يُجمع معظم النقاد على أن ما وصلَنا من أعمال لورين هانزبيري (1930 ــ 1965) لا يرقى إلى أهميتها كواحدة من أبرز الكتاب المسرحيين الأميركيين في القرن العشرين. ما ساهم في ذلك هو رحيلها المبكر منتصف الستينيات، وهي في الخامسة والثلاثين، تضاف إليها سهولة سقوط تجارب كهذه من التاريخ الثقافي الذي تهيمن عليه أسماء الرجال البيض، خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية. قبل أيام، مرّ العيد التسعون للكاتبة المسرحية والصحافية بالتزامن مع مقتل الشاب الأسود جورج فلويد على يد عنصر من الشرطة، وما تلاه من أعمال شغب تشهدها ولاية مينيسوتا اليوم. هكذا تبدو كلّ الظروف مهيأة لاستعادة أولى التجارب المسرحية الأفرو أميركية التي حطّت في مسرح برودواي بداية سنة 1957 مع نصّها «زبيبة تحت الشمس» الذي منحها جائزة «دائرة نقاد الدراما في نيويورك».



«ماذا يحدث لحلم مؤجّل؟ هل يجفّ مثل زبيبة في الشمس؟». من قصيدة لأشهر شعراء نهضة هارلم لانغستون هيوز، استلهمت الكاتبة الشابّة حينها عنوان باكورتها المسرحيّة قبل أن يصبح نصاً كلاسيكياً أميركياً لم يتوقّف تقديمه في مئات العروض لاحقاً وتحوّل إلى فيلم بالعنوان نفسه في الستينيات. تجري أحداث المسرحية في حي من أحياء جنوب شرقي شيكاغو. بيت لعائلة سوداء في حيّ أبيض. البيت الضيّق بغرفة نوم واحدة يحوي ثلاثة أجيال أفرو أميركيّة، يجمعها توقها إلى تحسين حياتها وظروفها الاقتصادية والاجتماعيّة في أميركا ما بعد الحرب العالمية الثانية. بصرف النظر عن الصراع الضيّق لأفراد الأسرة، فقد نجح النصّ في تظهير الحالة العامة لنضال الأفارقة في أميركا ولنيل حقوقهم. فضلاً عن حضورها ككاتبة مسرحيّة، كانت هانزبيري وجهاً أساسياً في الحياة الثقافية الأفريقية في أميركا، وأحد وجوه حركات النضال الراديكالية. صديقة جيمس بالدوين ونينا سيمون (استلهمت عنوان أغنيتها «أن تكون يافعاً وأسود وموهوباً» من كتاب لهانزبيري)، حرّرت وكتبت في الجريدة الأفرو أميركية الراديكالية «حريّة»، وفيها تعرّفت إلى هيوز. خلال لقاء بالدوين – كينيدي الشهير سنة 1963، حضرت هانزبيري كغيرها من أشهر الرموز الثقافية السوداء الحوار مع روبيرت أف كينيدي، لمناقشة ما لم تكن قد فهمته أميركا البيضاء في ذلك الوقت عن نضال السود اليومي في أميركا. كانت الشابّة صريحة وفجّة في إجاباتها عن أسئلة كينيدي، حول اقتراحاتها لكيفية التعامل مع المظاهرات المطلبية. في نهاية اللقاء، صرّحت: «أنا قلقة للغاية على حالة هذه الحضارة التي أنتجت صورة لشرطي أميركي أبيض يقف على رقبة امرأة سوداء في بيرمينغهام». الحضارة نفسها التي ما زالت تنتج صوراً مشابهة في القرن الحادي والعشرين.
ما بين مسرحيّتها الأولى ومسرحيّتها الأخيرة «البيض»، ثمّة رحلة طويلة قطعها معظم الفنانين الأفرو أميركيين، وتمثّلت بالبحث عن هويّتهم الأفريقية، واكتشاف الإرث الثقافي للقارة السمراء. كان رأي هانزبيري حاسماً في ذلك. بالنسبة إليها، فإن نيل الأفارقة الأميركيين حقوقهم المدنية في أميركا وتحرّر الدول الأفريقية من الاستعمار هما وجهان لعملة واحدة. كانت من أكثر المتحمّسين للوحدة الأفريقية، خاضت نضالات عديدة على جميع الجبهات خصوصاً في مقالاتها، منها تلك المؤيّدة للنسوية المصرية منتصف القرن الماضي. رأت باكراً استحالة فصل مصير الشعوب الأفريقية عن مصير 20 مليون أفريقي أميركي. فكرة تبلورت في مسرحيتها الأخيرة «البيض» التي رحلت قبل أن تراها على المسرح. توقّعت هانزبيري موتها المبكر. جلوسها لساعات للكتابة مع سجائرها، وإن لم يكن ينتج منها شيء أحياناً. ما دفعها إلى التفكير باستبدال هذه المهنة بشيء آخر، «أقصد أي شيء. أن أقود سيّارة إسعاف في أنغولا، أو أن أدير كوخاً للتزلّج في نيويورك بدلاً من هذا الصراع الذي لا ينتهي، أتوقّع أن يقتلني المسرح».
وبالعودة إلى مسرحيّة «البيض» (كتب عنوانها بالفرنسية)، فقد جاءت ردّاً على مسرحية جان جينيه «الزنوج» التي رأت هانزبيري أنها لم تنجٌ من جهل النظرة البيضاء بأحوال القارّة السمراء، متّهمة الكاتب الفرنسي بالوقوع في فخّ النظرة الرومانسية تجاه أفريقيا. عبّرت المسرحية عن فهم عميق وشامل لتجربة أفريقيا مع الاستعمار بين القرنين التاسع عشر والعشرين. القصة تجري في بلد متخيّل، ظهّرت من خلاله الصراع الفردي والوطني مع المستعمر بالتزامن مع صعود حركات أفريقية معادية للكولونيالية، مستعينة في ذلك بالطقوس الموسيقية والراقصة الأفريقية التي صادرها الاستعمار الأوروبي.