ترجمة: زياد حسون
1) إذا سمحتَ لهم بقتلك، فسوف يفعلون
كان فليتشر كألم في الخصيتين، لم يتوقّف يوماً عن إخباري كم هو ذكيّ. ربّما ما كنتُ لأترك العملَ أبداً لولا فليتشر.


كانت نوبة عمل فليشتر تبدأ بعد ساعتين من نوبتي، وحين يدخل سيبدأ كل الصبية في الهمهمة والضحك: «هيه، هانك، ها قد جاء صاحبك فليتشر!»
كان الأمر على الشاكلة نفسها تقريباً كلّ ليلة: هو «ذكيّ»،
أحبَّتْهُ النساء وقد تمكّن حقّاً من «ممارسة الجنس».
كنتُ في هذه الأثناء أعيش مع امرأةٍ خائنة ومدمنة كحول
وفيما تعاقبت الليالي لتصبح أعواماً
فليتشر كان لا يزال هناك. أصبح جسدي بالكامل كتلة أعصابٍ مشدودة، كنتُ عاجزاً عن تحريك رأسي، وإذا لمستَني
فجأةً
ستضرب عبر جسدي
صواعق من الألم كتيّارٍ عالي التوتر

كنتُ آكلُ بشكلٍ سيّئ
أنام قليلاً جدّاً، أشربُ
كثيراً، مجبَراً
على تحمُّلِ تلك العاهرة مجنونة الويسكي.



ذات ليلة
صرخ فليتشر في أذني، «لن أبقى في هذا المكان أكثر من ذلك! اللعنة ــ أنا ذكيٌّ جدّاً!»
لكنّ سنةً أخرى مرّت وفليتشر كان لا يزال هناك
وعاهرة مستشفى المجانين لم تقدر أن تجد رضّاعاً آخر
ليعطيها غرفة، وطعاماً وخمراً.
في هذه الأثناء، كنتُ عبرَ لحظاتٍ صغيرة من هذا الجحيم
أخوض معاركَ صغيرة خاصةً بي، معارك لم تكن تقود
إلى أيّ مكان ـــ لكن كرجلٍ يحاول الحفر في حائطٍ إسمنتي
بملعقةٍ ملتوية، عرفتُ أنَّ معركة صغيرة كانت أفضل من الاستسلام: لقد أبقتْ القلبَ حيّاً.
في أحدِ الصباحات الغريبة، تخلّيت عن العاهرة... هكذا ببساطة، رميتُ حفنة أشيائي الرخيصة في المقعد الخلفي لسيّارتي ذات العشر سنوات، قائلاً لها،
«المكان لك،
آملُ أن يحالف مؤخّرتك الحظّ» ثمّ قدتُ مبتعداً.
تالياً ملأتُ استمارات التوظيف في مكتب البريد
حتّى أغادر ذاك العمل
ولم أخبر أحداً، لكن سرعان ما عرف بالأمر كامل
المبنى، مئة عامل
زائداً الإدارة
وعناصر الأمن
وحلّت الليلة الأخيرة،
فليتشر يجلس بجانبي،
صامتاً في الغالب، لكن
ليس إلى حدٍّ بعيد
في النهاية:
«هانك، ما الذي ستفعله بحق الجحيم، أنتَ عجوز ...»
«سأتدبَّر شيئاً ما ...»
اِعتقدَ العمّال الآخرون أيضاً أنّني
مجنون
وإذ أعبر الباب الأخير في تلك
الليلة الأخيرة
مخلّفاً ورائي المئة وفليتشر

هناك في الداخل
كنتُ ما زلتُ محتفظاً بساقيَّ، أصابعي، عينيَّ
معظم أجزائي
قادرة على العمل
عثرتُ على سيّارتي،
دلفتُ فيها،
وابتعدتُ عن ذاك المكان...
وصلتُ إلى شقّتي في
الصباح الباكر
قرابة
الخامسة صباحاً
تعرَّيتُ إلّا من سروالي الداخلي
فتحتُ نصفية ويسكي
أخذتُ الجرعة الأولى
من القنينة
مباشرة
جرعة سخيّة وسحريّة.
بعدها شربتُ في صحّة فليتشر
ثمّ شربتُ في صحّة
العاهرة

تلك العاهرة ذات الفم الكريه و
المؤخرة الكريهة
ومن ثمَّ شربتُ في صحّة الرجل
العجوز،
هذا الرجل العجوز،
الذي قد اكتشف أخيراً
كيف يكون
عطوفاً
على نفسه.

