على مسافة عشرين كيلومتراً من البحر، وصعوداً في الجبل حتى ارتفاع سبعمئة متر، ثمة قرية اسمها «البودي»، كانت فرنسا زمن الانتداب (الاستعمار) على سوريا ستفتح فيها مدرسة في ثلاثينيات القرن الماضي، وحملت الجِمال «الرحلات» أي المقاعد الخشبية إلى القرية التي لن تصلها السيارة حتى نهاية الخمسينيات، ولن تصلها الكهرباء حتى نهاية السبعينيات. لكن الجِمال عبرت بالمقاعد في قرية الآغا أو الإقطاعي الذي سأل عن وجهة الجمال والغاية من المقاعد. ولما آذت سمعه «مدرسة البودي» صاح: مدرسة لبيت جحشو؟ أنزلوا المقاعد هنا، فكان أن تأخرت المدرسة عن تلك القرية عشرين سنة.

إنها القرية التي ينتمي إليها أبي وجدي. لم أولد فيها، ولم أعرفها إلا في الإجازات الصيفية، إذ كنت دوماً في ركب والدي الذي كان يعمل دركياً ويتنقل بنا من صافيتا (حيث ولدت) إلى شرق وشمال سوريا في الجزيرة (الحسكة ـ عامودة ـ الدرباسية ـ العضامية) ثم في الدريكيش ومشتى الحلو وطرطوس.
بعدما نلت الثانوية الصناعية عام 1962 أقمت في البودي، ريثما نلت الثانوية العامة (الفرع العلمي) وعملت معلماً بالوكالة ـ أي من خارج الملاك الوظيفي ـ لثلاث سنوات، كنت خلالها أدرس الأدب العربي في جامعة دمشق. ومن بعد غادرت البودي إلى جبلة فالرقة فحلب فدمشق فاللاذقية، لكنني لأمر ما ـ أقسم إنني أجهله رغم كل ما درست في علم النفس ـ اخترت البودي مقاماً لي منذ 1989، إذ شيدت فيها بيتي الريفي ومكتبتي وعزلتي، وثمة كتبت ما كتبت منذ رباعية «مدارات الشرق» حتى اليوم.
عن هذه القرية كانت روايتي الأولى «ينداح الطوفان» التي صدرت عام 1970 عن «دار الأجيال» في دمشق. ولأمرٍ ما أيضاً ـ هذه المرة أعرف أنه الجُبن ـ لم أجرؤ على أن أذكر اسم «البودي» في الرواية، لكن جدل الجبن والشجاعة جعل التقية الساذجة تسمي كل ما في الفضاء حول البودي، وبالتالي كان أي «حمار» قد يقرأ الرواية، سيعرف أن «البودي» هي عالمها. وبفضل القراءة المتلصصة، بالأحرى القراءة الأمنية والمطابقة، أمكن أحدَهم أو أكثر أن يكشفوا لعبة «التغماية» التي لعبها الكاتب، ويعرفوا أن الشخصية الفلانية هي فلانة، أو ظلالها الكافية لأن تسميها، وكان يا ما كان.

كان مقدراً لي أن أواجه الرقيب منذ روايتي الأولى، أعني الرقيب الاجتماعي، وليس فقط الرقيب الرسمي

