يشتغل المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي (مواليد سلا ـ 1945) في حقل فلسفي ونقدي شديد الوعورة والاختلاف. لكن لفرط ترويضه التربة وتقليبها بسكة محراث حادة، يضعنا أمام بلاغة مضادة ومبهرة، تسحب معجم الفلسفة إلى سجادة اليومي، بمناوشة مفردات الراهن، خصوصاً ما يتعلّق بأسئلة الكتابة وموقع القارئ منها، بالإضافة إلى وسائل التواصل وتأثيرها في ممارسات الفرد وخضوعه لمتطلباتها.


فنحن في حقبة الفرجة والثقافة الشعبوية ومنظومة القيم الاستهلاكية التي أطاحت الدسم الفكري لمصلحة الحساء المغشوش. هكذا يضع الهاتف النقّال والهمبرغر وموسيقى البوب ومباريات كرة القدم والتلفزيون ووسائل التواصل في مرجلٍ واحد، مستخلصاً كيمياء سحرية في تفسير آثام الكوكب واحتضاراته وعنفه. في كتابه الجديد «النص المتعدّد» (دار توبقال)، يستكمل صاحب «الفلسفة فناً للعيش» تأملاته الفلسفية وشذراته النقدية، مستبعداً عذرية هذا النص أو ذاك، فهو «استنساخ لامتناه لما قد كُتب ولما لا يفتأ يُكتب». على هذا المنوال، يتتبع في إحدى محطاته تاريخ الترجمة العربية بوصفها استنساخات متوالدة وخيانة مضاعفة، لأنها «لا تنقل النص وتترجمه عن لغته الأصلية، وإنما تُترجم ما ترجم عنه، تترجم ترجماته وتنسخ نسخه»، ليس في حقل الفلسفة وحده، وإنما في الأدب واللسانيات. وتالياً نحن إزاء نصّ يكون حيّاً في لغة، وميتاً في أخرى «فسواء انطلقنا مما ندعوه نصاً أصلياً، أو من نصّ مترجم يتكلم لغة غير لغته، فإننا لا نكون قط أمام أصل وفروع، نموذج ونسخ، درجة أولى ودرجة ثانية. إننا لا نكون إلا أمام لحظة من لحظات الاستنساخ اللامتناهية». امتياز عبد السلام بنعبد العالي إذاً، يكمن في روحه الابتكارية ومشاكساته النقدية وانهماكه في تعزيز حضور القارئ بوصفه «خزانة نصوص» في المقام الأول، بالتوازي مع فحص «سيميولوجيا الحياة اليومية» بعين ثاقبة وكشوفات خلّاقة. هكذا سيصدمنا مراراً بذهنيته المفارقة للأسئلة الجاهزة، ما يُصعب تصنيف كتاباته وتأطيرها في فضاء ضيّق، كما في «الكتابة بيدين»، و«ثقافة الأذن وثقافة العين»، و«جرح الكائن»، و«منطق الخلل» ثمّ كتابه ما قبل الأخير «القراءة رافعةً رأسها». هنا يمنح القارئ سلطة استثنائية تطيح المؤلف وكتابه، إذ يتحرّر منهما بنوعين من القراءة، قراءة منفعلة ترتبط بالنص بحثاً عن المعنى والإمساك به متلبساً، أو قراءة حيّة ترمي إلى ما لم يُكتب أو ما لا مُفكر به «تقدِّم الكتابة نفسها مقروءة مُؤَوَّلَةً، فكأنما لا وجود لدرجة صفر في القراءة» يقول. ثمّ يطالبنا بألا نكتفي أثناء القراءة بتحريك رؤوسنا يمنة ويسرة، إنما تحريك رؤوسنا إلى الأعلى بقوة الموسوعة الشخصية التي نختزنها من قراءات سابقة ومتراكمة، من دون التفكير في الخضوع للنصّ، داعياً إلى استراتيجيات جديدة للقراءة، وتقويض المسلّمات القديمة في التلقي. من ضفةٍ أخرى، ينتظر صدور كتابه «لا أملك المسافات التي تُبعدني» (منشورات المتوسط) معوّلاً فيه على أهمية الاقتباسات في شحن طبقات النص، وأحوال المسوّدة باعتبارها كائناً جيولوجياً متعدّد الأبعاد. هذا فيلسوف عاين عن كثب «اهتزازات الحياة المعاصرة» بأكبر قدر من الكثافة والتنوّع والتهجين.