لم تنعقد لجنتا الكهرباء والغاز هذا الأسبوع. ليس الأمر عادياً طالما أن أيّاً منهما لم تنه عملها. ما يزيد الأمر غرابة أن الأسابيع التي مضت شهدت اجتماعات مكثفة لهما، تمهيداً للوصول إلى الاتفاق المناسب، إما بشأن دفتر شروط مناقصة معامل انتاج الكهرباء، أو بشأن نتيجة مناقصة استقدام محطات عائمة للغاز (لتحويل الغاز المسال المستورد عبر الناقلات البحرية إلى غاز بحالته «الطبيعية»).

عند التدقيق، يأتي الجواب حمّال أوجه. في اللجنة نفسها من يؤكد أن الأمر عادي ويعود إلى انتظار بعض التوضيحات على أسئلة أعضاء اللجنة. قد يصح هذا على لجنة الغاز، التي طُلب من الاستشاري المزيد من التوضيحات بشأن نتائجها، بالرغم من أن الجميع يدرك أن المسألة أبعد من أن تكون تقنية. لكن في لجنة الكهرباء يبدو أن الصدام قد وقع، وسيكون من الصعب إيجاد الحل له في اللجنة نفسها. لذلك، يؤكد أعضاء فيها أن الأبواب أوصدت في وجه الاتفاق على مجموعة من الأمور، أبرزها الحل المؤقت (الذي سيُعتمد لتأمين الكهرباء في الفترة التي تفصل عن إنجاز بناء المعامل الثابتة لإنتاج الطاقة) والبواخر ضمناً، والأرض التي سيبنى عليها معمل سلعاتا، حيث لا يلقى اقتراح وزارة الطاقة بنقلها من حنّوش إلى سلعاتا قبولاً لدى معظم أعضاء اللجنة، الذين يصفون حجة وزارة الطاقة بالضعيفة. لكن، إذا كانت وجهات النظر في مسألة سلعاتا غير متطابقة، فإنها بالنسبة الى المرحلة المؤقتة تصل إلى حد الخلاف الاستراتيجي، الذي يمكن أن ينسف الخطة كلها. ولذلك، فإن الحل لن يكون إلا بقرار سياسي، فكان القرار برفع الأمر إلى مجلس الوزراء، علّ الاتفاق السياسي يسبق أي جلسة تعقد للغاية.
في اللجنة، لم يعد وجود المرحلة المؤقتة محل إجماع. ثمة من يدعو، مجدداً، إلى إلغائها لعدم جدواها، مقابل السير رأساً بالحل الدائم. أول هؤلاء وزير المال علي حسن خليل، الذي يدعو إلى السير مباشرة في خيار المعامل الدائمة، على أن توضع مجموعات الإنتاج التي تنجز على الشبكة توالياً. ذلك اقتراح يوجّه ضربة قوية لخطّة وزارة الطاقة لزيادة تعرفة الكهرباء على المستهلكين، بدءاً من عام 2020، لكن الأمر صار أبعد من ذلك. العنوان الأساسي للخلاف، كما كان منذ سنوات، هو البواخر. فريق يريد البواخر، على رأسه التيار الوطني الحر وتيار المستقبل، وفريق يرفض البواخر ويتقدمه الحزب الاشتراكي وحركة أمل. الخلاف هنا ليس تقنياً. والرفض جاء على شكل فيتو مناطقي واضح. «أمل» كانت حاسمة في رفض الحل المؤقت في الزهراني، مقابل الدعوة إلى الشروع رأساً بالمرحلة الدائمة، على أن يتم وضع كل مجموعة تنجز على الشبكة، إلى أن يكتمل المعمل.
الحزب الاشتراكي كان اعتراضه حاسماً أيضاً. هو يرفض التسليم بخيار البواخر، بعد كل المعارك التي شنها ضدها. موقفه الآن لم يتغير. في النقاشات، ثمة معادلة ثابتة: الحل المؤقت يساوي البواخر، مهما جرى السعي إلى فتح المجال أمام منافسة عادلة بين خيارَي البر والبحر. الوزير وائل أبو فاعور قالها بشكل واضح: حتى لو كانت البواخر أقل سعراً وأسرع، فلن نسير بها. «التنازل» الأكبر الذي يمكن أن يقدم هو التمديد للبواخر الحالية. ما العمل إذاً؟ الإجابة عن السؤال قد تقود، على ما يؤكد مصدر في اللجنة، إلى خيارات غير واضحة. البعض يتحدث عن احتمال الوصول إلى هدنة عنوانها إلغاء الحل المؤقت من الجنوب والإبقاء عليه في الشمال، على قاعدة «لكم خياراتكم ولنا خياراتنا»!

