عثر ألسِيبْيادْ (1) ذات مساءٍ على ذيلِ كلبِه في كعكة شعر أسبازيا الذهبي، بائعةِ الهوى المعروفة؛ اتكأ، وهو يفكر، على زربية كورانثية، فراشَ مضاجعتهما. استيقظت المرأة الشابة للهزة الخفيفة التي أحدثتها تلك الحركة؛ وحين لمحت الشيء الكثَّ في يد الشاب الشهير يقلِّبُه، لمعتْ عيناها من شِفارها ببعض الحزن.


- أنتِ إذاً مَن عاملتِ بكل هذه القساوة صديقي الوحيد؟ قال لها.
- نعم، أنا: معذرة! أجابت أسبازيا.
- هل هذا أمرٌ من الآلهة؟
- نعم، من بالاس! (2)... دون أن يرِفَّ لها جفنٌ من وقاحتها.
- بل هو قرار من بعض العاملين بمحكمة النقض! قرار، ولو بهذه الصبيانية، أليس من شأنه أن يدمّرَ ثقة الشعب؟ هيّا، أسامحهم، إنهم يضحكونني أكثر مما يكرهونني.
حركتْ رأسها.
أراد الأثيني المخاتل أن يرغمها على الاعتراف فوراً، فتابع مباشرة وهو يتظاهر بلامبالاة تامة:
- أوه! احتفظي بِسِرِّك.
قال هذا وهو يرمي أرضاً، في الظلام المزرقّ بضوء السراج، بالشيء الحزين والمثير للسخرية.
حينها، جذبتْ أسبازيا، لشفتيها الساحرتين، جبهةَ البطل الشاب. قالت وهي تقبّلها بِرِقَّةِ وأنفةِ المحاربة:
- كفاك اصطناعاً، أيها الطفل! استسلم! أجابت. لماذا ارتكبتُ هذه الفعلة؟ لأنّ قلبي خفق لك بحبّ مستبصر.
حين سمع اِبنُ كلينياس (3) هذا الكلام، جحظتْ عيناه:
- هل هذا مبرّرٌ لأن تقطعي ذيلَ كلبي؟ صاح بها. إلا أن المحظية، وقد انهمرت الدموع من عينيها، مثل ألماس ممددة في عقد متلألئ منفرط، على عنق أليسيبياد المرمري:
- صديقي، قالت، أنا كما تعرف، امرأة لا تسقط ضحية الوهم إلا للتسلِّي، ولي حس نافذ مثل يضاهي حِسَّ سقراط. اسمعني!
بدتِ الغانية البيضاء وكأنها تتأمل لبضع لحظات.
- في السن التي كان فيها الشبان الآخرون يتخرجون بالكاد من الجِمْناز (4)، استرسلتْ، ألم تكن أنتَ ذلك القائد المهيب الذي تُوِّجَ بإكليل بوتيديا الدموي (5)؟ وذلك الخطيب المفوَّه الذي كان كلامه يُزعِج فصاحة قضاة أثينا؟ وذلك السياسي الذي يقهر دهاؤه دهاءَ المبعوثين الفارسيين؟ ماذا عسانا نفكر بك، أيها الشاب الرباني؟ أنتَ، عاشق أسبازيا؟ يا من تجود من ثرواتك الملكية غروراً وانتقاماً من الذين يتهمونك بسببها. إنك لا تخضع، يا ألمع أبناء أثينا، إلا لإرادتك! انظر إلى مجونك الباذخ المجنون، وكم أدهش حد الخَرس تيسافيرن، المَرزُبان (6) الباهت؟ وشظف العيش الذي اخترته لاحقاً، ألم يُدهش ديوجين نفسه (7) إلى درجة ترك معها، هذا الباحث عن الإنسان، مصباحه ينطفئ؟ من تكونُ إذاً أيها الشكاكُ، منقذُ الأوطان؟ الجميع منبهر بك! أنا نفسي أتألّق بين أحضانك وهذا الإحساس الأنثوي يزيد حبي بهجةً. كل أثينا، كما أنا، تفتخر بألسيبياد! أكثر حتى من بَركليس (8) نفسه! هكذا سأسعد بقية حياتي وأنا أحلم أن يُخلّد اسمُك ما دام، كما تنبأ الكثيرون بذلك، أنه لا محالة لن يُنسى.
لسماعه هذه الكلمات، طبع البطل المراهق على شفاه أسبازيا قبلة مرتعشة وهو يرشف من فمها روح النصر والحب، وهي تتصاعد من نَفَس هذه المعشوقة المحمومة، مثل عطر زهرة قويّ.
