«سأعودُ إلى المضارب»، قلتُ لأمّي قبل أن تبتعد عن النافذة، فظلّت متجمّدةً في مكانها. تسقط أضواء الشارع عليها من الخلف، وينغمس وجهها في عتمة الغرفة. يرين الصمت، وتواصل عيناها النظر إليّ شاخصتين.

أعرف هذا الصمت الذي ينتفخ لحظة الصدمة، حينما تموت الكلمات فجأة. يظل بمقدورك أن تسمع العالم، أن تراه، أن تشمّه، لكن ليس باستطاعتك أن تفهمه، لأنك لا تمتلك الكلمات. أنا أيضاً بقيت صامتاً أتمعّن في القرار الذي نطقته في اللحظة ذاتها التي اتخذته فيها. لم أفكر به قبل ذلك. أو لأقل إنني لم أفكر به على نحو جليّ وواضح بواسطة اللغة. كان على الدوام يعوم في داخلي كبقعة هلامية، ليس لها شكل محدد. كأنك لا تدري عنها، لكنّها تتصلَّب في لحظات ليس بوسعك التنبؤ بها. تصفر معلنةً عن وصولها إلى رأسك، أو إلى صدرك وأحياناً إلى يديك وقدميك، فتكفّ عن أي فعل تمارسه، وتتحوّل حياتك إلى فراغ ينتهي بعلامة استفهام ذاهلة.

غاستون لاكومب ـــ «وفرة» (صورة فوتوغرافية وتصميم يدوي بالحبر على لوح قطن 2019)

حينَما استردّت أمي قدرتها على النطق، قالت إن هذا هو أكثر ما كانت تخشى سماعه طوال عام ونصف. أضافت وهي تبتعد عن النافذة، قائلةً بنبرةٍ واثقةٍ وحاسمة: «لن أسمح لك». ومع أنها أغلقت باب غرفتي خلفها، رأيتها تتجه إلى المطبخ، تجلس فيه، تدخن بتوتر، وتضيع في متاهات القلق.
إنه يوم أحد أياريّ، قضَته بصحبة قريبة لها. ذهبتا في الصباح إلى المقبرة لزيارة قبور أهاليهما، وفي طريق العودة، عرّجتا على متجر اشترتا منه زجاجة نبيذ. قالت لي أيضاً وهي تزيح الستائر عن النافذة، إنهما شربتاها وهما تجلسان في مطبخ قريبتها الصغير، تجترّان ذكريات جعلتهما تضحكان أحياناً، وفي غمرة الضحك تتحوّلان إلى البكاء، كأرملتَين مجنونتَين ومهجورتَين، حتى انقضى النهار.
وَجدَتني حينَما عادت، جالساً في الظلام. فوجئتُ بها تفتح الباب. وفوجئَت هي بصوتي يمنعها من إشعال الضوء.
قالت: — يجب أن تستيقظ. ثم يجب عليك أخيراً أن تغيّر برنامجك هذا. تنام في النهار وتستيقظ في الليل.
— لم أكن نائماً.
— فتحتُ الباب لأنني لم أسمع صوتك، فظننتُ أنك لا تزال نائماً.
قالت ذلك وهي تتجه إلى النافذة، تزيح الستائر عنها وتفتحها. ثم أخذت تحدثني عن نهارها الذي قضته بصحبة قريبتها.
أسمع الآن جلبتها في المطبخ وهي تفتح أبواب خزائنه وتصفقها. بعد قليل، أسمع خطواتها تقترب. تقف في الباب وتسألني بتوتر عمّا عساه حدث وجعلني أعود إلى هذا الموضوع الذي كانت تأمل أنه مضى. ولا تمنحني فرصة لأجيب. يسعدني ذلك لأنني لا أعرف بماذا أجيب. أدرك سريعاً أن إجابتي لا تهمّها. لا يهمّها سبب قراري، بقدر ما تريد أن تنتزع مني الآن وفوراً، وعداً بالتراجع عن هذا القرار.