2) من الأسهل في بعض الأحيان أن تقتل أحداً آخر

لم أكن منتحراً بارعاً أبداً، جرّبتُ فعلها بين الحين والآخر
لكنَّ شيئاً ما بدا أنّه يسير بطريقةٍ خاطئة دائماً:
أيّامَ كنتُ أعيش في Kingsley Drive وأعمل لدى
مكتب البريد، قرَّرتُ أن أمنحَ الأمر فرصةً أخرى:
أفرغتُ ستَّاً من زجاجات الجعة في جوفي ومن ثمَّ أعددتُ
المكان
كنتُ أقطنُ في الدور الثالث وكان بعدَ ظهرٍ مشمساً جميلاً
وكمحترف انتحارٍ مخضرم كنتُ أعرف ما العمل:
ألصقتُ الشقوق حول الباب، وحشرتُ الجرائد
تحته، أغلقتُ كلّ النوافذ، أدرتُ مفتاح الفرن وجميع مفاتيح الموقد
ومدفأة الغاز.
عثرتُ على آخر زجاجة بيرة في الثلاجة، فتحتُها، ذهبتُ
إلى السرير، جلستُ مقابل الوسادة أشرب البيرة،
أنهيتها، ثمّ تمدّدتُ مستلقياً على ظهري، وأغمضتُ
عينيَّ.

لم يكن صوت هسهسة الغاز غير المشتعل كريهاً،
كنتُ منتظِراً هناك هامّاً بالرّحيل ولم يكن لديّ ما أندمُ عليه، رغم
أنّني فكّرتُ أنَّ الموت ربّما يكون أسوأ من الحياة، خارج ذلك
لم يكن هناك الكثير من الأفكار، الفكرة الرئيسية
أنَّ:
هذا غريبٌ جدّاً، إذ ليس هناك أيّ خوف.

أصغيتُ إلى الهسهسة ثمّ عبرتُ إلى دائرة
أخرى: كنتُ لا أزال قادراً على سماع الهسهسة لكنّها كانت عنّي بالكامل،
معظمها داخل رأسي، دماغي، جمجمتي، أيّاً يكن،
هذا السواد القاتم
الراسخ، فهو لم يشكّل تهديداً على الإطلاق
بعد ذلك
السواد...
غادر
وكان خواء
لا أعرف كم دام ذلك
لكن
فجأة! انتفضتُ جالساً في السرير:
كانت فرقة طبول فولاذية مثبّتةً في حلقةٍ حول رأسي
فوق العينين مباشرةً
دارت حلقة الفولاذ حول رأسي
تعصره
وتعصره
بقوّة.

رفعتُ يديَّ وحاولت نزع الحلقة عنّي،
ثمّ بدأتُ أضحك. نهضتُ
ولا أزالُ أضحك
فتحتُ النوافذ
توقّفتُ عن الضحك
أغلقت مفاتيح الموقد
الفرن
كلّ شيء، عدتُ وجلستُ على
طرف السرير، وقد أصابني أسوأ صداعٍ
في حياتي
ومن ثمَّ
في الحال
تلاشى
مجرّد دفقٍ خفيف في الصدغين.

هكذا، جلستُ وفكّرت، ربّما أنا
مصابٌ بأذيّةٍ دماغية الآن، حسناً،
لا بأس بذلك.

عقدتُ عزمي على رزمتين من زجاجات
البيرة.
مرتدياً ملابسي، كلّ ما كان عليّ فعله
أن ألبس حذائي
وهذا ما فعلته، نزعتُ الجريدة
والشريط اللاصق عن الباب، عبرتُ
خارجاً، ونزولاً إلى الشارع نحو
متجر الكحول...

لدى عودتي وبينما كنتُ أقحم مفتاحي
في قفل الباب
فتحت السيّدة العجوز في آخر الرواق بابها
وسألت، «اسمع، هل تشمّ رائحة
غاز؟»
«غاز؟ لا، لا أشمّ رائحة
غاز»

مضيتُ إلى الداخل وفتحتُ علبة البيرة، جلست على
الأريكة وسمحتُ للشراب الطيّب المنعش أن
يسري نزولاً عبر حنجرتي، ثمّ انتبهتُ إلى
سيجارٍ قديم في المنفضة، أقحمتهُ
في فمي، التقطتُ الولّاعة و
نقرتها...

كان هناك انفجار، وصوت فرقعةٍ صغيرة!
وشعلة لهبٍ مدوّرة
أمام وجهي، حلقةٌ من الأحمر العنيف
شديد السخونة
بحجم بالونات الأطفال تقريباً، ثمّ
تلاشت.

شممتُ رائحة شعرٍ محترق وكان في وجهي
حماوة شديدة وغير لائقة، التقطتُ علبة البيرة
ذهبتُ إلى الحمّام ونظرتُ في
المرآة: أهداب عينيَّ احترقتْ بالكامل تقريباً ــ
بضع خصلات من الشعر
المتهتِّك
بقيتْ و
كنتُ بلا حاجبين على الإطلاق
وأنفي لم يكن أحمر كثيراً بقدر ما هو
بنفسجي

وضفيرة صغيرة من خصلات شعر رأسي
المحترقة كانت تستريح على
وجهي

ومن ثمَّ بدأتُ أضحك
مجدّداً.

