«الذاكرة»، هي بطلة رواية «العائلة التي ابتلعت رجالها» (دار الآداب) للكاتبة السوريّة ديمة ونّوس. دفق التفاصيل والتواريخ والمشاعر يغلب على مسار السرد الذي يتخفّف من الكلاسيكيّة، بدون أن يبخل على القارئ بما يجعله مشدوداً إلى ألبوم صور عائلي، بطلاته ثماني نساء، في جعابهن يفيض الألم، وتاريخ سوريا منذ «السفر برلك»، وصولاً إلى المنافي راهناً، بفعل الحرب.

اشترت بطلة الرواية المجهولة الاسم، والراوية في آن، كاميرا فيديو لتقف في مواجهة أمّها في منزلهما اللندني، في المنفى، وتشاركها سماع حكايات الماضي من ذاكرة أمّها الثمانينيّة التي لم تشخ. أمّها، التي جمّدت الحاضر، واستبدلت به تواريخ فائتة، كأن الحياة توقفت بعدما غادرت غرفتها الدمشقيّة، حيث خزانتها التي يضوع منها العطر. لكن ما لبث ثقل الماضي، الذي تعبث الأمّ فيه، وتدوّره، وتعيد صياغته، إلّا أن استوطن الراوية. الأمّ والابنة الراوية والخالة (ماريان) وابنتا ماريان (شغف ونينار) وحفيدتها (ياسمينا)، مروراً بالجدّة (نانا هيلانة)، وأمّ الجدّة (حنّة| ماما كبيرة)، بطلات يدفعن بالذكور إلى الخلف، إلى أدوار ثانويّة، ويتقدّمن الصفحات. تتمّ كلّ منهن فسيفساء الرواية، بكلّ ما يعتمل في نفسها من أوجاع وتعب وإخفاقات وأمراض.


نساء لم تكافئهن الحياة، وجار عليهن الوطن، كما بخلت أرض المنفى على المنفيّات بينهن بملاذ.
الأمّ، هي بطلة مسرح وامرأة مسيّسة متشبّثة بشيوعيتها، التي قالوا عنها لها، عندما كانت صغيرة إنّ «الشيوعيّة تعني أنّه لا وجود للغنيّ، ولا للفقير، لا للرئيس، ولا للمرؤوس، فالناس سواسية»، فبقيت واقفة عند تعاليمها الأوّليّة. تزوّجت من رجل سيطر عليها ودفع بها إلى ترك المسرح والالتصاق به والعناية بأمراضه. أمّا أختها غير الشقيقة ماريان، فقد ضاعت كنيتها بفقدان والدها الأرمني، لتنشأ متخفّفة من قيود العائلة، ومن أثقال السياسة، لكن متشبّثة في المقابل بمسيحيتها. ابنتا ماريان، نينار وشغف؛ الأولى ممثّلة وناشطة سياسية اختارت المنفى بعد سلسلة مضايقات إثر الثورة السوريّة، وصولاً حتّى أضنتها وحدتها في «دوردان» الفرنسيّة وابتلعتها، والثانية خرّيجة الهندسة من جامعات الاتحاد السوفياتي حيث التقت زوجها الأوّل، ومتعدّدة محاولات الانتحار. والحفيدة ياسمينا التي عانت كثيراً في طفولتها جرّاء استرجاع والدها هويّته الإسلامية بعد الرجوع من الاتحاد السوفياتي، وطلاقه لأمّها، فهربت منه في مراهقتها لتلتحق بشغف، وتصبح مدلّلة جدتها ماريان وتعيش فقد حبيبها في ما بعد، الحبيب الثائر الذي أنهى الموت علاقتها به. شخصيّات «العائلة التي فقدت رجالها» النسائيّة غنيّة، كأنّها من لحم ودم، بخاصّة ماريان، التي رسمت ونوس شخصيتها بألق حتّى يكاد القارئ يشاركها الجلوس في صالونها المكركب في العمارة الكثيرة الأدوار. وبين الشخصيّات، الراوية التي لا يعرف القارئ عنها إلا نتفاً، ومنها آثار السنين على وجهها، وتعلّقها بخالتها، وملازمتها أمّها في بيوت الهجرة القسريّة. يرد في السرد أنّ لها ابناً صغيراً، وحبّاً ولّت فصوله.
«الذاكرة» هي بطلة رواية «العائلة التي ابتلعت رجالها»

تحتجب تفاصيل حكايتها خلف حكايات نساء عائلتها، ويأكلها الذنب لحملها أمّها من دمشق إلى بيروت فلندن، وتتناسل الأسئلة في رأسها عن ذلك «الزمن الجميل» الذي تتحدّث عنه الأم أو عن اختراع جيل أمّها «القضايا الكبيرة» والنضال فيها إلى حدّ توريث جيل الراوية واقعاً قوامه الاستبداد السياسي الذي غالى في سحق أبنائه. يتجلّى صراع الأجيال في الرواية البطيئة الإيقاع، والمتوقّفة في محطّات متصلة حيناً ومنفصلة أحياناً، والبارعة في رسم شخصيّاتها وأمكنتها الكثيرة، بخاصّة البيوت، بالإضافة إلى المداخل الكثيرة إلى أتون الاحتراق بالهويّة.
«العائلة التي ابتلعت رجالها» رواية تفاصيل عن مآل نساء سوريات طحنتهنّ الحرب، وحبسهنّ الزمن، وأطبق عليهنّ، وأرّقتهنّ الانتظارات. هي تطلق مواقف واضحة في سياسة نظام البعث والثورة (خفتت حماستنا لها)، بدون أن تدسّها دسّاً أو تتخذها مطيّة. الانكسارات، والفقدانات، والأجساد الذاوية، والذكريات المثخنة بالآلام والثقوب عمادها، كما هي الشخصيّات الكثيرة، بخلاف ما يلاحظ في الروايات الصادرة أخيراً، ذات الصوت الواحد. هي رواية جديرة بالقراءة، حتّى السطر الأخير منها، الذي يجيب عن السؤال الآتي: ماذا بقي من ألبوم صور «العائلة التي ابتلعت رجالها»؟

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا