ليست صورة زاهر الغافري (1956) على شاطئ بحر عُمان بصحبة النبيذ، معظم أوقاته، أكثر من خدعة بصرية، يداري بها وحدته، وأوجاعه، وذكرياته، هو الذي جاب العالم باكراً، من قرية «سرور» في عُمان إلى بغداد أواخر الستينيات، عبوراً إلى المغرب، وفرنسا وأميركا والسويد، ليغلق القوس في «مسقط» مجدّداً. العزلة الطارئة وضعته وجهاً لوجه مع ركام الوقت، أو الساعة الرملية لهباء اللحظة. لكن هذا الشاعر العُماني المشّاء، سينتصر على وحدته باستدعاء أزمنة آفلة والكتابة عنها بحبرٍ آخر. وإذا به يباغتنا بأكثر من مشروع شعري قيد الإصدار: «غيوم فوق جسر إبريل»، و«صنّاع الأعالي»، و«الصبايا». يخبرنا أثناء عبوره الخاطف إلى بيروت: «أعمالي القادمة تنطوي على شبه قطيعة مع نصوص الترحال، فقد اكتشفتُ أننا نستطيع أن نكتب شعراً بذاكرة انقلابية». ههنا يستعيد سكان الجبال وهم ينحدرون من فوق، كما الآلهة، ليسكنوا في السهول والوديان والخلاء الأعظم، لكنهم يعودون ثانيةً إلى الجبال. هكذا مرةً بعد أخرى، يصبح مشهدهم في القرى عادياً، كما يلتفت إلى مشهد «الصبايا رفيقات الدرب وهن يغتسلن أو يحملن ماء النبع إلى بيوتهن، يمشين في الغالب حافيات بملابس خفيفة وشفافة وملوّنة، وعندما تتساقط قطرات المطر فوق رؤوسهن على الحلمات شديدة الغواية والبراءة معاً، ينتفض جسدك وروحك من البراءة وظلال الابتسامة»..




منذ مجموعته الشعرية الأولى «أظلاف بيضاء» (1983) مروراً بـ «أزهار في بئر» (2000)، و«حياة واحدة، سلالم كثيرة» (2017)، وحتى «في كل أرض بئر تحلم بالحديقة» (2019)، اختط كوناً لغوياً حداثياً في بيئة مغلقة على تقاليد شعرية صارمة، لم يكترث بها يوماً، مدفوعاً ببراكين التجربة وحدها، فهو شاعر ترحال أكثر منه شاعر إقامة وطمأنينة. شاعر شكوك وأسئلة لحياة «تتدلى في مفترق الطرق». شغف السفر وطي المسافات ومجابهة المجهول، أضفت على نصّه الشعري نكهة مختلفة تحتفي بالملموسات في المقام الأول، كأن قصيدته بلا ماضٍ أو مرجعيات، إنما تتلمّس مفرداتها وفقاً للمشهديات التي تثقل روحه بالدهشة أو العطب، ما قبل لحظة الكتابة مباشرةً. نحن إذاً، حيال قصيدة حركة، ومرئيات، وتوهّج بقدر ما هي قصيدة خافتة ومصقولة بأناة. لا ضجيج بلاغياً هنا، إنما روح معذّبة بلا شكوى. وتالياً فإن مغامرة السفر أو المنفى الاختياري، أو هجران الأمكنة، تبزغ شعرياً بتصوير المشهد الخارجي أولاً، ثمّ تتسرّب إلى الذات في مكابداتها الوجودية، كمن يضع طبقات من اللون فوق قماشة الوحشة «إرم النرد جيداً، حياتك خسارة فادحة في مرآة العالم» يقول. بخطوات متمهلة، وجملة شعرية مقطّرة، ونظرة موشورية للموجودات، حجز زاهر الغافري لنفسه مكانة نوعية في المدوّنة الشعرية العربية، ولكن إلى حدود الإمحاء، فنحن بالكاد نعرف ثراء هذه التجربة وخصائصها لجهة الشيوع والعناية النقدية، إذ صرف حياته في العيش، ثملاً بلذّة الأمواج والعواصف والأنواء، من دون أن يلتفت إلى أين سترسو سفينته في المعجم الشعري العمومي. عدا منجزه الشعري اللافت، يعكف صاحب «كلما ظهر ملاك في القلعة» على كتابة مذكراته ويومياته تحت عنوان «الخروج من الفردوس» التي ينتظر أن تبصر النور قريباً عن «دار كنعان» (دمشق). في هذه السيرة، يستعيد الشاعر نتفاً من طفولته وأسفاره وطيشه، بمكاشفات مفتوحة، متسائلاً: «هل كنت أبحث عن نفسي، عن حنينٍ للمكان الأول؟». ثمّ يجيب: «لا أعرف، فالكتابة في النهاية مغامرة قلب وليل الزمن».
هنا مقاطع مختارة وغير منشورة من مذكراته ويومياته ومدونته الشعرية

