«من يرفع عني ذلك الذلّ» العبارة التي ردّدها الشاعر خليل حاوي (1919- 1982)، عشية انتحاره ببندقية صيد من على شرفة منزله في بيروت، احتجاجاً على الغزو الإسرائيلي للبنان، لن يردّدها مثقف عربي آخر، رغم الهزائم المتلاحقة، والخرائط الممزّقة، وأحوال العار.


لا شاعر عربياً اليوم، يشكو الذلّ، أو يهجو الخراب. هكذا وشم صاحب «نهر الرماد» الحداثة الشعرية العربية بأشعاره القلقة، والطليعية، بعيداً عن الحشد. شاعر غاضب ومتمرّد وحالم، ما إن يجد نفسه محاصَراً، بقالب أو تيار حتى يغادره بلا ندم. هذه المخاضات العسيرة التي رافقت مسيرته المتأرجحة بين الأمل والخيبة، النهوض والانكفاء، اليقين والشك، الضوء والعتمة، انطوت على روح متوثبة من جهة، واحتضارات متعاقبة من جهةٍ ثانية، ألقت بمشروعه الشعري والفلسفي في أتون نارٍ ملتهبة، وحرائق أحالت أحلامه في الانبعاث إلى رماد، لينكسر «الجسر» أخيراً، بين ضفتي الأمل والجحيم، سكونية «الناي» وحركة «الريح» العاصفة. في مئويته، نستعيد مواقفه الحياتية المتفرّدة، وأوهامه التبشيرية التي طوتها الوقائع العربية المفجعة، تحت وطأة الهزائم، ليغلق القوس متأخراً، على «جحيم الكوميديا». خمس مجموعات شعرية وطلقة في الرأس. شرق غيبي ونهضة مؤجلة. وعي محتدم، وزمن منكسر. نبي بلا راية، وأحلام مجهضة، تلك هي تضاريس خريطته الشعرية التي لا تخلو من الحفر والانهدامات. تمّوزي في خريف العري العربي، قبل أن ينكفئ نحو «بيادر الجوع». المعمرجي الذي عاد أخيراً إلى بلدته الأولى «الشوير» بتمثال، وشارع باسمه، يستيقظ من موته باحتفالية، تشهدها مساء اليوم السبت، السوق القديمة في البلدة بمساهمة من «مؤسسة سعادة للثقافة» وبلدية الشوير وعين السنديانة. على أمل أن يعبر الرفاق «الجسر في الصبحِ خفافاً»، ويكملون النشيد «أَضلُعي امتَدَّتْ لَهُم جِسْراً وطيدْ. مِن كُهوفِ الشرقِ، مِن مُستنْقعِ الشَرقِ، إِلى الشَّرقِ الجديدْ. أَضْلُعي امْتَدَّتْ لَهُم جِسراً وطيدْ. سوفَ يَمضونَ وتَبْقى». خليل حاوي درس في المنهاج المدرسي لا أكثر، شاعر بلا مريدين، ذلك أن أغلب شعراء وشاعرات اليوم ممن أفرزتهم مداجن الميديا بالكاد يعرفونه، حتى إنهم يستهجنون حادثة انتحاره بطلقة من بارودة صيد (!). أما عبارته الأخيرة «من يرفع عني ذلك الذلّ» فلا محل لها من الإعراب!
تقيم «مؤسسة سعادة للثقافة» وبلدية الشوير وعين السنديانة احتفال إزاحة الستار عن تمثال الشاعر خليل حاوي وافتتاح شارع باسمه عند السادسة من مساء اليوم في السوق القديمة في الشوير. تتخلل الاحتفال كلمات المشاركين من بينهم سليمان بختي وجمانة حاوي (كلمة العائلة) ووجيه فانوس (الأمين العام لاتحاد الكتاب اللبنانيين)، وجهاد داغر، وحبيب مجاعص (رئيس البلدية).