في حالة السقوط يهرب الجميع. تصبح المسؤولية كرة يتقاذفها المسؤولون عن ادارة الدولة. في بلاد طبيعية، يخرج الناس عارفين بأصل الازمة، ويضربون حيث يجب. اما في لبنان، فالاحتجاج بين الطوائف ينتهي على شكل فوضى تسمى احيانا بالحرب الاهلية.

الضيق في السياسة والاقتصاد والانتاج واشكال الحياة، سيجرّ الناس الى المواجهة. ولكن مع من؟
يشكو رياض سلامة من ان احداً في الحكم لا يريد تحمّل المسؤولية، وان الجميع يريد تحميله تبعات الازمة. وهو قد يجد نفسها مضطراً لرمي كرة النار في حجر اهل الحكم ويعلن تخليه عن منصبه ودوره. رئيس الحكومة سعد الحريري يتصرف بقلق وخشية من تحميله مسؤولية الازمة، وعندها لن يمانع ايضا في قلب الطاولة والعودة الى الطريق الجديدة. نبيه بري بما يمثل الآن، من حركة امل وحتى حزب الله، سيجد نفسه امام اتهام بـ«انّك وطائفتك، تحكّمتم بالبلاد في زمن الوجود السوري ثم في ظل السلاح القوي، وفشلتم في ادارة الدولة، وأنتم من يجب ان يدفع الثمن». لكن بري ليس معجباً بالتسامح الارثوذكسي حتى يدير خديه الايمن والايسر، بل هو صاحب اختصاص ومدرسة في ممارسة الشغب متى تطلّب الامر. وفي مكان ليس ببعيد، سيجد الى جانبه وليد جنبلاط مستعداً ومتحمساً ولابساً الشروال متى لزم الامر. ميشال عون لن يقبل ان تختم حياته السياسية بدفع ثمن سياسات من تعاقب على الحكم خلال فترة قهره ونفيه. وربما يجد طريقة لاحياء تحالفه مع القوات اللبنانية والكتائب ولزوم ما لا يلزم من الاحزاب المسيحية، وخوض معركة الحفاظ على الوجود لا استرداد الحقوق. اما حزب الله، فسيستنفر ناسه واهله لحماية درّة تاجه في المقاومة. وقد يجد طريقة لجمع كل المهمّشين وفقراء البلاد في جبهة واحدة.
عندها، ستكون البلاد امام كارثة محققة، خصوصا أن الجيش وقوى الامن يحذران من خطورة التفلّت الامني الذي يصاحب الازمات الاقتصادية والاجتماعية.
لكن الامر لا يبدو محصورا في القوى اللبنانية. فالخارج المؤثر على الداخل لديه ألاعيبه ايضا. الاميركيون يواصلون الدور المركزي في حماية الحكومات الفاسدة وضرب اقتصادات الدول لجعلها رهينة سياساتهم، وها هم، اليوم، يمارسون أقذر أنواع الحصار والعقوبات. لكنهم يريدون تحميل المسؤولية للضحية: «اسمعوا ايها اللبنانيون، نحن لسنا غاضبين منكم، وما ترونه منا انما سببه حزب الله والنظام في سوريا وايران»! ويجد الاميركيون حثالة لبنانية، غير قليلة، تساندهم وتروّج لمنطقهم. ألم تضجّ وسائل الاعلام التابعة مباشرة للاميركيين، ومعها سياسيون ومحللون، بالأخبار عن ان ازمة الدولار في لبنان سببها قيام عصابات ورجال أعمال تابعين لحزب الله بشفط الدولارت وارسالها الى سوريا؟ يتكل هؤلاء على سذاجة جمهور متعصب لتمرير كذبتهم. هذا الفريق الذي تدعمه اميركا، من قوى واعلام 14 آذار، لا يعرف ماذا يقول. لكنه يردد المطلوب منه.
لنفترض ان السوريين يسرقون الدولارات من السوق اللبنانية. هذا يعني، بحسب هذه الرواية، ان خمسة الى سبعة مليارات دولار ذهبت من لبنان أخيرا الى سوريا. كيف حصل ذلك: هل كانت هذه الاموال على شكل ودائع لمواطنين سوريين قرروا استعادتها؟ اذا كان كذلك، أليس هذا حقهم؟ لكن اصحاب الاتهام يقولون ان الامر يتم من خلال السوق الموازية. كيف؟ هل يأتي رجال اعمال وصرافون من سوريا ويشترون الدولار من بيروت وينقلونه الى سوريا؟ حسنا، ماذا يدفعون بالمقابل: عملة سورية ام ريالات سعودية وقطرية او دراهم اماراتية او دنانير كويتية أو سبائك ذهبية؟ لم يشرح لنا هؤلاء كيفية شفط سوريا للدولارات من السوق اللبنانية: هل يشترون الدولار بالمكدوس مثلا؟
يخرج من يقول ان العمال السوريين يهرّبون سنويا نحو ملياري دولار الى سوريا. حسنا، لنفترض ذلك. الا يناقض هذا كلامهم عن النازحين؟ انتم تقولون ان العائلات السورية ترفض العودة الى سوريا خشية الاضطهاد، ولأن منازلها دمرت، وليس لديها هناك من ينتظرها. اذا كان كذلك صحيحا، فلمن يرسل النازحون الاموال؟ للنظام الذي يخافونه ام ماذا؟
ثم الستم انتم من ترفضون عودة النازحين السوريين؟ أليس الاميركيون وأنصارهم في لبنان والمنطقة من يقولون ان العودة غير آمنة الان؟ فهل يطلقون موقفا انسانيا واخلاقيا وسياسيا رفيعا، ثم يحتجون بأن النازحين يأكلون من المساعدات الدولية ويجمعون دخلهم من لبنان على حساب العمال اللبنانيين وعلى حساب الدولة اللبنانية؟ ما لكم لا تبادرون الى دعم عودتهم، فتتقلص الاعباء العامة على الدولة، وتقل كمية الدولارات المهربة الى سوريا، وتعالجون قسما من مشكلة البطالة عندنا؟
لكن لنعد الى المشكلة حيث هي فعلا.