الخروج من الفردوس
ولد أبي محمد في 1900 أو 1889، في سرور في المنطقة الداخلية من عُمان. عندما أصبح في الحرب الكونية الأولى في عمر 14 أو 15، قرر أن يهاجر. إلى أين؟ لم يكن يعرف بعد. في عُمان ذلك الوقت، كان الناس يسلقون نوى التمر والجوع كافر، وطعامهم الأساس هو التمر شتاء وصيفاً. لم يعرف أبي الأب والأم، ماتا وهو رضيع تقريباً. كان لديه عمّ في سنه. خرج ذات يوم مع عمه أيام القيظ في عُمان بجِمال الى مطرح أي الى البندر، باعا الرطب وقبضا المال. راح أبي يفكر عندما رأى القوارب والبواخر في مطرح. استيقظتْ في رأسه فكرة الغياب. قال لعمه كأنهما شقيقان:
- اسمع مني هذه الكلمة. خذ الفلوس وعد الى سرور.
قال عمه: هل أنت مجنون؟
قال أبي: أريد أن أجرّب كيف يكون الإنسان مجنوناً.
افترقا بسرّ لا يُعرف. عاد العم وصعد أبي باخرة متوجهة إلى زنجبار.
أخت أبي الكبيرة التي عاشت 120 عاماً، وأخته الأصغر منه، ثم القرية بكت، وأقاموا عليه صلاة الغائب.
أبي في الباخرة أو السفينة خرج من سرور بسفينة الصحراء الجمل، ورمته سفينة البحر في جزيرة في المحيط الهندي. على الساحل، رأى عرباً قال لنفسه: لقد وصلت. تبناه رجل عربي من عُمان وعلّمه في دكان البقالة. تعلم أبي الشغلة سريعاً وصار لديه مصدر دخل. فتح بعد ذلك دكاناً لنفسه. وجد الأمر مسلياً. ثم فكّر مرة أخرى وقال لنفسه: هذه جزيرة واحدة من المؤكد أنّ هناك جزيرة أخرى. وجدها الجزيرة الخضراء. نقل عمله الى هناك في الخامسة والثلاثين من عمره ولد من جديد. كان إقطاعياً ويملك المزارع والبساتين.
■ ■ ■

ولدتُ فوق أرجوحة في الجزيرة الخضراء تقول العائلة.
هناك فوق تلك الأرجوحة المقيّدة بين شجرتين من أشجار جوز الهند، أتاها المخاض وكانت في العشرينيات من عمرها. من هناك، من رحمها خرجتُ الى العالم.
أختي الكبيرة في سن الثالثة عشرة من عمرها دخلتْ الى البيت وتعثرتْ وهي تحمل فوق رأسها سلةً كبيرةً من البرتقال. وقعت السلّة ببرتقالها وأنا نائم فوق وجهي، فأصبتُ بالعمى المؤقت. أيام ثلاثة وأنا لا أفتح عينيّ رغم المحاولات الكثيرة لتحبيبي بالعالم. أبي العصبي بالفطرة حملني على كتفه ومثل أي إقطاعي في ذلك الزمان، أمر المستخدمين أنْ يقطفوا لي ثمرةً من جوز الهند. شربتُ ماءها وأنا أفتح عينيّ ببطء ثم ضحكتُ، لا أعرف لماذا؟
■ ■ ■

