هذه المرّة، يتجه رؤوف مسعد (1937) إلى كتابة مذكراته الصريحة من دون مواربة أو تخييل، أو لعله يقوم بغربلة ما سبق أن أورده في رواياته كشذرات من سيرته الذاتية ووضعها في سياقها الحياتي. في «لمَّا البحر ينعس» (دار النسيم ــــ القاهرة)، يستعيد الروائي المصري مقاطع من حياته المتشظيّة بين المدن، مثل مركبٍ سكران تتقاذفه أمواج نهر النيل من السودان مسقط رأسه، إلى القاهرة وبيروت وحتى امستردام مكان اقامته الحالي. على غرار ما كتبه في «بيضة النعامة» (1994) وما تلاها من نصوص هجينة وعصية على التجنيس مثل «مزاج التماسيح»، و«إيثاكا»، و«زهرة الصمت»، ينبش الروائي التسعيني دهاليز الذاكرة مدوّناً بالعصب العاري طفولته المثلّمة، وفترة السجن، وعذابات الحواس، كما سيقتحم مناطق محظورة في السيرة العربية لجهة المحرّمات والتعصّب الديني، وعلاقته بجسده وتجاربه الجنسية ومغامراته السريّة، وآثام يوميات السجن، بالوضوح نفسه الذي تناول فيه علاقته بالمثقفين ومواقفهم المخادعة.



هكذا سيعيد بعض شخصيات روايته إلى شجرة نسبها الأصلية، من دون زخرفة أو تزويق، متوغلّاً في تفاصيلها الحياتية التي ألهمته سردياً، ما يمنح المتلقي جرعة كثيفة عن كيفية استثمار الواقع في عمل المخيّلة. لا مناطق معتمةً في سرديات رؤوف مسعد، إذ «تنجلي غمامة البصيرة تدريجاً، وأرى ما كنت لا أراه سابقاً، وهو موجود بمتناول اليد، لكني إما أحجمت عن رؤيته أو رفضت رؤيته بقصد ورعونة». ههنا تتناوب الوقائع الخشنة مع الرقة، سير النساء المهجورات ومن يمنحن الطمأنينة والألفة، التجوال في أماكن المتعة، وقسوة أيام المعتقل، الشيوعي المتمرّد، والقديس الذي يعيش عزلته الروحانية. حمّى المكاشفة من دون ضوابط، كما لو أننا حيال دريئة مكشوفة لا تخشى سهام الآخرين. مع ذلك، يعترف بأنّ لا سيرة ذاتية عارية نهائياً، لكنه يعوّل على الصدق في المقام الأول، تبعاً لتدفقات الذاكرة وجسارتها في تقشير بيضة الذات من أسرارها المخبوءة والقصيّة. نعاس يستدعي عمراً طويلاً بعتبات وسلالم لا تقتفي زمناً خطيّاً بقدر العناية بالمنعطفات الحادة التي تركت ندوبها على حياة صاحب «زجاج معشّق»، من موقع الخبرة لا البلاغة الأدبية. هكذا يدلق حياته دفعةً واحدة، غير عابئ بالنوع أو هوية النصّ، أهو سيرة أم مذكرات أم اندفاعات ذاكرة؟ في «لمَّا البحر ينعس»، تتلاطم الأمواج حيناً، وتصفو المياه طوراً، ولكن بأقصى أحوال البراءة، فروائينا الذي جاء متأخراً إلى الكتابة لم يعبأ يوماً بموقعه في خرائط الأجيال الأدبية، ولم يحط نفسه بمريدين كصاحب طريقة. لذلك فهو لا يتردّد في إشعال النار في أكثر الغابات كثافةً، فليس لديه ما يخسره أو يقلّل من شأنه ككاتب عصي على التجنيس والانصياع والحشمة، لائذاً بالمعصية وحسب.