تؤنّبني تارةً على استهتاري بحياتي، ورغبتي في تبديدها من أجل الهباء. وتارةً أخرى تتوسّل إليّ بلسان متلعثم أن أصرف النظر عن المضارب وأهلها لأنها تخشى أن يحطّم ذلك حياتي ثمّ تفقدني. تتخبّط في الكلام، ويتهدّج صوتها، وتنهار جالسة قبالتي على حافة السرير، فأرى في بقعة الضوء الداخلة من النافذة جانباً من وجهها. تقول أموراً تقودها إلى البكاء ويبدو لي أنّني أشمّ رائحة دموعها.
ملوحة تنتشر في الهواء وتطوّقه من جميع الجهات، فيغدو على حافة الاختناق. أشعل سيجارة وأدخنها، وفي هذا الوقت يستعيد صوتها صلابته وهي تستعين بالتهديد. تقول إنّها ستمزّق وثيقة سفري. ستحرقها. ستحرمني من النقود. ستفعل كل ما من شأنه أن يمنع سفري، حتى لو تطلّب الأمر أن تقيّدني بسلسلة إلى وتد في الأرض. تطوف كلماتها من حولي وأنا غارق بكلماتٍ أخرى. ثمّ تسألني لماذا أنا صامت ولا أجيب؟ ولا أعرف عن أي سؤال أجيبها، مثلما لا تعرف هي. تنهض وتمشي، وعند الباب تتوقف وتطرح سؤالاً محدّداً بنبرة تكاد تكون متوسّلة: — أأنتَ جادّ فعلاً؟!
— أجل.
— لماذا؟ أرجوك قل لي لماذا؟!
— هذا مهمّ بالنسبة لي.
— لا أدري ما الجديد الذي حدث اليوم وجعلك تعود إلى هذا الموضوع. لقد ظننتُ أن كل شيء مرّ، وستغدو الأمور أخيراً على ما يُرام. كنتُ مخطئةً إذن!
أجبتُها باختصار أن شيئاً جديداً لم يحدث اليوم. وكنت صادقاً في إجابتي، فقد استيقظتُ وجلستُ — كما في كل يوم — على حافة السرير، في المكان ذاته الذي جلست هي فيه قبل قليل وبكت. ربّما الفرق يكمن اليوم في أن الشمس كانت ساطعة، وتسيل في غرفتي عبر النافذة، وثمَّة موسيقى تصدح قادمة من الحديقة المجاورة. ومن الشارع وصلني اعتراف أحدهم بحبّه، هاتفاً بصوتٍ عال: «أحبّك يا ليزا». سمعتُ ليزا تجيبه: «يا لك من كاذب»، وتعفر الهواء بصوت ضحكتها، وضحكات وأصوات آخرين يملأون الشارع. وهذه أشياء تحدث أحياناً في أيام الآحاد، لا سيّما حينَما يكون الجو دافئاً والسماء صافية. تمتلئ غرفتي بصخب أناس سعداء يتنزّهون في الشارع.
نظرت إلى لوحة سناء المعلقة على الجدار قبالتي، كما أفعل يومياً في الدقائق الأولى بعد استيقاظي من النوم. طير له رأس امرأة، على رقبتها عقد لؤلؤ، تنتعل حذاء أحمر كعبه عال، وتسير ذاهبة في نزهتها.
يخامرني إحساس وأنا أتمعّن في الطير-المرأة أنّ وجودي هنا مؤقّت، وأنني لا أنتمي لهذا المكان، ولهذه المدينة. أأنتمي للمضارب إذن؟ أيضاً لا. لا أدري ما هو المكان الذي يمكن لي أن أنتمي إليه.
أثناء نومي كنت رأيت سناء في الحلم: نستيقظ فجأة من نومنا غير المريح في قطار متحرك. أمسك بيدها حينما يتوقف ونقفز سويّة عند محطة لا نعرفها. أرى الآن الطريق التي كانت تمتدّ أمامنا: أفقها يبدو في البعيد ضيقاً، لكننا، وكلما تقدَّمنا اتسع.
أردت أن أهجر جميع الأمكنة وأذهب معها في نزهة طويلة لا أدري إلى أين.