الخريف على الأبواب، رذاذ المطر الخفيف يتناثر على الأشجار. سلمى التي ستصبح أمك، بلغت العاشرة. تقول لي جدتي كانت شقية. دعنا نتخيل أنها هناك تقف أمام النافذة تنظر الى الطريق الترابي الطويل المؤدي الى البحر تلوك في فمها عوداً صغيراً من قصب السكّر، وماليندي الخادمة في المطبخ تجهز الطعام، أما أنا يا صغيري فالصداع لا يفارقني، وكانت سلمى تنظر إلى البعيد، الى نقطة لا يبدو لي أنها تراها. كانت تقول لي إنها ترى أسماكاً ملوّنة تخرج من البحر، يلتقطها الصيادون في الشاطئ الرملي الأبيض، ثمّ تقول إنها ترى لوحاً أسود ينام على الشاطئ. المسكينة لم تعرف أنها كانت تنظر إلى رجل ميت. لقد رأت أمك كل شيء دفعة واحدة. في المطبخ سألتها ماليندي: أأنت جائعة؟
لا، قالت.
إذاً، بحق الجحيم اذهبي بعيداً عن رائحة الدخان.
لم تستطع ماليندي أن تميّز نبرة القلق في صوت تلك التي ستكون أمي. كانت مشغولة بترتيب الصحون والكؤوس لأعداد المائدة. هناك خطأ مربك في صوت سلمى تقول جدتي.
«حلمت في الليل بالعجوز مابينغو» قالت سلمى لنفسها، أهي قالت ذلك أم أنها تتذكر وقائع قديمة؟
تشبه الأحلام والذكريات فاكهة بمذاقات متعددة، لكنها تعلم بأن مابينغو لم تعد تأتي كما كانت تفعل من قبل. في وقت ما، كانت العجوز تدخل غرفتها وعلى حافة سريرها وفي يدها صرّة من الكتان وصندوق أزرق صغير، بعد أن تشرب سلمى فنجانين من مواد سائلة، تدلك العجوز جسمها الصغير بزيت القرنفل والصبار، ثمّ تأخذها إلى الجهة الشرقية من البيت الكبير. في المساحة المرتفعة المزروعة بالأشجار والنباتات، يهبُّ النسيم خفيفاً. تسمع سلمى خبط أجنحة الطيور، وتلمح من بعيد الليمور المختبئ بين الأشجار الكبيرة. قبل ذلك بشهور طويلة، كانت مابينغو تطرق باب البيت الكبير، وأطلت جدتي من النافذة ثم فتحت الباب.
- سأحاول لكنني لا أعدك بشيء. قالت لجدتي، النتائج غير مضمونة، لديّ سوائلي وأعشابي الخاصة، لكن هذا قد لا يكون كافياً ومثل من يطحن حجراً بأسنانه. كانت جدتي عائشة تنظر إلى غبش الفجر الضبابي من خلال نافذة الغرفة وهي تكز بأسنانها والصداع يسري من أسفل رقبتها ليستقر في الجهة اليسرى من جمجمتها، ومن هناك يبدأ مسيرته الكبرى مثل دودة عمياء تحفر في أرض طريّة. مابينغو المشهورة أيضاً بصفاقة اللسان يشغلها شيء آخر.
- لا تقلقي سيزول الألم، ثم ألم أقل لك أن تستحمي بماء بارد. سلمى؟ سلمى وضعها يختلف، إنها صبية صغيرة، حالة نادرة، لكن لا تقلقي. أنتم العرب لا تفهمون، أما نحن الأفارقة، نفهم ما ينبغي عمله، بحق الجحيم انظري إليّ.
■ ■ ■