3) قصيدةٌ للكلاب الشاردة

يأتي ذاك الشعور الطيّب النادر في أكثر الأوقات غرابةً: مرّةً، بعدَ النوم
على مقعد حديقة في مدينة غريبةٍ ما، أفقتُ وثيابي مبلّلة
بفعل الضباب النديّ، قمتُ وبدأتُ السير شرقاً
في قبالة الشمس الآخذة بالشروق وبداخلي بهجةٌ ناعمة... كانت
هناك ببساطة.
مرّةً أخرى بعد أن التقطتُ مومساً عن الطريق، تمشّينا في
الثانية صباحاً جنباً إلى جنب تحت ضوء القمر
باتّجاه غرفتي الحقيرة لكن لم تكن بي رغبةٌ في وضعها في السرير.
جاءت البهجة الناعمة ببساطة من السير بجانبها في هذا
الكون
المربِك ـــ كنّا رفيقَين، رفيقَين غريبَين نمشي
سويّاً،
لا نقول شيئاً.
في الظلمة فيما نمشي ــ يطفو وشاحها الأبيض والبنفسجي
وكان في وسْع الموسيقى أن تنبعث من الضوء القادم من القمر.

ثمّ كانت المرّة
حيثُ طُرِدتُ لعدم دفع الإيجار وحملتُ
حقيبة امرأتي إلى باب رجلٍ غريب ورأيتُها تختفي
في الداخل، وقفتُ هناك لبرهة، سمعتُ ضِحْكتها أوّلاً، ثمّ ضِحْكَتَهُ، ثمَّ
غادرت.
كنتُ أمشي على طول الطريق، كان الطقس حارّاً في العاشرة صباحاً، أعمتْني
الشمس، وكلّ ما كنتُ واعياً له كان وقْع حذائي
فوق أحجار الرصيف، ثمَّ
سمعتُ صوتاً: «هيه، يا زميل، هل معكَ بعض الفكّة الزائدة؟»
نظرتُ، وكان 3 مشرّدين في منتصف العمر يجلسون إلى الحائط،
بوجوهٍ محمرَّة،
ضائعين ومهزومين بشكلٍ يبعث على السخرية.
«كم ينقصكم من أجل زجاجة؟» سألتهم.
«24 سنتاً» قال أحدهم.
دسستُ يدي في جيبي، أخذتُ كل الفكّة وناولتها له.
«اللعنة يا رجل، شكراً لك!» قال لي.
مضيتُ في طريقي، ثمَّ شعرتُ بالحاجة إلى سيجارة، نبشتُ
جيوبي، أحسستُ بملمس ورقة ما، سحبتُها
خارجاً فإذا بها: ورقة 5 دولارات.

مرّةً أخرى جاء هذا الشعور بينما كنتُ أتعارك مع تومي، السّاقي (مجدّداً)،
في الزقاق الخلفي بغرض تسلية الزبائن، كنتُ أتلقّى نصيبي المعتاد
من الضرب، كلّ الفتيات المثيرات بسراويلهنَّ القصيرة يُهلِّلن
لرجلهنَّ الإيرلنديّ المفتول العضلات
«أوه، تومي، اركل مؤخّرته، اركل مؤخّرته بقوّة!»
عندها نقَر شيءٌ ما في رأسي، قال لي رأسي ببساطة،
«لقد حان الوقت لشيءٍ آخر»، فصفعتُ تومي
صفعةً قويّة فرقعتْ على امتداد الجهة الجانبية من رأسه فأعطاني نظرةً تقول: مهلاً، هذا خروجٌ عن النص، ومن ثمَّ عاجلتُه بصفعة أخرى وكان في وسعي رؤية
الخوف يجتاحه كسيلٍ جارف، فأجهزتُ عليه سريعاً وساعده الزبائن على النهوض وأخذوه للداخل
فيما كانوا يلقونَ بلعناتهم عليّ. ما منحني تلك البهجة
تلك الضحكة الصامتة في الأعماق كان أنّني فعلتُها لأنَّ
هناك حدّاً لقدرة التحمّل عند أيّ إنسان.
مشيتُ إلى حانةٍ غريبة على بعد مربّع سكنيّ، جلستُ وطلبتُ
البيرة.
«نحن لا نخدم المشرّدين هنا» أخبرني الساقي.
«أنا لستُ مشرّداً» قلتُ له،
«أحضر لي تلك البيرة» جاءت
البيرة، أخذتُ جرعة كبيرة من الزجاجة رأساً، والآن أنا موجود.

تأتي المشاعر الطيبة النادرة في أكثر الأوقات غرابة، كما الآن بينما أخبركم
بكلّ هذا.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا