قصفة بيغونيا

لا أحد يختار طواعية أن يقطن في ذلك الحي المكتظ خارج نافذتها، ومكتظ هنا تعني حقاً أنه مكتظ؛ هناك، حتى فلذات الأكباد الصغار العائدين من مقاعد درسهم، بحقائبهم المتخمة، وببطونهم الجائعة، يخفقون في غمرة زحام المباني، في معرفة ما تمخضت عنه قريحة أمهاتهم لغداء ذلك اليوم، فحين تتداخل أبخرة قدور المطابخ في آن معاً متراقصة بخطوات غير محترفة، تدوس في طريق عشوائها خيال أحد الجياع الصغار فيصرخ رافضاً تناولَ العدس فيما داعبت رائحة الملوخية أنفه، لا يحتاج الأمر للكثير من الإنصات لسماع نهنهاته حتى من وراء زجاجها المغلق، بعدما نال نصيبه مرتين وبقي جائعاً، يبكي في زاوية مكشوفة، دموعه تصطف على خده، وليس هناك من يكترث لمدى جودة أو رداءة تلك الموسيقى التصويرية اليومية، المتقافزة من النوافذ ومن تحت الأبواب ومن حلوق مفاتيحها، إلى جانب نعيق ثلاثة من ذكور الغربان، وجلبة عصافير الدوري الأبدية.
في كلّ ظهيرة، تدرك أنها لا تنتظر أحداً، فصاحب الشخير الذي يشوش على صوت مذيعة النشرة الجوية، تقاعد مؤخراً وانضم لعفش بيت متواضع يخلو من آثار شغب الطفولة، كل ما يرتسم على الجدران عريٌ يبدو مقصوداً، يبعث برسائلَ ملتبسةٍ لزوارها، تحمل عنواناً وحيداً مفاده أن لا ماضٍ استوطن هذه البقعة؛ وكأن هذا ما كانت تربيه طوال الوقت: طمس تفاصيلها بعناية مفرطة حتى بات من الصعب التقاط علامة فارقة لها! زنبركات سريرها تمددت ببلادة قط بلدي ما أن جلست عليه، تلوك ورقة خس فيما الشارع المحاذي يمتلئ بمجموعات اللعب التي سرعان ما تحولت لدوري محترفي كرة القدم في الحواري، صخبهم وهم يشتمون بعضهم ويحتفلون بأهدافهم أزعج لا شيئها فلاذت بمطبخها في الجانب الآخر من شقتها، تطل على شارع خلفي ينعم بهدوء نسبي؛ من على طرف الطاولة المحاذية للجدار، التقطت قصفةَ بيغونيا. نجح غمر طرفها السفلي في الماء بإنبات شبكة جذور تراها في تلك اللحظة مناسبة للزراعة، همّت بالخروج باحثة عن تراب أحمر تملأ به علبة السمن الفارغة، لتواري عورة نبتتها، ولكن صوت صرير باب يغلق مع ضحكة لعوب استوقفها لقربه، من النافذة المفتوحة المقابلة رأت عناقهما الحميم، عندما استلقيا لم يعد في مرمى نظرها سوى خزانة بلا أبواب، للحظة أحست أن جلبة الكون توقفت والضحكات المكبوتة اللامسموعة ترج الأرض من تحتها، راقتها تلك الرعشة التي سرت في جسدها الهرم وتذكرت أنها لم تبتع فوطاً صحية منذ فترة، تملكتها رغبة بأن تكون مستلقية مكان تلك الجارة!
— ألم تكبري؟ مازحت نفسها
انتصب الجار أمامها بصدر عارٍ، أتراه سمعها؟!
أغلق الستارة فالنافذة، تنهدت وعادت لواقعها تسوق أقدامها وشيء ما يرفض الخيبة ذات الإرث القديم من أن تلوح على جنباتها.
على دكة الأريكة القريبة من الباب، تحت ساعة تنبض ولا تتحرك عقاربها، تكومت بصمت، تحاول تخليص بقايا الخسة من بين أسنانها بطرف لسانها، فيسيل لعابها غزيراً، دمها يغلي وأنفاسها تخرج حارة، لملمت طرف ثوبها من فوق ركبتها في كف يسرى تخلو من أي خاتم، هي بالضبط على الحد الفاصل بين أطفال يداعبون الكرة وبين كبار يداعبون أجسادهم، تشعر نفسها غريبة عن الجبهتين ومنصهرة بهما في آن!
كل طرف في هذه التوليفة هو سبب للآخر ونتيجة له، يلتقي الكبار فينجبون أطفالاً يخرجون للشارع ليلعبوا، مفسحين المجال للكبار للقاء آخر، فينجبون ثانية وهكذا دواليك؛ كيف لها أن تكون جزءاً في هذه الحلقة مع زوج متهدل الرجولة مذ عرفته لأول مرة على فراش وهو في منتصف العشرينات؟