تقول العائلة إن أبي عاد من الحج إلى الجزيرة الخضراء في المحيط الهندي سنة 1953 وتزوج أمي الطويلة، وكانت في العشرينات، وأتيت أنا إلى الدنيا. لكن أبي هجر أمي، وتزوج بأخرى، فحملتني من البيت وعبرت البحيرة سباحة. أتذكر المشهد بتفاصيله. وضعتني على الكتف وفوق رأسها قفة وأنا أنظر إلى العالم الخفيف أمامي. ماذا يستطيع طفل ذو السنوات الثلاث غير هذا؟ بعد وصولنا إلى الضفة الأخرى من البحيرة، جلست أمي وأخذت نفَساً طويلاً. وقالت سنذهب الآن إلى أبي وأمي وأخواتي وأخوتي، أنا اكبرهم. طبعاً ذهبنا. في الطريق قالت لي إن اباك يفكر «بشهواته». لم أفهم. فهمت في بيت جدي الطويل القامة جداً، وجدتي قصيرة القامة جداً، أن «الكلمنتين» يوسف افندي اللذيذ جداً والأناناس والموز والبن والقرنفل والشوكشوكي، وأنواعاً هائلة من الفواكه في مزرعته خلف البيت. فهمت أيضاً، أن الرجل أبي سيأتي بعد أسبوع ليسترد زوجته، وهي ستقبل والعالم الخفيف دوماً أمامي.
■ ■ ■

كنت في الثالثة عشر من عمري، عندما خرجتُ من عُمان بعد النكسة بقليل إلى بغداد، وكان في بغداد عبد الرحمن عارف. سكنتُ في ملجأ الأيتام الذي كان يدار من قبل النساء البغداديات تقريباً، وهنّ لسن من الجنوب أو الشمال. عندما دخلت الملجأ التقيت بصبي في عمري. نظر في عينيّ ونظرتُ في عينيه الجميلتين الشبيهتين بألوان بغداد.
في الحديقة الكبيرة أراد أن يرتقي بحجرة من أحجار عُمان. قال لي: أنا مصارع. أجبته: أنا ملاكم.
ضربة واحدة من قبضتي الصغيرة القادمة من الجبال أسقطته أرضاً.
ثم أصبح صديقي دائماً. لا أعرف الآن أين هذا الصديق، هل هو حي أم هو ميت؟
■ ■ ■

كانت سعاد ابنة الجمال العاصف من مدينة الثورة في بغداد. أنا في العشرين من عمري، وهي في دار المعلمات العالية. كنت أكبرها بسنة واحدة، هي سني الذهبية عندما تلمع في مساءات بغداد. كانت سعاد تمتلك عينين قاتلتين حرفياً. أزرق على رمادي على لون البنسفج. أنا شاب يكاد أن يموت. هل تعرفون الوزيرية في بغداد حيث يمتد شارع العشاق بغابة أشجار الكاليبتوس الطويلة؟
نعم هناك قبّلت فم سعاد ولساني في فمها. أحسستُ بالرضاب، وأنا وهي نسقط كما لو كنا أعميين.
■ ■ ■

جدتي عائشة من الأم، أتت من الجزيرة الخضراء في المحيط الهندي إلى مسقط. لم أرها أكثر من ستين عاماً تقريباً. كان جدي من الأم ميتاً، وعليّ أن أستقبل هذه السيدة القصيرة الضحوكة.
طيّب، أنا رجل ثمل من العالم والنبيذ، ذهبتُ إلى بيت أختي الصغرى. حملتُ جدتي وأنا أرقص بها ومعها، وهي تضحك. قالت لي: أنت زاهر؟ قلت نعم. ثم قالت: زوجي زاهر أيضاً، جدك الطويل الذي كان يقع في الآبار هل تذكره؟ نعم يا جدتي. ومن لا يذكر جدي زاهر الخاطري وأسلافه في جبل شمس؟


