية لم يخفوا يوماً من الأيام ارتباطهم بمشاريع سياسية في المنطقة معادية وموالية للمشروع الأميركي تحديداً.
إن ما قام به الشعب اللبناني طوال مدة تزيد على ثلاثة أشهر لم يكن بفعل تدخل خارجي أو مؤامرة حاكتها دوائر الاستعمار الغربي، بل بفعل تبعية نظامنا السياسي الطائفي بالأساس للرأسمال المعولم وخضوعه لضغوطه. نعم، لقد نزل الشعب اللبناني بمجموعات فيها من تنوّع المواقف والأسباب والموجبات والولاءات والتطلعات ما يجعل التناقض أو التمايز في العديد من الآراء أمراً قائماً. وهذا إن دلّ على شيء فإنه يؤشر إلى شمول التحركات كل المناطق وأكثرية الفئات المتضررة، وهو إدانة صارخة لمجمل الاصطفافات الطائفية والمذهبية السلطوية التي ضربت الحركة النقابية المستقلة، وهيمنت على كل أطر العمل الاجتماعي والبلدي طوال ثلاثين عاماً، لكن الانتفاضة جعلت من إمكانية قيام مشروع مشترك أو قيادة موحّدة للتغيير الديموقراطي أمراً أكثر نضوجاً وهو كما يبدو مصدر قلق وإزعاج وخوف. وعليه، فإن مجموعة المبادرات التي حصلت، والتي كانت بأكثريتها تنشد تجميع القوى حول قواسم كبيرة ومشتركة، لم تنجح حتى الآن بشكل كليّ، ولكن هذه المبادرات مستمرّة وهي نجحت على الأقلّ في توحيد أكثرية الشعارات وفي معظم الساحات.
وهذا الواقع المتنوع لم يلغ تنسيق المواجهة وتوحيدها وتجذيرها باتجاه المصرف المركزي وجمعية المصارف وكبريات المصارف في بيروت والمناطق، وضد مواقع الفساد من شركات ومؤسسات عامة، كالكهرباء وTVA وأوجيرو ومجلس الجنوب وغيرها الكثير... حيث استهدف المنتفضون كسر الأذرع المالية للفساد وللمؤسسات المالية الدولية وسياساتها المنحازة لأصحاب رأس المال على حساب أكثرية اللبنانيين. وما قامت به تلك القطاعات الشبابية يعبّر عن وعي طبقي وثوري نقيّ، ويعكس صوابية خيارها السياسي ومصداقيته.
إن ما يجري اليوم في لبنان هو انتفاضة ضد نظام طائفي متخلّف ومدمّر للموارد والطاقات، ولا حل إلّا بكسر هذا النظام عبر الانتقال إلى نظام انتخابي قائم على النسبية خارج القيد الطائفي، بصرف النظر عن النتائج المتحقّقة. فخيار بناء الدولة الوطنية القادرة على المواجهة لا يمكن أن ينجز إلّا من هذا الباب، وعبر قيام اقتصاد منتج يقوم على بنى اقتصادية حقيقية وتكامل مع الدول العربية المجاورة أيضاً، لن يكون إلّا من خلال إلغاء نظام المحاصصة والتبعية.
في النهاية، فإن صفة «السابق» لن تكون إلّا لهؤلاء، الذين بكّروا في الفرار من مركب الحزب يوم شحّت الموارد وضعفت الامتيازات وكثرت الإغراءات الداخلية والخارجية. ونطمئن الجميع إلى أن كل صاحب رأي، وإن كان مخالفاً، تبقى مكانته قائمة ومحترمة داخل الحزب وبين رفاقه، أمّا الانتهازي والفوقي والمتنمّر والمتوزّع شتاتاً فلم يعد له مكانة على جدول أعمال الشيوعيين في هذه الأيام.

بيروت في 30/1/2020
قطاع الإعلام المركزي في الحزب الشيوعي اللبناني