كان مقدراً لي أن أواجه الرقيب منذ روايتي الأولى، أعني الرقيب الاجتماعي، وليس فقط الرقيب الرسمي في سوريا وغير سوريا، الذي ستكون لي معه جولات، ليس آخرها ما كان للتو، إذ منعت الرقابة توزيع روايتي الجديدة «ليل العالم» في سوريا.
ذات عشية عام 1971، كنت في مدينة جبلة عند أهلي، وإذا بابن من يفترض أنه واحد من شخصيات الرواية يطلب مني أن أرافقه في مشوار. وعلى الرغم من توجّسي ورجفة ركبتيّ، رافقته. وقرب البحر، حيث لا أحد، أخذ يشتمني ويشتم الرواية ويلكزني وأنا مستسلم. وبعد حين علمت أنه زوج من يفترض أنها إحدى شخصيات الرواية تصدى لأبي في كراج جبلة، وعلى إثر ذلك لم أجرؤ على أن أظهر في «البودي» ثلاث سنوات.
قبل أن أكتب «ينداح الطوفان» كنت قد جرّبت في رواية لم تكتمل، وفي أخرى اكتملت لكنني لم أنشرها حتى اليوم. وفي مدينة الرقة، التي صارت اليوم عاصمة دولة الخلافة الإسلامية الداعشية، حيث كنت أعمل في التدريس، كتبت «ينداح الطوفان». وفي واحدة من سفراتي النادرة إلى دمشق، وبإرشاد من الصديق الراحل مسعود بوبو، قصدت اتحاد الكتاب لعله ينشر الرواية، حيث كان حيدر حيدر أميناً للسر، وعرضت عليه الرواية. وعندما عدت لأعرف مصيرها، نصحني بأن أعيد كتابتها، وبلغتي اليوم، أن أرشّ عليها بعض البهارات اللغوية التي يرشها هو ومن يرفعون راية شعرية اللغة الروائية. وقد حاولت أن آخذ بالنصيحة، فكان أن أعدت كتابة الصفحة الأولى فقط، ثم اهتديت إلى «دار الأجيال» بعون من الصديق الشاعر بندر عبد الحميد، واتفقت مع صاحب الدار الشاعر إلياس الفاضل المعروف بانتمائه إلى الحزب السوري القومي، على نشر الرواية مقابل أربعة آلاف ليرة سورية. وبعون من صديق كان في الرقة ثم انتقل إلى جريدة البعث في دمشق، صمم الغلاف الفنان نذير نبعة الذي لم ألتقِ به حتى الآن.
أرسل لي إلياس الفاضل إلى الرقة كمية هائلة من الرواية. وقد ساعدني عدد من الأصدقاء والطلاب على تسويقها، وكان ثمن النسخة 4 ل.س. والطريف في الأمر أن جاري صاحب البيت الذي كنت أسكنه المرحوم أبو خالد شواخ الموسى قد سوّق لي في المدجنة التي كان يديرها أكثر من خمسين نسخة: يا للهول!
كنت آنئذٍ في الخامسة والعشرين، ولا صلة لي البتة بالأجواء الأدبية. ولذلك كانت مفاجأتي مضاعفة عندما وجدت أن مجلة «حواء» القاهرية قد خصصت للرواية افتتاحيتها، وجلجلت الرّقة بذلك، كما جلجلت بما كتبه ممدوح عدوان عن الرواية، وبما كتبه خالد محيي الدين البرادعي في أسبوعية «الرسالة» الكويتية. لكن كل ذلك «كوم» والبرنامج الإذاعي الذي كان لحنا مينه، كوم، إذ خصّ الرواية بحلقة من البرنامج.
لقد كتبت «ينداح الطوفان» ونشرتها دون أن أكون معنيّاً البتة، لا بالرواية التقليدية ولا بالحداثية ولا بالتجريبية ولا بالشهرة ولا بالنقاد ولا بالقراء. كنت على بعد 400 كلم من العاصمة، ولا صلة لي بكاتب أو جريدة. لكنني كنت قد نذرت نفسي للقراءة والكتابة، على الأقل من قبل أن أكتب روايتي الأولى. والآن، إذ أنظر إليها في طبعتها الرابعة الصادرة للتوّ، أبرأ إليها من نظرة النكران والاستعلاء التي لبعضهم عندما يتحدث عن بدايته أو عن عمله الأول بعدما غدا عجوزاً، وليس بالضرورة أنه غدا مشهوراً.
الآن إذ أنظر إلى «ينداح الطوفان» أراها ما زالت في الخامسة والعشرين، كما كنا معاً عام 1970، سوى أنني كبرت حتى بلغت من العمر عتياً ـ وليس أرذله ـ بينما ما زالت هي تلك الصبية الريفية البسيطة والحلوة والخبيثة والذكية. ومن بعض ذلك مثلاً أنها سمّت بـ «الانقلاب العسكري» ما درج حزب البعث العربي منذ حكم سورية عام 1963 على تسميته بـ «ثورة الثامن من آذار». ومن بعض ذلك أيضاً أنها استطاعت أن تخاطب من محليتها في ريف جبلة ومهجر أبنائه في بيروت، وفي جبلة، إلى أقواس أبعد فأبعد. هكذا تضاعفت ثقتي بـ «ينداح الطوفان» عندما كنت مع الصديق عبد المجيد زراقط في الطريق إلى قرية «معركة» في جنوب لبنان، ورأيت لأول مرة الحواكير المزدانة بشتلات الدخان، فقال إنها مثل حواكير الدخان في «ينداح الطوفان»، وإنه وعلي حجازي ممن قرأوا الرواية، كانوا يحسبون أن كاتبها لبناني من إحدى هذه القرى. أما عمي «علي» الذي كان عسكرياً في ريف حوران وجبل حوران، فحين علم أن الكاتب من الساحل أو من جبال الساحل، لم يصدق حتى أكد له عمي ما يشكك فيه.
مع «ينداح الطوفان» عرفت لأول مرة لذة الكتابة، وأهميتها، وبفضلها بدأ المشوار الذي لا ينتهي، في ليلة لا تنتهي، في ساحة لا تنتهي... ورحم الله خليل حاوي.