حياة تتدلى في مفترق الطرق

زاهر الغافري
كنت أريد أن أدخل إلى العالم بقوة المعرفة، بقوة الشغف والجمال. ولأنني رجل تساوره الشكوك، فقد عشت حياتي بحرّية. ليس الشعر سوى بالفهم، إقامة في الأرض بالمعنى الهيدغري.
هكذا بدأت تجربتي من الكتاتيب أو مدارس القرآن مبكراً في عُمان في قريتي سرور ونفعا. وتتلمذت على معارف الشعر القديم، شعر ما قبل الإسلام الذي يطلق عليه الشعر الجاهلي وهذا خطأ معرفي. وكتبت الشعر الكلاسيكي، لكن النقلة الشبيهة بوثبة النمر كانت في بغداد الستينات. حينها تعرفت على بدر شاكر السياب ومحمود البريكان شعرياً، والنقاشات المهمة على الصعيد الثقافي حتى جيل الستينات والسبعينات، وكتبتُ قصيدة التفعيلة ثم مزقت بعض ما كتبت كما لو كنت ماموثاً يخرج من حياته ليكتب قصيدة النثر. وفي حياتي حياة الترحال، كان الشغف يقودني للمعرفة شعراً وفلسفة ومسرحاً وتشكيلاً وسينما وموسيقى ثم الرقص. آه من هذه الدوخة التي ذكرها نيتشه وقدمتها ايزدورا دونكان ثم مارثا غرام ثم الألمانية بينا باوش. هكذا خرجت من القرية الصغيرة في عُمان لأعانق العالم وأتعرّف على الكتاب والشعراء والفنانين.
يخيل إليّ أنني أكتب لأنني لا أريد أن أرى العالم الموحش الذي يحيط بنا، وإذا كانت الكينونة جوهر الاشتغال الشعري، فإنني أتقاطع مع ما ذكره اوكتافيو باث مرة في عمله «حجر الشمس»: «يتملكني في منتصف القصيدة شعور بالهجر» أو على حد تعبير سركون بولص «أكتب باليد التي هجرتني». ليس الشعر في مستوى من مستوياته سوى تشبث عميق بالطفولة، وهذا ما ادعوه بالشفافية أي تلك الانبثاقة العفوية الأولى للنظر الى العالم كمعطى جمالي. من هذه الزاوية أو هذه النقطة، يمكن للشاعر أن يغوص عميقاً بحثاً عن الضوء. عندما تأتيني الفكرة أو القصيدة وهذا الأمر يبدو كما لو كنت أستقبل إشارات منسية قادمة من مكان قصي، حينها أُدخل نفسي في قوقعة بحيث لا أرى أو أسمع سوى الألوان والأصوات الداخلية. هكذا تأخذني الكتابة بحيث عندما أنتهي، أجد نفسي كأنني أستيقظ في بريّة الأحلام أو أنني أعود منهكاً، لكن مبتهجاً من رحلة بعيدة.
على أي حال، ارتبطت تجربتي الشعرية مبكراً بالترحال والإقامات المتعددة في بلدان ومدن شكّلت خلفية لحياة تتدلى في مفترق الطرق، فالعراق والمغرب وباريس ولندن ثم نيويورك ومالمو في السويد الى آخر القائمة، تظهر بشكل أو آخر في النصوص التي أكتبها. هل كنت أبحث عن نفسي عن حنين للمكان الأول؟ لا أعرف فالكتابة في النهاية مغامرة قلب وليل الزمن.