كلفة الطاقة في المرحلة المؤقتة تمنع خفض العجز


إن حصل ذلك، فسيعني انتهاء فرص زيادة التغذية بالتيار في عام 2020، تمهيداً لزيادة التعرفة، وبالتالي تخفيض العجز في الموازنة. وإذا كان العونيون قد بدأوا يحمّلون مسؤولية ضرب الخطة لـ«خصومهم» ــــ شركائهم في الحكومة، فإن أولئك يذكّرون بأن الموافقة على الحل المؤقت في مجلس الوزراء، عندما أقرّت الخطة، كانت مرتبطةً بالسعر الموحد الذي يقدمه العارض للمرحلتين المؤقتة والدائمة (يكون السعر مخفّضاً)، لكن أما وقد تبين أن ذلك غير ممكن (تم الفصل بين السعرين ربطاً بآلية تمويل المرحلة الدائمة)، فهذا يعني أن تكلفة المرحلة المؤقتة سترتفع بشكل كبير، ما يؤدي عملياً إلى ضرب أي قيمة لرفع التعرفة، حتى لو ربطت بأسعار الفيول، وخاصة أن الهدر الفني وغير الفني لا يزال مرتفعاً جداً، وبالتالي ستزيد أعباؤه على الخزينة مع زيادة ساعات التغذية. عندها يسأل هؤلاء: ما أهمية المرحلة المؤقتة إذا لم تؤدّ إلى خفض العجز؟
مع افتراض الوصول إلى اتفاق شامل بشأن كل الإشكالات المطروحة، هل ستسير قافلة بناء المعامل بسهولة؟ يجزم أحد الخبراء المطلعين على ملف المناقصة أن الأوضاع المالية الحالية في البلد ستنعكس سلباً على المناقصة المنتظرة، إذ يتوقع أن تواجهها تعقيدات كبيرة، إن كان في عدد الشركات المهتمة بالاستثمار أو بالمموّلين المستعدّين لإنفاق أموال طائلة في بلد غير مستقر اقتصادياً. أضف إلى أنه قبل توقيع أي عقد لبناء المعامل على طريقة BOT (بناء المعمل ثم تشغيله لسنوات قبل «نقل» ملكيته إلى الدولة بعد استرداد كلفة بنائه ومراكمة ربح للشركة المتعهدة)، فإن الإجراءات قد تحتاج إلى أكثر من سنة، وليس إلى 5 أشهر ونصف شهر كما تقول وزيرة الطاقة، ما يعني عملياً أنه حتى لو اتفق على السير بالمرحلة المؤقتة، فمن الصعب زيادة الطاقة المنتجة خلال 2020. وعليه، يسأل المصدر، لماذا لا نعود إلى البديهيات، أي أن تبني الدولة معامل الكهرباء، مقابل ترك معمل واحد، على سبيل المثال، لخيار شراء الطاقة من «المنتج المستقل». بذلك، يقول المصدر، نكون كمن يضرب عصفورين بحجر واحد، أولاً، نحصل على طاقة أرخص بحيث يتم توفير حصة المستثمر خلال 20 عاماً (يتم حالياً إنتاج 280 ميغاواط من معملَي الجية والذوق الجديدين بكلفة متدنّية تصل إلى 9.2 سنتات /كيلوواط ساعة من ضمنها سعر الفيول)، وثانياً، بناء المعامل بشكل أسرع. وأكثر من ذلك فإن التمويل الخارجي لبناء المعامل متوفر وبفوائد متدنية.