ثم أضافت:
- بما أنني أعرف طيش الناس وجحودهم، ومن أي نبع يُسقى عشقُ الشعوب وتذكُّرُهم لرجالاتهم العِظام، كنت على الدوام قلقةً على مصير اسمك عبر العصور! تعرف! في الأيام الأخيرة، حين كان الشعب يصفِّق لتألقك في الشعر والفن والرياضة، كنتُ أنا في حالة يأس. واأسفاه! قلتُ مع نفسي إن الناس لا يتذكرون غير أولئك الأبطال المكتمِلين، والمتجسدين في فعل واحد، في حلم واحد، كما التماثيل! لكنك أنت، بتعددك الكبير! أي راوية بمقدوره أبداً أن يبرز لنا أنك واحد، خلف كل هذا التعدد الغريب، حتى تستطيع ذاكرة الناس أن تحتفظ بك؟ يَنسى الناس بسرعة أصحاب الطباع الراقية التي يصعب فهمها على أغلبيتهم! ما السبيل إذاً لإرغام الحشود على أن تذكُرَ بوضوح رجلاً من طينتك؟
لن أطيل وأختم:
ما ينطبق على العوام لا يمكنه أن ينطبق عليك أنت العظيم، لذا وجب أن نضيف لقصتك... نعم... أن نضيف لقصتك حدثاً ما، غريباً وتافهاً في الوقت نفسه، لكن تفاهته بالضبط هي ما يناسب مستوى عقول الحشود حتى تفرض عليها أن تتذكر منجزاتك!
أوه! هذا اللاشيء، هذه الإضافة، الذي لا قيمة له ربما، لكنه مضبوط ومألوف لدينا، سينحتُ اسمَك في التاريخ بشكل أضمنَ من منجزاتك العظيمة!
ويبدو لي أنه بفضل هذا الفعل الصغير الذي يدعو إلى السخرية (والذي يجب تخيُّلُه ودسّه في تاريخ حياتك)، ستعبر ذكرى كلّ أعمالك المجيدة إلى المستقبل.
لكن، بحق مينيرفا (9)! من أين لنا الأخذ بهذا الصنيع؟ وكيف نتصوره في لحظة إبداع مشرقة؟ وكيف نختاره؟
من دونه، فإنني أرى كيف تنمحي في البعيد، في القرون القادمة، وتبعثرها ريحٌ كئيبةٌ قادمةٌ من شواطئِ لِيتِي (10)، الرمالُ الجميلةُ الذهبيةُ لثروتك. أمس، ومع الفجر، وقد أصابني الأرق طيلة الليل من هذه الأفكار، خرجتُ، متخفِّيَّةً لوقت طويل، من هذا القصر حيثُ كنتَ لا تزال نائماً، غير عابئٍ بالشمس. كان مرمر أثينا من حولي، تحت أشجار الزيتون الكبيرة، يتلألأ في نور الصباح الوردي؛ هناك، على التل المقدس، كان معبد بالاس يدعوني إليه. تقدمتُ نحوه يقودني إليه نفحٌ من الآلهة. قدّمتُ زوجاً من الطاووس قرباناً للإلهة (وهي تحبها)، فألهمتني، أمام المذبح نفسه، الفعلةَ العجيبة التي، على ما يبدو، ستحفظ، أحسن ما يمكن، اسمك من الغرق في النسيان. الفعلةُ، بسخريتها التي تزدري كل المواصفات، التي ستجعل، مثل درع نصر واقٍ، اسم ألسيبياد لا يفنى أبداً. آه! أيها الإله الشاب، قد تجهل الأجناسُ القادمةُ مجدَك الحقيقي! جمالُك، حكمتُك، شجاعتُك، عبقريتُك الساطعة، وكلُّ ما قمتَ به من أجل وطنك الذي أنقذته مرّتين، كل هذا قد يتوارى عن الأنظار ويصبح شبهَ مجهول! لكن، بفضلي أنا، ها أنت الآن متأكدٌ من خلودك لأنني قطعتُ ذيلَ كلبِك!

1- Alcibiade (1) (450-404 ق.م.)، من أهم الشخصيات السياسية على عهد الحاكم بركليس، حيث عرفت اليونان ازدهارا كبيراً، وأصبح شخصية أدبية ألهمت الكتّاب منذ القديم
2 ـــ Pallas أحد العمالقة في الميثولوجيا الإغريقية
3 ــــ Clinias هو أبو Alicibidias، هو أيضاً رجل سياسي وجنرال إغريقي، توفي سنة 447 ق.م.
4 ـــــ Gymnase مكان عند الإغريق كان الشبان، عراة أو شبه عراة، يمارسون فيه رياضات لبناء الأجسام من قبيل رمي الأسطوانة وغيرها.
5ـــ Potidée مستعمرة أسسها الكورانثيون حوالى 600 ق.م.، ودارت فيها رحى الحرب بينهم وبين الأثينيين في 432ق.م. حيث انتصرت فيها أثينا.