أزحتُ نظري عن اللوحة، ورحت أراقب ضوء الشمس ينحسر شيئاً فشيئاً عن خزانة الملابس، إلى أن باتَ مستطيلاً صغيراً، يلتمع خشب الأرضيّة في حدوده. كانت الساعات تجرجر نفسها ببطء، وأنا ساكن بلا حراك أتابع ذوبان خوائها في الخواء. لم يحدث شيء جديد. لكنني اكتشفتُ في لحظة أنّ الشمس والجوّ الربيعي الصافي وصخب الناس في الشارع، تزيد مزاجي سوءاً. لهذا، نهضت سريعاً، ما إن أدركتُ ذلك، وأغلقتُ النافذة وأسدلتُ الستائر عليها.
لم أقل لأمي إن هذا القرار عاد معي من هناك قبل عام ونصف. دخل معي إلى هذا البيت، وعاش معي. لم أقل لها إنني خلال الفترة الماضية كنت أحاول التصرّف كأنني أنا هو الشخص الذي كنته سابقاً، وكأنني أصدّق أنّ الأيام تمرّ، وأنّ كل شيءٍ سيكون على ما يرام.
«كأنني..». لم أنسَ أبداً أن هذه الكلمة هي التي يتوقف عندها النصّ الذي كتبته في المضارب قبل عودتي إلى هنا بحوالى أكثر من شهر. لم أنسَ هذا النصّ بقدر ما أهملته. أقصد أنني فقدت كل اهتمامي به ولم أعد إليه على مدار عام وأكثر من نصف العام. ظلَّ منبوذاً يتنهّد في جوف جهاز الكمبيوتر المظلم؛ فيلفحني، كلَّما تناهى إليّ صوتُ تنهداته، غبار أحلام تفسَّخت.
كنت عنونته باسم المدينة ذاتها: «المضارب». افتتحته بجملة قصيرة: «رأيته ينهض». واسترسلتُ فيه بالسرد إلى أن بُتر فجأة عند جملة غير مكتملة: «فأغرقت وجهي بالقبل كأنني..». عند تلك الكلمة تحديداً — كأنني — في تلك الساعة المبكرة من ذلك الصباح الماطر، رنَّ الجرس وصاحبَه طرقٌ قويّ على الباب، فتركت الكتابة ونهضت لأفتحه. لن أنسى ذلك الطرق أبداً.
ومثلما بُترت تلك الجملة وذلك النص، في تلك اللحظة، عند تلك الكلمة، بُترتُ أنا أيضاً، وبتُّ مُذّاك حبيسها: كأنني هنا. كأنني في الآن. كأنني أنام. كأنني أصحو. كأنني أحيا. بتُّ أيضاً جملة مبتورة ومنقوصة المعنى. أريد للمعنى أن يكتمل.
أنظر عبر النافذة. لقد أفل النهار منذ ساعات. لم يبقَ في السماء ضوء سوى بريق كابٍ لنجوم بعيدة ترصّع السواد. لعل هذه النجوم انطفأت منذ ملايين السنين، لكنها لا تزال تشعّ — فكرت. نجوم منطفئة يأتيني ضوؤها من زمنٍ سحيق. على هذا النحو أيضاً تضيء الوجوه في مخيّلتي. يأتيني ضوؤها من هناك. من المضارب، مدينة أبي — المدينة ذاتها التي لا تعرف البحر.

(*) الفصل الأول من رواية بالعنوان، تصدر قريباً عن «دار الآداب» البيروتية، تدور أحداثها في مدينة عربية معتمة بواقع ديستوبي، يشلها ثبات العقل والزمن واللغة. تشتبك فيها قصّة البطل مع قصّة الرواية التي يكتبها، محاولاً العثور على إجابة عن السؤال الذي يؤرقه: ما الجدوى من الدفاع عن هذه المدينة إذا كانت تقتل الذين يدافعون عنها؟
(**) روائية أردنية صدرت لها ست روايات: «سقفٌ من طين»، «ليلى والثلج ولودميلا»، «عُد إلى البيت يا خليل»، «ابن الحرام»، «س»، و«شمس بيضاء باردة» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» عام ٢٠١٩.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا