منذ صباح أمس، عاد بعض العائلات التي تركت بيوتها خلال الأسبوع الماضي بانتظار ضربة المقاومة رداً على استشهاد مقاومين بغارة اسرائيلية في سوريا، ورد فعل العدو الإسرائيلي المحتمل. «هل غادرت عائلتك فعلاً؟»، يسأل أبو محمد صديقه المقيم في يارين، مستخفّاً بحجم ردّ فعل العدو. «لا أملك في بيتي أكثر من «بيتادين» في حال أصيب أحد. ليس لدينا ملاجئ ومستشفيات ومستوصفات مجهزة. فكيف نصمد في وجه الحرب المقبلة؟»، يقول الصديق. يأسف بحسرة لحال المقيمين على الحدود الجنوبية المتروكين لمصيرهم منذ ما قبل نكبة فلسطين عام 1948. يلمح إلى أن مجزرة مروحين التي سقط فيها 24 شخصاً من مروحين وأم التوت في 2006 (عندما رفضت الوحدة الغانية في اليونيفيل إيواء الهاربين من القصف في عدوان تموز) «لا تزال تترك جرحاً غائراً بين الأطفال والأمهات». حسرته سرعان ما تنقلب فرحاً عندما يتحدث عن الليالي التي أمضاها مع المقاومين الذين رابطوا على الحدود خلال الأيام الماضية وأنتجوا «نصراً لا يضاهى». يسميهم «الفدائيين»، في استعادة للصفة التي حملتها مجموعات المقاومة التي واجهت الصهاينة منذ ثلاثينيات القرن الماضي. يجزم بأن من اضطر إلى ترك منزله لإنقاذ أرواح أطفاله، سيعود محتفلاً بضربة أفيفيم. «أهل الحدود أكثر من يدرك قيمة أن يكون العدو خائفاً ومختبئاً»، يقول.

في الطريق إلى مارون الرأس، تنتصب يافطة تقول: «طربيخا ترحّب بكم». والذي يرحّب بالمارة فعلياً، حقول زراعية وأراض مترامية خالية من العمران. إنها جزء يسير من إحدى القرى السبع التي افترسها الاحتلال واستبدلها بمستعمرات شتولا وكفار روزنفالد وموشاف شومرا. تشكر طربيخا الزيارة لتلوح مستوطنة زرعيت قبالة مروحين ورامية، والتي اشتكى سكانها في السنوات الماضية من سماع أصوات متصاعدة من تحت الأرض. لم يستفق العدو من صدمته رغم مرور ساعات على ضربة المقاومة وإعلان قيادة العدو أن «العملية القتالية انتهت». حركة جنود العدو منعدمة من موقع جرداي فوق تلة الضهيرة إلى طريق طربيخا وخلة وردة وصولاً إلى خراج رميش، باستثناء إطلاق منطادَي تجسّس فوق الحدود مع ميس الجبل.
زحمة وسائل الإعلام ودوريات قوات اليونيفيل والجيش اللبناني في سهل مارون الرأس على مقربة من الحدود مع مستوطنة أفيفيم، لم تكسر خوف العدو. اختباء يبدو جزءاً من ثأر لشهداء مجزرة صلحا الذين سقطوا تحت أنقاض المستوطنة قبل 71 عاماً عندما دمرت العصابات الصهيونية مسجد البلدة فوق رؤوس نحو 90 شخصاً من أبنائها، وهجرت من بقي حياً، قبل أن تحول قسميها، الجنوبي إلى ييرؤون والشمالي إلى أفيفيم. لم تكن المرة الأولى التي يجذب فيها سهل مارون، بين يارون وعيترون، الانتباه. في 2011، سالت فوقه دماء عشرة فلسطينيين وعشرات الجرحى خلال مسيرة العودة الكبرى. وقبلها بخمس سنوات في شباط 2007، قصف الجيش اللبناني جرافة إسرائيلية خرقت السياج الشائك نحو الأرض اللبنانية بعمق 15 متراً في منطقة متحفّظ عليها تدعى B47-b50.

انشغلت اليونيفيل بتمشيط السهل للتحقق من مصدر إطلاق الصواريخ باتجاه الآلية المعادية


في حديقة إيران في مارون الراس، اصطفّ عشرات المواطنين للتفرّج على مسرح ما بعد ضربة العدو. حتى ما بعد ظهر أمس، كان الدخان لا يزال يتصاعد من الحقول الزراعية التي قصفها جيش الاحتلال عصر الأحد، بعد استهداف المقاومة ناقلة جند على طريق المستوطنة. ورغم أن العدو لم يجرؤ على استهداف المنازل، لكنه حرق قلوب بعض الأهالي على أرزاقهم في حقول الزيتون والتبغ التي طالها الحريق. اسرائيل لم تكتف بإطلاق القذائف الحارقة فقط، بل أطلقت القذائف العنقودية التي قد تشكل خطراً مستمراً على سلامة المزارعين. الوحدة الإيرلندية في قوات اليونيفيل التي لديها مركز حدودي قبالة ثكنة «أفيفيم» انشغلت مع الوحدة الفرنسية وجهاز الارتباط في اليونيفيل بتمشيط السهل للتحقيق في مصدر إطلاق الصواريخ باتجاه الآلية المعادية، بدلاً من مسح آثار القصف الإسرائيلي والأضرار التي تسبب فيها للمزارعين. جنود إيرلنديون حملوا أجهزة التحسّس ومشطوا الطريق المحاذي للحدود، ومروحية أممية خرقت الأعراف بتحليقها المتنقل عبر السياج الشائك بين فلسطين المحتلة والأراضي المحررة.
التحرك اللافت لليونيفيل أمس استند إلى تعميم داخلي لقائدها الجنرال ستيفان دل كول، دعا فيه الموظفين والجنود إلى استئناف عملهم الإثنين (أمس) والعودة إلى حياتهم الطبيعية. تطمينات ناقضت خطة الطوارئ التي أطلقتها القيادة عقب ضربة المقاومة. وفق مصادر مواكبة، عمّمت القيادة على جنودها «التزام الثكنات وتعليق الدوريات، فيما طالبت الموظفين المدنيين الأجانب واللبنانيين بالالتحاق بمواقع محددة آمنة، هي المقر العام في الناقورة والموقع الإيرلندي في الطيري والموقع الغاني في القوزح»، علماً بأن الخطة «التي لم تنسق مع الجيش اللبناني الذي لم يعلن الاستنفار العام، تسبّبت في حالة ذعر بين الموظفين وعائلاتهم». أحداث مارون الرأس أثارت الجدل مجدداً حول طبيعة مهمة اليونيفيل. لبنانياً، وكما المعتاد، افتقد أثر حفظة السلام في أوقات الخطر، في ظل انحياز تام للعدو، تجلّى في بيان دل كول الذي «أدان استهداف أفيفيم ولم يُدن استهداف الضاحية الجنوبية». أما إسرائيلياً، فالعدو أيضاً ليس راضياً. وفق المصادر، وجّه ضباط في الجيش الإسرائيلي عتاباً شديد اللهجة إلى ضباط كبار في اليونيفيل بسبب «تقصيرهم في رصد تحركات حزب الله الذي استطاع اختراق أجهزة الرصد والتجسّس وتسديد إصابة في موقع غير مرئي من الحدود بعمق أربعة كيلومترات، من نقطة قريبة من موقع الوحدة الإيرلندية».