ليس سهلاً على القارئ أن يُلاحق تدفُّق نص أحمد الحقيل، ولكنْ إنْ أسلمَ له نفسه، سيكون أمام أحد أكثر الكتّاب العرب تفرّداً، ونادراً ما تتلازم صفة التفرّد مع النصوص الروائيّة العربيّة التي تعشق التماثل. كتابة الحقيل مراوغة بدرجة كبيرة، إذ تستعصي عليك مفاتيحها أحياناً، وينزلق منك سردها غالباً، وتتلاشى من أمامك مرجعيّاتها دوماً. ولكنّ الأهم هي أنّها تتحدّى تجاربك في القراءة حين تقدّم لك نصاً غريباً ومدهشاً وعصياً على التصنيف. «مشكلة» هذا النوع من النصوص هي أنّها ليست لجميع القرّاء، إذ تتطلّب قارئاً واعياً منفتحاً على التجريب، ولذا سيصبح من الأسهل على القارئ المتسرّع أن يهرب من هذه الكتابة إلى كتابة باهتةٍ أخرى اعتاد على قواعدها وألعابها المكرورة. لا تحبّ التجريب؟ لا تميل إلى تحدّي نفسك؟ الحل بسيط. عد إلى ما اعتدته من قراءات، ولكنّك ستفوّت على نفسك فرصة التعرّف إلى إحدى أجمل تجارب الكتابة الروائيّة العربيّة المعاصرة.



أدخلَنا أحمد الحقيل في روايته «دوائر» (2015) إلى رحلة فانتازيّة غريبة، ولكنّه غيَّرَ وصفته الكتابيّة ليقدّم لنا روايته الجديدة «طرق ومدن» (مكتبة صوفيا – الكويت) حيث تلاشت الفانتازيا الخارجيّة كلياً، وبقي «الواقع»، ولكنّ الإدهاش تضاعفَ مرات عدة ليبلغ مستوى مفاجئاً حتى لمحبّي كتابة الحقيل عموماً. لا تُسلّم الرواية نفسها لنا بالمطلق، بل تتركنا حائرين أمام مفاتيحها حتّى بعد إنهاء القراءة. هل نبدأ من تتبُّع مرجعيّاتها، أم من ملاحقة السّرد نفسه؟ أظنّ أنّ الإجابة واحدة. فسواء انطلقتَ من محاولة إيجاد ما يشبهها، أم من النص نفسه، ستصل إلى الوجهة ذاتها. أسلوب السرد الروائيّ هنا أقرب إلى روايات ما بعد الحداثة، كما أنّه قريب بالدرجة ذاتها من النصوص التراثيّة العربيّة. ولا تناقض هنا أبداً لأنّ تلك النّصوص التراثيّة ما قبل الحداثيّة نصوصٌ ما بعد حداثيّة في آن إن أحسنّا قراءتها. وهنا نقطة تفرّد كتابة الحقيل التي لا نجد لها مثيلاً معاصراً (من بين ما قرأناه على الأقل)، حتى لدى الروائيّين الذين اشتغلوا ضمن التيّار السردي نفسه، مثل فارس الشّدياق وعبد الرحمن منيف وإميل حبيبي وجمال الغيطاني وسنان أنطون. وهذا التيّار يستحق دراسة نقديّة جادّة تبيّن نقاط التّقاطع والتّوازي والاختلاف عند كلٍّ منهم.
تقوم «طرق ومدن» على فكرة بسيطة: رحلة لأصدقاء في السيارة من دون وجهة محدّدة. ولكنّ هذه الرحلة التي تبدأ بمسارات أفقيّة مثل الطرق التي تفصل بين المدن والبلدات والقرى، تتحوّل إلى مسارات دائريّة زمنيّة تصبح فيها الذاكرة هي السيّارة الجديدة. ليست ذاكرة الراوي فقط، بل ذاكرات كثيرة تتوالد مع كلّ قصة صغيرة تبدأ من الذاكرة الشخصيّة لكلّ راوٍ ثانويّ إلى أن تتقاطع في مسارات متشابكة لترسم ذاكرة أمكنة. وهذا التّوازي بين السّرد والحدّوتة هو ما يُحوِّل «طرق ومدن» من نص غير تخييليّ إلى نص روائيّ تخييليّ. يستعير الحقيل من النّصوص التراثيّة حيويّة السّرد، لا بمعنى تداخل القصص الصغيرة فقط كما في «ألف ليلة وليلة» مثلاً، بل تلك الحيويّة التي تنبع من السّرد نفسه كما نجدها في الكتب التاريخيّة-الأدبيّة مثل «الأغاني» أو «الحيوان»، وحتّى في النّصوص التاريخيّة البحت مثل «سيرة ابن إسحق» و«مروج الذهب» التي نجد فيها أحياناً براعةً سرديّة تفوق النصوص الأدبيّة المتعارف عليها. لولا تلك القصص الصغيرة المتناثرة لتحوّلت الرواية إلى ريبورتاج صحافي طويل ممتع فقط، ولكنّ هذا المزج الذكيّ نقلَ النصّ من نبرته الصحافيّة المحايدة التي تتبدّى بقوّة في الثلث الأول من الرواية، إلى موزاييك روائيّ مدهش تتّسع دوائره المتنوّعة بتنوّع قصص أصحابها في الثلث الثاني، إلى أن تضيق تدريجياً بحيث تكاد تصبح رواية سيَريّة بضمير المتكلّم في الثلث الأخير.
إحدى أجمل تجارب الكتابة الروائيّة العربيّة المعاصرة


هل «طرق ومدن» رواية جديدة؟ نعم ولا. نعم، لأنّ الأساليب الروائيّة التقليديّة (بما فيها الحداثيّة) استُنزِفتْ تقريباً وباتت الحاجة مُلحّة إلى كتابة رواية يتنوّع فيها التركيز بين السّرد والحدّوتة، بين أن يصبح السّرد هو البطل الأوحد كما في روايات ما بعد الحداثة المعقّدة، أو أن تكون الحدّوتة هي الأساس فنجازف في الوقوع في فخ تحوّل الرواية إلى محض حكاية. ولا، لأنّ أحمد الحقيل كاتب-قارئ، استوعب الأساليب السرديّة القديمة والحديثة، وقدّم رواية عربيّة في المقام الأول، هي ابنة السرد العربي القديم بقدر ما هي ابنة يومها وراهنها. رواية عربيّة بقدر ما هي سعوديّة محليّة، ورواية مكان (وهذا جنس أدبيّ غائب تقريباً) ورواية ذاكرة فرديّة وجمعيّة، يتجاور فيها الشّعر الفصيح مع المحكيّ، وأحدث السيّارات والأبراج مع أقدم الأطلال، في موزاييك حكايا وأصوات تتقاطع فيها الأجيال والأزمنة، من دون أن تتلاشى فرادة صوت كاتبها. رواية مراوغة للقارئ وللكاتب في آن، إذ ينبغي للقارئ أن يتلمّسها ببطء كي يلتقط كمّ الجهد الهائل الذي بذله الحقيل في كتابتها، ومراوغة للكاتب لأنّها تتطلّب كاتباً بارعاً يُظهِر صنعته بقدر ما يُخفيها. نحن أمام رواية مختلفة بكل تأكيد، قد تشكّل أساساً ينطلق منه روائيّون لكتابة رواية تشبههم وتشبهنا وتشبه نفسها فقط. نحن أمام رواية مدهشة سنترقّب بصبر إمكانيّة أن تتفوّق عليها رواية قادمة.