لِينْ فُورِرْ ـ «أَزهار بيغونيا صفراء» (أكريليك على قماش، 2017)

تقلّب وجهها في كل الاتجاهات محاولة إزاحة صورة الجار الفحل وتفشل، الشعر الكثيف النابت في صدره يشعل مرجلها أكثر، عادت لتسترق النظر من نافذة مطبخها مخفية وجهها بسذاجة وراء قصفة البيغونيا إياها، النافذة ما زالت مغلقة والغيرة تنهشها كضبع!
تفرق جمع الصبية من الأزقة عائدين لبيوتهم متعرقين ومتسخين فيما تلك النافذة مغلقة مثل قبر فرعوني. مرّ الزوج من جانب زوبعة شهوتها ولم يلحظ ذلك الوجه المقهور، أي خواء أفاض به على حياتها؟
يقضي حاجته واقفاً دون أن يغلق باب الحمام، ظهره ضئيل وقوس نصره منخفض يتناسب مع بطولاته التي لم تحدث. كانت تشغلها العاطفة بعد أن أدركتها هبات «سن الأمل» كما تصر على تسميته الممرضة في المركز الصحي، ولكن أن يجوع جسدها بعد أن حسبته قد تحنط فذلك ما أثار سخطها وأجفل النوم من عيونها.
يكاد ينقضي الليل، سكينة يشوبها زعيق طفل تسكته حلمة أمه، وخفافيش تحلق من مسافة قريبة تفزع شباناً يدخنون تبغاً رديئاً، يفزعون ثم يضحكون.
قلقة، تنظر للشارع الفارغ حيث مواء القطط آخذٌ بالتصاعد شيئاً فشيئاً، يحترب قطّان على أنثى تفترش الرصيف محركة ذيلها، كل ذكر يتمترس في زاوية مستعرضاً، يبدأ النزال الذي ينتهي سريعاً، فيعتلي الفائز منصة تتويجه غارزاً فكيه في رقبتها، تحدق بهما بعيون واسعة وتتحسس رقبتها هي أيضاً، وتنتفض كلما غرز نفسه عميقاً في جسد مستسلم، تأخذها الرغبة لمطبخها فتجد أن النافذة المغلقة قد فتحت وضوء خافت ينبعث منها، تعود لتخطف نظرة على القطط، الفارس في مكانه عالياً، مرة أخرى تهرول للمطبخ لا ترى أحداً، باتت على يقين أنه ينام الآن في حضنها وربما يعتليها، الغيرة تحكم قبضتها عليها، يتضاعف نبضها، تغرز أظافرها بوجهها، تدخل لغرفتها وتتعرى أمام المرآة، تهدأ قليلاً وهي تتحسس ثديها الأيسر متكوراً جميلاً، على يمينه فراغ تعلوه ندبة، وإلى الأسفل منه بطن متجعد بعض الشيء، تشده بكلتا يديها فيفصح عن ندبة أخرى.
ترمق زوجها بنظرة حقد وتبصق فينتشر الرذاذ على نصف صدرها، تغمض عينيها وتحلم بذلك الجار يحدثها هامساً، فيسترسل عسلها من بين رجليها وتشعر بنعاس يحملها وحيدة لِتحت غطاء رتيب لا حضن يحتويها كقصفة البيغونيا في مطبخها.