6 ــــ اللقب الذي كان يُطلقُ على حاكم ولاية فارسية قديماً.
7ــــ Diogène (413-327 ق.م.)، فيلسوف معاصر لأفلاطون كان يعيش في برميل ويدعو الناس للعودة إلى حياة الطبيعة، اشتهر بتجوله نهاراً بمصباح بحثاً عن الإنسان في الناس.
8 ـــــ Périclès (495- 429 ق.م.) حاكم أثينا الشهير الذي ازدهرت الديموقراطية في عصره.
9 ــــ Minerve إلهة الحِرَف والحِرَفيين عند الرومان
10 ــــ Léthé اسم نهر في الجحيم يسمى أيضاً «نهر النسيان»، يشرب منه من يعود إلى الدنيا في أرواح جديدة، وقد نسي كلَّ حياته السابقة. (ميثولوجيا إغريقية)

* فِيلْيِي دُو لِيسْل- آدم كاتب فرنسي ولد سنة 1838 في منطقة بروتاني وتوفّي سنة 1889 في باريس. ينحدر من عائلة أرستقراطية أفلست بسبب الثورة الفرنسية. كانت حياته الدراسية متقلبة بين عدة مؤسسات. حصل على تعليم ديني في المنزل، وفي ما بعد، في أحد الأديرة، لبضعة أشهر. ظهرتْ مبكراً مواهبه في الشعر والعزف على البيانو. انتقلتْ عائلتُه، التي شجعته وآمنت بمواهبه، من منطقة ميلاده، بروتاني، إلى باريس، بعدما باع أبوه منزله وأراضيه. بدأ يتردد في العاصمة على بعض المقاهي الأدبية بفضل نَسَبِه النبيل، حيثُ لَقِيَ بعضَ النجاح الأدبي، كما كانت فرصة للقاء ببعض كبار الكتّاب، من بينهم شارل بودلير الذي جعله يكتشف عالم الكاتب الأميركي إدغار آلان بُو من خلال ترجمات بودلير نفسه. في تلك الفترة، بدأ بالنشر في بعض الجرائد المغمورة، ثم بدأ العمل في الصحافة وتوالت أعماله الشعرية والروائية والقصصية. صدرت له الأعمال الكاملة عن «دار غاليمار» سنة 1986.
عبّر فيليي عن أمنيته في خلق أدب جديد يزاوج بين الحلم والمنطق. كان من أول قرّاء هيغل في فرنسا، يدفعه في ذلك بحثه الحثيث عن المطلق وعشقه لعالم الروح الذي لا حدود له. كانت أعماله توفق بين المسيحية ومثالية هيغل، كما تنتقد بشدة المدرسة الوضعانية، متأثراً في ذلك باللاوضعانيين والرومانسيين الألمان. قال عنه ريمي دو غورمون إنه كاتب مزدوج ويجمع بين وجهين لا يلتقيان: إنه في الوقت نفسه الكاتب الرومانسي والكاتب الساخر. أدّى فيليي دو ليسل-آدم دوراً كبيراً في ولادة المدرسة الرمزية في الأدب الفرنسي. لقد كان من المعجَبين الكبار بالكاتب الأميركي إدغار آلان بو (1809-1849) من المدرسة الرومانسية الأميركية، ومؤسس الرواية البوليسية، والممهّد لأدب الخيال العلمي والأدب العجائبي. كما كان معجباً بالشاعر الفرنسي الكبير شارل بودلير، ومن عشاق الموسيقار الألماني الكبير ريتشارد فاغنر، وصديقاً كبيراً للشاعر الفرنسي الكبير مالارميه. إن هذا الأرستقراطي المناصر للمَلَكية حداثي بكل تأكيد على مستوى إستتيقا الكتابة. كانت نظرته المثالية المعتمدة على ثنائية الروح والمادة، مع إعطائه أولوية للمادة على الروح، وكذلك إعجابه بكتابات إدغار آلان بُو المفزعة، من وراء قصصه التي تتسم بجوها المأتمي والعلاقات الغريبة التي ينسجها بين العالم المادي وعالم الأرواح، ونبوءات مرعبة، وسادية وتعذيب نفسي. كما تتميز أعماله بالتنوع، فهي تارة لها رؤية رومانسية فياضة، وتارة أخرى يخيّم عليها شبح الموت أو نوع من الفكاهة السوداء التي تثقل صدر القارئ قبل أن تودعه في مرفأ من السكينة والهدوء.
** قصة من مجموعة فِيلْيِي دُو لِيسْل-آدم «العِشقُ الأسمى» (1886) التي ستصدر قريباً بترجمتها العربية عن «منشورات الجمل» (ترجمة محسن غيلان وتقديمه).