يوميات

كتابة الحلزون
سيكتب الحلزون أيامَه البطيئة بعد أن ترن أجراس «الصُفرد» في الأحراش.
أنه معلّم الصبر، الفقيدُ الأبديّ حيث يتنزّهُ المارةُ دون أن يلاحظوا الممر الرطب الذي يمشي فيه حتى يصلَ الى آخر الحافة.
ينبغي أن يظهر القمر حتى تُستعاد الرحلة. عندها ستسمع صيحة الولادة ودويَّ أرض هي أرضك الأولى ثم سقوط أشجار من فوق الجبل، هرولة الخدم في المماشي الطويلة لئلا تطير الكؤوس المضمومة في الأيدي، أما الأيتام مثلنا فتكفينا غيوم تعبر سريعاً، لكننا نشهد يوماً واحداً ـــ وهذا يكفي ـــ حين يكتب الحلزون أيامه البطيئة.

نظرات الصقور
أولئك.
كانوا يطوفون مسرعين في القرى والواحات. بأيديهم الكثيرة يفتتون الحصى.
يستفيقون أمام نبعٍ ليغسلوا نظراتهم الشبيهة بنظرات الصقور المسكونة بالليل.
أعبرْ وإذا انتَ مقتلعٌ بنفس النظرة كطفل مفطوم قبل الأوان.
فوق سفوح الجبال مغاراتٌ يتجمّعون فيها ليبصروا الضوء مع الوعول الصبورة في وجه الريح، وتحت أظلافها يسيل دمُ الثعابين.
شاردون يبحثون عن شيء غامضٍ لم يولد بعد إلّا في اصبع الله

هواء سرّي
شرطُنا أن نتدلى من الحافة ونرمي بالمفاتيح في الهواء حيث يجري النهرُ معكوساً ليبلغ العالم السفلي.
نحن في ضيافة الليل، أنا وأنتِ في قرية جبلية باردة تشبه الأرجوحة.
لا صوت يأتي إلينا كأننا حجران عاريان في الطريق.
بحزنٍ نتلاطفُ قبل أن نتركَ آثار جسدينا في هذا العراء.
غداً لن يُسمحَ لنا أن نشتريَ شيئاً من دكان الخليقة ولن يطرقَ بابَنا أحد وعلينا أن نتعلّمَ المنفى من هذه الحجارة.
لكنّ الليل يجمعنا معاً على شكل قوقعة حيث نتنفّس أنتِ وأنا هواءً سريّاً لا يعرفه أحد.

غرفة الخسارة
كنتِ هكذا تسدلين الستائر حتى لا يراكِ أحد.
جسدكِ الملفوف بشرشف السرير يتذكّرُ إشارات الصاعقة. إنه يوم واحد، يوم واحدُ قبل وبعد الأيام كلّها.
من أين أتى طائرُ الأسرار في الغرفة وهو يحلّق مأسوراً بعينيك العميقتين وعلى الأريكة تنام ملابسك الداخلية.
أنا الذي سيأتي بعد هدنةٍ مع القدر لأتنفس الماضي في غرفةٍ مجهولة بانتظاري، بدليل صندوقي الفارغ بعد أن خسرتُ كلَّ شيء.

حديث الأفعى
في الظلام تأتي إليّ هذه الأفعى المجنّحة لتطرق بابي بجرسٍ واهنٍ في الذيل.
أشرب هذا السم، هذا الترياق لتختبرَ الأسى، حياتكَ ينقصها حزن الآلهة.
أتوسل إليها من على سريري.
عودي، تسلّقي الشجرة لأرى حواءَ فاتحة فخذيها ولسانكِ يبعثرُ الكنوزَ في تلك الحديقة الصغيرة.
لقد عرفتُ الأسرار منذ الولادة ولن نتصالح الآن إلّا على حافة المصير.
عودي وكوني رؤوفةً بي، فبيننا أنا وأنتِ أرشيف طويل من الحكايات.
مراراً انتظرتُكِ في هذا المكان.
مراراً ناديتكِ، هل كنتِ صماء؟
وماذا يفيد الحديث الآن؟ بالكاد لديّ خبزة ونبيذٌ طيب، قبل أن يسرقَ الموت اللؤلؤة ويسدلَ ستائر الماضي.