وصفة
في تلك المرة اصطادتني كف خالتي نظمية؛ أصابعها الباردة وخَشِنُ جلدها كانا فحوى تحذيرها لي قبيل أن تلمسني، لم تنتظر رد فعلي وبدأت بتمريج عُرّي ظهري الذي اقشعر كزغلول أجرد.
غسلت كفيها وبتثاقل جففتهما بطرف منديلها المعقود لخلف رأسها، أغرقت سبابتها بصحن الزيت ثم ما لبثت أن أدخلتها إلى فمها مدلكة مكان أسنانها، بلعت ريقها وبنبرة لعوب أشارت عليّ بتخفيف الإضاءة في غرفة نومي عدة أيام وهي تضحك كاشفة عن لثتها الصلعاء اللامعة.
أمضيت مساء ذلك النهار بتفحص نفسي، في الحقيقة، لم تكن الجروح غائرة كما كنت أشعر بها كلّما لامسها قميصي، تحسست سطح ما اعتقدته خنادقَ، ومراراً قارنت بينه وبين انعكاس صورته على المرآة، وكان لا شيء، مجرد خدوش بسيطة؛ هل أصدق إحساسي أم أصدق وجه المرآة البارد وقلبها الأجوف؟
مرة أخرى في الموعد البيولوجي المحدد يسحبني الدرج الإسمنتي الطويل لذات الكف؛ لقد صعدتُ للأسفل!
مع كل درجة أهبطها، كانت روحي تنتزع نفسها مني بعد فشلها بتفادي هذه الزيارة الاستشارية، فأكتاف أمي الذابلة سدت أفق الطريق خلفي، وما من مفر إلا الصعود للأسفل.
على الضفة الترابية يساري، جدائل «حصى البان» تنثر بوح زيتها في ركن الشمس ساعة العصر؛ كنت قد وصلت لقعر الدرج عندما مددت يدي وصافحت جديلة عطرية دون أن أبترها، تذوقت أصابعي فتجعدت ملامحي من المرارة ومن هول الطعم، هل أخبركم أحد قبلاً أن بوح الزيت مر والشفاء طريقه مر؟ أما أنا فقد أفهمتني هذه الحقيقة خطوات الكف الخشنة الباردة على ظهري في زيارتي الماضية. استلقيت على الأرض كما لو كنت على دكة غسل الموتى؛ هبطتْ بجانبي مرتدية قميصاً قطنياً مزركشاً ثبتت أزراره بخيط غليظ كصوتها وهي تطلب مني ألا أخجل منها؛ كيف أخجل والمقام مقام ألم؟!
حرثتْ بطني وكأنها تبحث عن مفقود، وبسبابتها، التي تستخدمها في كل شيء، ضغطت على صُرّتي فصرخت، نهرتني وعدت لدكتي أبتلع دمعة متحجرة.
الوصفات الطبيعية، وبركة القديم، وتوصية بزيارة الطبيبة الروسية، خلاصة فحصي الشعبي الذي يرمي لتعمير بطني بطفل؛ إذن، علي أن أتبع التعليمات بدقة قبل زيارة تلك الطبيبة الروسية، التي تعتقد عجائز حينا أنها أفخم طبيبة عرفتها البشرية، فهكذا أوحت لهن شهادتها بالطب العام المعلقة على حائط عيادتها الرتيبة في المجمع الذي يقبع فوق سوق الخضار والفواكه!
أدخل لمخدعي منهكةً من الفحص، ومرارة حصى البان تلتصق بباطن كفي كوشم أبدي؛ هذا سريري المزدوج الذي أَحتلُّ يمناه فيما شطره الآخر مهجور، هذه الشماعة، هناك النافذة تكسوها ستارة متواضعة ولكنها نظيفة، الخزانة وقورة، أفتح بابها برويةٍ لأعلق ملابسي، أمد يدي لأتأكد من الركن الخاص بقمصانه فيرد علي صدى الفراغ، يقرصني الألم في صرتي ويقرع في رأسي صوتي المختنق يسألني: هل هناك حاجة لوصفة خالتي نظمية، بعد سنوات ثلاث جاورني بها في الحجرة الأخرى؟

* عمان/ الأردن