الاستجابة للقرارات الاميركية تضع المتنفعين في مواجهة الناس وفي مواجهة حزب الله


الآن، قرّر الاميركيون رفع مستوى المواجهة في لبنان. وهم يريدون استغلال فساد السياسيين عندنا لفرض منظومة في الادارة المالية والنقدية، وقاعدتهم تتصل مرة جديدة بهدفهم المركزي، وهو ضرب المقاومة. وفي برنامجهم سعي واضح الى تقييد حركة الناس بالتعاملات النقدية وحتى التجارية. وعلى هذا الاساس هم يفترضون - محقين الى الآن - بأن المسؤولين في لبنان، من دولة وقطاع خاص، ينفّذون المطلوب منهم بلا مساءلة، فقرروا انه لا يمكن ترك السوق المالية والنقدية مفتوحة امام الجميع. وسيكون على كل مواطن وتاجر ان يثبت معارضته ومقاومته لحزب الله حتى يستفيد من هذه النعمة. ولمنع الخطأ يجب اتخاذ كل الاجراءات والاحتياطات اللازمة، مثل اقفال مصارف وشركات لأن واشنطن «وجدت» انها «مذنبة» بالتواصل مع حزب الله. كما يجب إخضاع مواطنين لرقابة مالية ونقدية (وحتى امنية) لانهم يعملون في خدمة المقاومة. لكن اللائحة ليس مقتصرة على عدد معين، بل ستكون مفتوحة ومطاطة، مثلما قال سفّاح المصارف الاميركي، مارشال بيلنغسلي، أخيراً: ليست لدينا تبليغات الآن، انما اعلَموا أنه متى تبين لنا انه يوجد تساهل او تعاون او غض طرف، فسنضرب بقوة.
لكن كيف يترجم اهل الحكم في القطاعين العام والخاص هذا الكلام؟
مثلا، سيتم التشدد اكثر حيال اصحاب الحسابات البنكية. سيتم الاعتذار من هذا كونه يمت بصلة نسب او علاقة عمل مع عنصر او مسؤول في حزب الله. سيقفل حساب هذا التاجر او المورد لانه يبيع بضاعته لاشخاص محسوبين على الحزب. وسيتم تعقيد معاملات فتح مصنع او مدرسة او مستشفي لناس تشك الولايات المتحدة بأنهم على صلة خلفية مع حزب الله. وسيمنع على شركات التعامل مع سياسيين واعلاميين وحتى رجال دين، لانهم بذلك يخدمون حزب الله ويضعون انفسهم في المكان المشبوه.
عمليا، الاستجابة للقرارات الاميركية تضع المتنفعين في مواجهة الناس، وحتى في مواجهة حزب الله. واذا ما ظلت الحكومة صامتة عن هذه الاجراءات، فهذا يعني دعوة من بيدهم الامر الى التصرف بما بحفظ مصالحهم هم كأبناء لهذا البلد، لا احترام مصالح الخارج خصوصاً الاميركيين منهم.
وفي جانب اخر، هل يعتقد اهل الحكم عندنا، وعلى كل المستويات، ان الناس لم تمل منهم بعد، وان القهر لن «يفك اللحام» القائم بين جماهير متعبة وبين زعماء طوائف؟ ألم يحن الوقت ليستحي هؤلاء الجالسون على المقاعد الوزارية والنيابية والادارية ويفهموا ان الخراب سيصيبهم اولا وقبل اي احد اخر؟ اما آن الاوان لإسماع هذه الطبقة العفنة والنتنة صوتا قويا بأن ارحلوا عنا انتم وعائلاتكم وانصاركم والمحسوبون عليكم؟
لبنان، يقترب من دائرة النار الكبيرة. واذا كان الاميركيون، ومعهم حلفاء اغبياء في لبنان، يظنون ان الملعب متروك لهم، فهم سيفهمون بأن الامور لا تسير على هذا النحو. وان غداً لناظره قريب!