يتنوّع السرد في المجموعة القصصية الجديدة للكاتب السعودي فيصل غمري (1975) الصادرة حديثاً عن «دار نوفل» بعنوان «محطات». نراه في بعض القصص يُراوح بين الوصف الذكي لمواقف حياتية مستفزّة وبين سرد مكثّف ينتهي عند مفارقة ما مدهشة، فيجعلنا نتأمل في هذه القصص القصيرة التي سمّاها الكاتب قصصاً قصاراً وقصصاً قصاراً جداً كإشارة إلى إمكانية تسمية أخرى لها. نبحث عن معنى ما مختبئ داخلها، فتبدو القصص مثل محطات لمشاهدة مواقف حياتية مختلفة قد تنجو أحياناً من بساطة ورتابة ما لتوقظ في الذهن معنى خفياً لا يقوله الكاتب مباشرة. تبدو القصة القصيرة كأنّها محاولة للقبض على لحظات متناقضة ومشتبكة مع بعضها. تتلخّص غالبية القصص بطرح إشكاليات أو مناقشة قضايا اجتماعية، ولكنها بلا شك تضيء عليها وتأخذها على محمل الجد والاهتمام. نرى الكاتب هنا منشغلاً بفنية السرد وقدرته على الإضاءة على تفاصيل الحياة بدون الوقوع في فخّ محاكاة الواقع، فتبدو اللحظات التي يتحدث عنها قريبة من الحياة وغريبة عنها في الوقت نفسه.



وكما يقول الكاتب الأرجنتيني ريكاردو بيجيليا عن فنّ القصة القصيرة بأنّها حكاية تنطوي على «حكاية سرية»، فالقصص هنا هي حالات طبيعية تحدث في الحياة، لكن هناك ملاحظة فنية لها ووضعها في إطار آخر عبر اختيار مشهد مفاجئ أو جملة ما تغيّر نظرتنا إليها، ونشعر أن هناك حكاية أخرى سرية داخلها. يبدأ الكتاب بقصة «النهاية» من القسم الأول وهي قصص قصار، كأنها دعوة متعمّدة لتأمل محطة النهاية منذ بداية الكتاب. نشاهد كيف يختم القصة بموت الفتاة التي تريد أن يوصلها القطار حتى نهاية المحطة عند المقبرة، فتموت هي. تبدو المفارقة كأنها اتفاق بين ما تقوله وبين الحقيقة، فتبدو اللغة هنا لعبة للاقتراب من النهاية والاستماع إليها بعمق. والأمر ذاته نشعر به ونحن نقرأ قصة «بكاء»، حيث يبدو أنّ هناك التباساً ما في أمر الجار ليسمع الراوي صوت بكاء في شقة مع أن العائلة ليست معه. نشعر أن القصة تريد أن تصوّر حالة غريبة وغير مفهومة حيث صوت البكاء الذي يطمح أن يكون دعوة للتفكير بما هو وراء السطور ووراء القصة. ولذلك تأتي القصص القصار أحياناً غير مباشرة تحمل في طياتها معنى مباغتاً. لكن السرد أيضاً يتغير أحياناً ليقع في المباشرة التي لا تحاول أن تقول شيئاً سوى أن تعكس ما يحدث في الحياة، كالمريضة التي تأخذ حبة «الفاليوم» في قصة «فاليوم»، كي تخرج حبيبها من عقلها، أو تلك الخياطة التي توفي والداها ولم تتزوج، فتغلق الباب على نفسها وتبدأ بتقبيل «المانيكان». هناك بلا شك ملاحظة مهمة لسيرورة الحياة، لحالات الحزن والكبت والألم، لكنها تبدو في بعض القصص عادية جداً وفي بعضها الآخر غريبة. يطمح الكاتب أن تكون قصته القصيرة أشبه بمرآة ضخمة لتفاصيل إنسانية شائكة ومحيرة واستطاع أحياناً أن يبلغ ذلك.
ولكنه كما يقول في إحدى قصصه القصار جداً، التي لا تتجاوز بضعة أسطر وأحياناً السطر الواحد، «لأنه يجيد قراءة الوجوه، صار يمقت المرايا»، فالكاتب هنا يجيد قراءة المشاهد الحياتية ليكتبها بتكثيف، يخلّصها من زوائد الحشو والشرح لتنجو من المبالغة والسرد الكبير. نرى أنه في القصص القصار جداً، يحاول التقاط المعنى بسرعة قبل أن يفلت، فيكتبه أحياناً بجملة واحدة يكون عنوانها هو المعنى كما يقول في قصة «صمم»: «كانت لهفة كلماته أكبر من لهفة أذنيها، فلم تعِ شيئاً». هنا تحاول الجملة لا أن تختصر فقط، بل أن تُقنعنا بأن النهاية أو الخلاصة هي القصة، والمعنى هو الحكاية ذاتها.
ولأن الحالة الإنسانية هي البطلة، لا نقع في حالة من التعاطف مع الشخصيات. يروي الكاتب هنا حالات كثيرة مؤلمة ومتناقضة، لكننا لا نشفق أو نشعر بما تفكر به الشخصيات لأن الهدف ربما مصوّب نحو المعنى الذي يريد الكاتب له الانتصار. نرى مثلاً المرأة المنتحرة والمتمرّدة والرجل العاشق بدون دخول في مشاعره. وحتى وهو يروي قصة عن فقده لوالده، فهو يصف كيف يحنّ لسماع جواب «صباح النور»، عندما يقول لغرفة أبيه بعد موته «صباح الخير»، فيبدو الحزن هنا غير مرئي نشعر به في حالات حقيقية ومباغتة.
يتنوّع الراوي أيضاً في القصص. يختار الكاتب أحياناً راوياً غائباً، ويتحدث أحياناً بضمير الأنا. هذا التنويع يجعل القصة تتخفّف من ثقل الحديث عن شخصياتها عن بعد، فتقترب منها أكثر لتسرد الأشياء من وجهة نظرها، فترتاح أكثر. وهنا نلاحظ رغبة الكاتب في اللعب على الضمير المتحدث كي نشعر بحميمية اللحظات التي يتحدث عنها.
تتلخّص غالبية القصص بطرح إشكاليات أو مناقشة قضايا اجتماعية


هناك أيضاً اقتراب من التناقض الاجتماعي، والنفاق الديني بطريقة فنية، يحاول الكاتب فيها أن يوحي به ولا يقوله. هنا تبدو القصة محاولة لوضع «زوم» على التناقض في حالة ما، كما يقول في قصة «غطاء» على لسان امرأة عن أبيها الذي يرفض أن تخرج أخواتها بدون غطاء وجه. لكنه سيضربهن إذا كان سكْرانَ، فنشعر بذلك الإيجاز الذي يقول كل شيء عن النفاق في تفاصيل حياتية صغيرة جداً.
وكما قال الشاعر أنطونيو بورشيا في كتابه «أصوات»: «وحده الجرح يتحدث لغته الخاصة»، يحاول الكاتب أن يجعل الجرح الإنساني يتحدث ولو بلسان الشخصيات عن حقيقته في قصص تحاول أن تمحو نفسها للوصول إلى ذروة التجربة. «محطات» هي مجموعة قصصية تريد اختبار أن تكون القصة مثل تلك البطاقة التي يمسكها الراكب في قطار في قصة «استشكال» ويظن أنه يقرأ اسم شخص يعرفه، لكنه يجدها خالية من الجهتين. إنها قدرة الإيحاء على قول أشياء كثيرة بكلمات قليلة أو بكلمات أخرى.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا