أكتب أو أفيض كنهرٍ آن: عن الزرقة الفاجرة، صفرةِ الأكياس، عن الحوَر الأرقى والعسل الأنقى­­­. عن التائهة من عطب الدهر، عنها سريعةً مفرطة، بليدةً كالبوم، بارقة مطلِقةً صقورها من شواهق السطوة وتحتها الفرائس، عن الجامدة حبيسة النفاق.

عيون حديثي النعم، عيون الفقراء العزيزة، عن المفتوحة على الغيب، عن المغلقة قلوبُها، عنها حائرةً بعد مبعثها صبحاً، والمطمئنة.
أكتبُ العيونَ الذئبة بمخالب من شعاع البصر، مشغوفة بالطرائد قليلةَ الرضى، العيونَ القوارض مسالمة... للنمّامة تمسحُ المكان قبل النمائم وبعدها.
عيونَ الرجال الأفذاذ إذا توعدوا، والعيونَ الكاشفة تُسقى من عينٍ رابية. عن الناطقة، عن القارّة على حزن أو ألم، والذاوية في تعبها الأبهى.
العيونَ الفصيحة بأرواحها الفصيحة، فارقةً في النظرات العوام.
أكتب عن ربيع سيدات الأربعين، عن اتضاح المسألة في الثلاثين بالتفاتة مليئة بها: السوء شقيّنا الذي لا براء منه!
عن أعين الفقراء كحيلة اليتم، سيدة الهَمْل بتاج البَركة الخفيّ،
أكتب للعيون الماكنة «هنا» القابضة على المكان لا شيء آخر... مُفتضَحةٌ حدودُها!
وعن أعين حسناواتنا: بلهاوات بإغماءة ممتعضة، حوراوات بضّات، بامتعاضٍ طفل وعشقٍ طفل واغترار طفل.
أكتب العيون الداكنة الداهية غير البصيرة؛ صفاءٌ مشوب بدُكنة أناها؛ مائِها الأول... لا حيرة بها ولا شبهة، بنت الضرورة وخائنتها في حضور الأدب وأهله.
عن البكّاءة كنبع يغسل القلب، العيون الكسيرة ما أجمل جبرها، وعن أختها البِكْر المكابرة على كَسرها... يجمعهما القدر المُدبِّر يوماً ويستشهدُك!
عن المحقّة المُقنِعَةِ بعباءة القضاة مجنونةً (خفية)، عن الضاحكة لا تقاوَم حلواها وخدعُها.
والعيونِ التماسيح ساقطاً عنها قناع الضحكة ونظّارة الانشغال، يا لها، راكداً مستنقعها موحشاً، اختلج ماؤها إذا حطت عليها النظرات الطيور.
العارفةُ مهولةٌ مخفية في ابتذال المظهر، والمبتدئةُ المعرفةَ بحَيْرة السؤال لدنةٌ غير حرجة ولا متكلفة، ستجني العلم، وقد تآمرت عليها يد الجمع فصارعتها أو صرعتها... لا لا يصرعنّكِ وهمُهم.
آه العيون: سيما قلبكَ، زهرتكَ وثمرتكَ ومفتضح سرّكَ، مفاض الحزن، قسمةُ الحق والباطل منك، منزلتك ومدارك، دالّة عليكَ ودالّتكَ إليك!
لعيون السود حَوَرها، للبيض بردٌ مريب، للصُفر فَوْقُ المهارة، للعربية الطيب، للبدو الأقاصي، للأطفال سُكْرُ اللعبة الكبرى، للموتى غورٌ ببعض اكتحال، للأحياء نطقها العجيب، لذوي الشأن لُمعتها النبيئة.
إذا استخلصكِ الصبر أضاءت بكِ النذور والأعياد، وإذا آلَ بعضكِ بعد الأعزّاء والأزواج بدا قلق نقيٌّ من الغم.
عيون الصارخات بوجه العدوّ انتصار.

* لبنان